هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

فى الحروب لا يُعاد تشكيل الجغرافيا وحدها، بل يُعاد تنظيم الحياة اليومية بأكملها، بما فيها علاقة النساء بأجسادهن. فالنزوح لا يعني فقدان البيت فقط، بل فقدان منظومة الخصوصية، والاختيار، والسيطرة على التفاصيل الصغيرة التي تجعل العيش ممكناً. داخل المعسكرات، تُدار الحياة بمنطق الطوارئ: الطعام، الخيام، المياه، والأرقام، بينما تُقصى الأسئلة المرتبطة بالجسد، والكرامة، وإدارة الحياة الحميمة للنساء باعتبارها شأناً ثانوياً أو مؤجلاً. غير أن ما يُسمّى “تفصيلاً” في السياسات الإنسانية يتحول في الواقع إلى معاناة يومية مركّبة، تُقاس بالألم و الصمت والانسحاب من المجال العام.


إدارة الدورة الشهرية تمثل أحد أكثر هذه التفاصيل كاشفيةً لبنية الإغاثة في زمن النزاع. فهي لا تتعلق بالنظافة فقط، بل بالحق في الخصوصية، وفي الحركة، وفي البقاء في المدرسة والعمل، وفي عدم تحويل الجسد إلى عبء. حين تُجبر النساء على التكيّف داخل خيام مكتظة وبحمّامات بعيدة وسياسات تُلقي عبء الإدارة عليهن وحدهن، يصبح الجسد نفسه مساحة نزاع غير معلنة. هنا لا يظهر العنف في شكله المباشر فقط، بل في تجاهل الاحتياجات، وفي الصمت المفروض، وفي اختزال حياة النساء في حدود البقاء البيولوجي دون كرامة يومية.


من هذا المدخل، لا تبدو مبادرات مثل «كرت أحمر» عملاً خدمياً معزولاً، بل استجابة سياسية نسوية تنطلق من سؤال: كيف تُدار أجساد النساء في سياقات الحرب؟ وكيف تتحول الفوطة، واللغة، والمساحة الآمنة، إلى أدوات مقاومة تعيد تعريف معنى الإغاثة؟ في تتبع تجربة النساء في المعسكرات، يتكشف أن القضية ليست في منتج صحي، بل في إعادة توزيع الحق في الحياة اليومية، وفي مساءلة منظومة إنسانية كثيراً ما تنقذ الجسد وتترك الكرامة خارج الحسابات.


  الجسد تحت الخيمة: فقدان الخصوصية كواقع يومي للنساء في المعسكرات

 

في معسكرات النزوح، حيث تذوب الحدود بين الخاص والعام، تتحول الدورة الشهرية إلى تحدٍ يومي قاسٍ للنساء والفتيات. فالخيام المكتظة لاتترك مجالاً للخصوصية، والحمّامات البعيدة تجعل من أبسط الاحتياجات الصحية معركة صغيرة تخوضها النساء بصمت. تقول شابة نازحة من نيالا إنها فقدت غرفتها وسريرها وحقها في الانعزال، لتجد نفسها تشارك خيمة واحدة مع أسرة كبيرة، في واقع لا يترك للجسد أي مساحة آمنة. هذه ليست قصة فردية، بل تجربة تتكرر في معظم معسكرات النزوح داخل السودان وخارجه.


الدورة الشهرية في سياق النزاع: عنف غير مرئي في الاستجابة الإنسانية


اختيار الدورة الشهرية كقضية محورية في عمل المبادرات النسوية ليس تفصيلاً صحياً أو موضوعاً هامشياً، بل مدخلاً أساسياً لفهم كيف تُدار حياة النساء في سياقات النزاع. فإدارة الدورة الشهرية ترتبط مباشرة بالكرامة، والخصوصية، والحق في الحياة اليومية، وهي تكشف بوضوح الفجوات البنيوية في الاستجابة الإنسانية التي كثيراً ما تتجاهل أجساد النساء أو تختزلها في احتياجات ثانوية. في سياقات الحرب، يصبح الجسد ساحة صراع صامتة، ويغدو تجاهل هذه الاحتياجات شكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.


