هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

في مجمع سكني على أطراف جوبا، يشتدّ الحرّ قبل التاسعة صباحاً، وقد تجمعت دائرة من النساء تحت ظل شجرة مانجو، يتوسطهن وعاء معدنيّ مليء بخرزات متنوعة. تفرز أكول الألوان بملمسها بقدر ما تفرزها بعينيها، فتتحرك أصابعها بين الأحمر والأبيض والأزرق الداكن الذي اعتادت أن تسميه دائماً "لون السماء"، وتقسمه إلى أوعية صغيرة من دون أن تنظر إلى الأسفل. من حولها، يتنقل الحديث بين عربي جوبا ولغة الدينكا، يرتفع ويخفت مع إيقاع تمرير الخرز في الخيط، ولا يقطعه إلا طفل يركض بين النساء مطارداً خرزة شاردة تدحرجت على التراب. تمارس أكول هذا العمل منذ أن كانت في التاسعة من عمرها، بعدما علمتها والدتها وهي جالسة على حصير يشبه هذا، في قرية تبعد يومين سيراً على الأقدام عن المكان الذي تجلس فيه اليوم.


لا أحد هنا يؤدي هذا التقليد أمام جمهور. إنهنّ يمارسن ما كانت تمارسه أمهاتهنّ، في المكان الذي مارسته فيه أمهاتهنّ، لأنّ الممارسة بحدّ ذاتها هي الغاية: دفع الرسوم الدراسية، وتمضية الوقت بين الأعمال المنزلية، والحفاظ على لغة الألوان والأنماط حيّةً في أيديهنّ حتى لا تقتصر على الذاكرة فقط.


مجموعة من النساء يصنعن الخرز معًا تحت الظل، في ممارسة تجمع بين كونها مصدراً للدخل وطقساً يومياً. المصدر: Space2b Social Design – برنامج الخرز الإفريقي.


خيوط تسبق الحدود


قبل وقت طويل من ظهور دولة جنوب السودان كحدود مرسومة على الخريطة، كان للخرز معانٍ ورموز متجذرة بين المجتمعات التي أصبحت تعيش داخلها اليوم. فعند قبيلة الدينكا، لم يكن المشد المصنوع من الخرز، المعروف باسم "ألوال" (للنساء) أو "مالوال" (للرجال)، مجرد زينة. فقد كانت ألوانه وكثافة حباته تعكس الفئة العمرية، والأهلية للزواج، والمكانة الأسرية، بل إن طريقة صناعته كانت أحياناً تشير إلى حجم المهر الذي تتوقعه الأسرة، ويُقاس بعدد رؤوس الماشية.


كانت الفتيات يرتدين مشدات تزداد تعقيداً مع تقدمهن في العمر، وفي كثير من الأحيان لا يُزال المشد المحكم إلا يوم الزفاف، في طقس رمزي صغير يعلن نهاية مرحلة من الحياة وبداية أخرى. واليوم، فإن كثيراً مما هو موثق عن هذه القطع التراثية لا يزال محفوظاً في المتاحف والأرشيفات الإثنوغرافية خارج جنوب السودان، أكثر مما هو موجود داخل مؤسساتها، وهو ما يعكس الفجوة في توثيق هذا الإرث والحفاظ عليه. وقد سعى باحثون، مثل القائمين على أرشيف المعرض القبلي، إلى سد جزء من هذه الفجوة من خارج البلاد.


ولدى مجتمعات أخرى تقاليدها الخاصة أيضاً. فقد استخدم النوير تاريخياً خرزاً مصنوعاً من قشور بيض النعام قبل وصول الخرز الزجاجي عبر طرق التجارة الإقليمية، حيث كانت القشور تُكسر بعناية، وتُثقب، ثم تُنظم في عقود وأحزمة للخصر. أما قبائل الباري والشلك، فلها ألوانها ورموزها الخاصة، وقطع تُرتدى في مناسبات محددة مثل طقوس البلوغ، ومواسم الحصاد، وفترات الحداد. ولا يمكن اعتبار هذه التقاليد متشابهة، رغم أن كثيرين من خارج المنطقة يختزلونها جميعاً تحت مسمى واحد هو "الخرز الإفريقي". وما يجمع بينها ليس نمطاً واحداً، بل منطقاً مشتركاً؛ فالخرز كان لغة تقرؤها النساء على أجساد بعضهن البعض، دون حاجة إلى شرح.