في معسكرات النزوح، مثل معسكرات ولاية سنار أو كرياندنقو في أوغندا، يشكّل بُعد الحمّامات وضعف بنيتها ونقص المياه تهديداً مباشراً لصحة النساء. تضطر كثيرات إلى حبس البول أو استخدام الفوط لفترات طويلة، ما يزيد من مخاطر الالتهابات الجسدية والضغط النفسي. كما أن سياسات التخلص من الفوط، مثل فرض دفنها، تنقل عبء الإدارة بالكامل إلى النساء في لحظات الألم والإرهاق، وتكرّس الوصمة بدل معالجتها. هذا العنف غير المرئي لا يُقاس فقط بالألم الجسدي، بل بما يفرضه من صمت وقهر يومي.


«كرت أحمر» استجابة نسوية تعيد تعريف الإغاثة


في هذا السياق، تبرز مبادرة "كرت أحمر" كاستجابة نسوية قاعدية تنطلق من الواقع المعيشي للنساء، لا من افتراضات العمل الإنساني التقليدي. تنظر المبادرة إلى إدارة الدورة الشهرية بوصفها حقاً أساسياً، وتربط بين الصحة، والكرامة، والعدالة اليومية، معتبرة أن تهميش أجساد النساء ممارسة منهجية للسيطرة عليهن، لا نتيجة عرضية للحرب.



صورة تُظهر متطوعين من منظمة كرت أحمر. المصدر: كرت أحمر


كسر الصمت: الوصمة، اللغة، واستعادة المعرفة بالجسد


تشكل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالدورة الشهرية أحد أبرز التحديات في المجتمعات السودانية. فاللغة نفسها تتحول إلى أداة قمع، حين تعجز النساء عن تسمية أجسادهن أو طلب الاستشارة الطبية. تعمل "كرت أحمر" على كسر هذا الصمت عبر كتيباتها و ورشها التدريبية، مستخدمة اللغات المحلية، ومقترحة حلولاً تراعي الحساسيات الاجتماعية، مثل تجفيف الفوط القماشية في الشمس مع تغطيتها بقطعة قماش. الهدف توفير منتج وإعادة فتح الحوار حول الجسد بوصفه معرفة وحقاً.


من التثقيف إلى التسييس: الجسد كساحة صراع سياسي


لا تكتفي المبادرة بالعمل الثقافي، بل تسعى إلى إدراج قضايا الصحة الجنسية والإنجابية ضمن النقاشات السياسية والحقوقية الأوسع. فالجسد، في السياق السياسي، يُستخدم كأداة للتنمر والإقصاء، لا سيما ضد الناشطات السياسيات. ويتجلى ذلك بوضوح في الفضاء الرقمي، حيث تتعرض النساء لحملات تشهير أخلاقي وجنسي، وتهديدات بالعنف الجنسي، والتشكيك في أنوثتهن أو أهليتهن الاجتماعية. هذه الممارسات ليست معزولة، بل جزء من بنية إقصائية تهدف إلى إسكات النساء وإبعادهن عن المجال العام.


صورة توضح أحد مشاريع منظمة كرت أحمر. المصدر: كرت أحمر


رغم محدودية التمويل وقلة عدد المتطوعات، تطور "كرت أحمر" نموذجها ليأخذ شكل مدرسة نسوية تقاطعية متنقلة، تنتقل بين المناطق حاملة المعرفة والدعم والتوثيق. تبدأ الجلسات بدعوة النساء لاستحضار أول تجربة لهن مع الدورة الشهرية، ما يفتح الباب لمشاركة الذكريات وكسر الحواجز. تتحول هذه اللقاءات إلى مساحات آمنة للسرد، والتعلم، وإعادة تعريف العلاقة مع الجسد خارج القوالب المفروضة.