مشدّ مطرز تقليدي لامرأة من قبيلة الدينكا، كانت أشرطته الملونة تشير في الماضي إلى الفئة العمرية والحالة الاجتماعية. المصدر: ROOTS of South Sudan – أرشيف الحرف التقليدية للخرز.


ما الذي تقوله النساء؟


إذا سألت أكول لماذا تواصل صناعة الخرز لساعات طويلة تحت شجرة المانجو، فمن النادر أن تتحدث عن "الحفاظ على التراث" بالطريقة التي يتوقعها القادمون من الخارج. فهي تصنع الخرز لأنه يوفر لها دخلاً يغطي احتياجات لا تستطيع مصادر أخرى توفيرها، مثل شراء دفاتر شقيقتها الصغرى أو كيس من الذرة الرفيعة عندما ترتفع الأسعار. وتقول مازحة: "الخرز ما بنسى يدفع لي." بالنسبة لها، هذه الحرفة أقرب إلى مصدر دخل ثابت يمنحها الأمان، أكثر من كونها تراثاً يُعرض للناس.


بجانبها، تستمع شابة تُدعى نيانلواك أكثر مما تتكلم. تستعد نيانلواك للانضمام إلى عمها في كمبالا خلال هذا الشهر، وتقول إنها تحيك الخرز يوميًا هذا الأسبوع، جزئيًا لبيع ما تستطيع قبل سفرها، وجزئيًا لأنها تُريد أن تحفظ النقش عن ظهر قلب، لا أن تحفظه فقط، قبل أن تُضطر للبدء من جديد في مكان آخر. تقول: "أُريد أن تتذكر يداي حتى لو نسيت الكلمات". تتوقف كلماتها للحظة قبل أن تستأنف عملية التطريز، في اعترافٍ ضمني بمدى أهمية هذه المهارة التي، على عكس الأوراق أو الممتلكات، لا يمكن مصادرتها عند نقاط التفتيش.


حرفة واحدة... وأيدٍ كثيرة في أماكن مختلفة


لا تزال صناعة الخرز في جنوب السودان مرتبطة بالأعراس، والمهرجانات الثقافية، والأسواق اليومية في مدن مثل جوبا، حيث تُباع إلى جانب الخضروات والملابس المستعملة، وتُحدد أسعارها بالمساومة لا ببطاقات الأسعار. ومع تنقل الناس، انتقلت هذه الحرفة معهم إلى أماكن أخرى.


في نيروبي وكمبالا، تبيع نساء جنوب السودان مشغولاتهن لأفراد الجالية وللعاملين في المنظمات الإنسانية، وأحياناً تصبح جزءاً من أسواق الحرف في شرق إفريقيا، حيث تتداخل ملامح الخرز الجنوب سوداني مع نظيره الكيني والأوغندي. أما في كالغاري في كندا، فقد أصبحت صناعة الخرز مساحة تجمع النساء أسبوعياً وتحافظ على الهوية الجنوب سودانية لدى الأطفال الذين نشأوا بعيداً عن وطنهم.


كما تغيرت المواد المستخدمة مع انتقال الحرفة. ففي الريف الجنوب سوداني، لا تزال الخرزات المصنوعة من قشور بيض النعام أو البذور المحلية، لأنها متاحة دون تكلفة كبيرة. بينما تعتمد مجتمعات المهجر على الخرز الزجاجي والبلاستيكي المستورد. ومع ذلك، بقيت الرموز كما هي، إذ لا تزال الألوان تعبّر عن الشجاعة، والنقاء، والسلام، حتى وإن تغيّرت الخرزات نفسها وانتقلت بين القارات.


خرز معروض للبيع إلى جانب سلع أخرى في أحد أسواق جنوب السودان، حيث تُحدد الأسعار بالمساومة وليس ببطاقات الأسعار. المصدر: Alamy – سوق، جوبا، جنوب السودان.


إلى أين تمتد الخيوط؟


إذا تتبعت رحلة هذه الحرفة بعيداً عن جنوب السودان، فستصل في النهاية إلى ورشة داخل مبنى كان في السابق مخزناً للآلات في متحف ومعرض مدينة فيرفيلد في ضاحية سميثفيلد بغرب سيدني، أستراليا. هناك، وفي صباح كل يوم سبت، تجلس مجموعة من نساء جنوب السودان حول طاولة طويلة كانت تُستخدم يوماً لحمل الأدوات، وأصبحت اليوم مخصصة للخرز.