في هذا الإطار، لا تُوزَّع الفوط القماشية كسلعة، بل كمفهوم يُعاد التفكير من خلاله في النظافة، والاستدامة، والجسد. تُفكك في الجلسات المفاهيم الخاطئة مثل الاعتقادات حول استخدام “كأس الدورة الشهرية” أو“السدادات القطنية، وتُمنح النساء فرصة معرفة خياراتهن واتخاذ قرارات مستنيرة. هكذا تتحول الفوطة القماشية إلى أداة تحررية، لا مجرد بديل اقتصادي.


صورة توضح أحد تدريبات المنظمة في معسكر كرياندنقو، بيالي، في أوغندا. المصدر: كرت أحمر 


إعادة تعريف الضرورة: الشبكات النسوية بوصفها فعلاً مقاوماً


أظهرت تجربة "كرت أحمر" أن الاستجابة لقضايا الدورة الشهرية في سياقات النزوح لا يمكن فصلها عن بناء شراكات حقيقية مع النساء من داخل المجتمعات المحلية. فاختيار العمل عبر غرف الطوارئ النسوية والمبادرات القاعدية، والاعتماد على المتطوعات المحليات، لم يكن خياراً تنظيمياً فحسب، بل ركيزة سياسية وأخلاقية أعادت توزيع الثقة والسلطة داخل عملية التدخل نفسها. هذا النهج أسهم في تمرير الرسائل بسلاسة، وتقليل المقاومة المجتمعية، وضمان أن تكون المواد التوعوية حيّة ومتجددة، تُراجع باستمرار بناءً على ملاحظات النساء وتجاربهن الفعلية.


صورة توضح واحدة من تدريبات المنظمة وسط النساء. المصدر: كرت أحمر


الأثر الملموس لهذا النموذج لا يقتصر على الأرقام، لكنه يتجسد فيها أيضاً. إذ أظهرت ورش التدريب في معسكر كرياندنقو أن 79% من المشاركات بدأن استخدام الفوط القماشية بعد التعرّف على فوائدها. هذه النسبة تعكس تحولاً في الممارسة وانتقالاً في المعرفة والموقف، وتؤكد أن بناء الوعي عندما يقترن بالثقة والاختيار قادر على إحداث تغيير حقيقي حتى في أكثر السياقات هشاشة.


و في ظل غياب الدولة أثناء النزاعات، تصبح الشبكات النسوية مثل "كرت أحمر" ضرورة لا ترفًا، فهي تملأ فراغ الخدمات وتعيد تعريف أولويات العمل الإنساني ذاته. توزيع مستلزمات الدورة الشهرية بما تحمله من أبعاد صحية، ومعرفية، وتنظيمية يتحول من فعل إحساني مؤقت إلى ممارسة سياسية واعية تُطالب بالحق في الكرامة، وتربط بين الغذاء والجسد، وبين الإغاثة والعدالة. فحين تتجاهل المنظومات الإنسانية أجساد النساء بوصفها «قضايا ثانوية»، تتدخل هذه الشبكات لتؤكد أن البقاء لا ينفصل عن الكرامة. بهذا المعنى، لا تصبح الفوطة مجرد أداة نظافة، بل أداة مساءلة: من يقرّر ما يستحق الحياة الكريمة، ومن يُقصى من تعريف «الضرورة» في زمن الحرب؟ إن التحول من الإغاثة إلى المقاومة السياسية يعيد تموضع النساء في قلب النقاش، وينقل القضية من سؤال التحمّل إلى سؤال الاستحقاق. 


نادين السر

كاتبة صحفية، مخرجة سينمائية، ومقدمة برامج إذاعية تسخّر الكلمة والصورة لنصرة قضايا الإنسان. أكرّس عملي للدفاع عن حقوق النوع الاجتماعي والأقليات والحقوق الدينية، مستلهمة قيم الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية. أؤمن بأن الإعلام والوسائط الإبداعية يمكن أن تكون جسراً للتغيير وبناء عالم أكثر إنسانية ورحمة.