ورغم أن المكان لا يزال يحتفظ برائحة خفيفة من زيوت المحركات، إلا أن رائحة الشاي المتبّل وأصوات الحديث المتداخل بلغة الدينكا تمنحه روحاً مختلفة. إنها اللغة نفسها التي تتحدث بها أكول ونيانلواك تحت شجرة المانجو في جوبا، لكنها قطعت أكثر من اثني عشر ألف كيلومتر لتجد لها موطناً جديداً.


إحدى النساء، التي وصلت إلى أستراليا بعد سنوات قضتها في أحد مخيمات اللجوء، تصف هذه الورش بأنها "ملاذ آمن". فبالنسبة للنساء اللاتي اضطررن إلى النزوح، فإن العودة إلى صناعة الخرز ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل واحدة من القليل من الأشياء التي تمنحهن شعوراً بالاستمرارية والسيطرة على جزء من حياتهن.


نساء من جنوب السودان يصنعن الخرز معاً خلال ورشة مجتمعية في غرب سيدني، مواصلاتٍ ممارسة حملنها معهن من الوطن. المصدر: مجلة جارلاند - "خلق ملاذ من خلال الخرز"


ما الذي تفككه الحرب... وما الذي تعجز عن انتزاعه؟


ألحقت الحرب والنزوح المتكرر أضراراً كبيرة بالبيئة التي تُصنع فيها مشغولات الخرز وتُنقل فيها المهارات. فالأسواق تغلق عندما تُهجَر المدن، وتتأثر إمدادات الخرز المستورد مع انعدام الأمن على الطرق، كما يصبح من الصعب على الأمهات نقل هذه المهارة إلى بناتهن عندما تفرقهن الحرب أو حياة النزوح.


كما يواجه الباحثون والصحفيون صعوبة في توثيق حجم اقتصاد الخرز في جنوب السودان، لأنه يعتمد إلى حد كبير على العمل غير الرسمي والمقايضة، ولا توجد جهة حكومية أو دولية توثق عدد النساء العاملات فيه، أو حجم مساهمته في دخل الأسر، أو كمية المنتجات التي تُباع خارج البلاد.


ورغم ذلك، أثبتت هذه الحرفة قدرة لافتة على الصمود، لأنها لا تحتاج إلى الكثير لتبدأ من جديد. فالمرأة التي فقدت كل شيء يمكنها أن تجد أو تصنع بعض الخرز، وتتذكر النقوش، ثم تعلمها لطفل خلال أيام من وصولها إلى مكان جديد. ولهذا السبب تعود صناعة الخرز للظهور باستمرار في مخيمات اللجوء ومجتمعات المهجر، ليس بدافع الحنين فقط، بل لأنها من الأشياء القليلة التي لا تستطيع الحرب أن تنتزعها. فالمهارة تسكن في الأيدي، لا في ورشة يمكن إحراقها أو سوق يمكن إغلاقه.


قياس ما يصعب قياسه


تكاد البيانات المحلية الدقيقة حول تجارة الخرز في جنوب السودان تكون معدومة، وهو وضع يعزوه الباحثون إلى الطابع غير الرسمي للاقتصاد في البلاد ومحدودية نطاق جمع البيانات الرسمية. لكن ما هو موجود هو سياق أوسع مقنع يشير إلى حجم الفرص الكامنة وراء هذه الفجوة: فقد قدّر باحثون في السوق العالمية، مثل "جراند فيو ريسيرش" و"زيون ماركت ريسيرش"، حجم سوق مجوهرات وإكسسوارات الخرز في العالم بمليارات الدولارات الأمريكية في منتصف العقد الحالي، مع توقعات باستمرار النمو حتى نهاية العقد، مدفوعًا بشكل أساسي بالطلب المتزايد على الإكسسوارات المصنوعة يدويًا والمميزة ثقافيًا، مقارنةً بالمجوهرات المنتجة بكميات كبيرة.


وتمثل منتجات الخرز الأفريقية بالفعل حصة كبيرة من هذه التجارة العالمية، مما يشير إلى أن الحرفيين في جميع أنحاء القارة، بمن فيهم نساء جنوب السودان العاملات بشكل غير رسمي، يشاركون في سوق متنامية حتى وإن كانوا يفتقرون إلى الإحصاءات التي تثبت ذلك بدقة. وما تغير مؤخرًا يتعلق بالمواد والتقنيات بقدر ما يتعلق بالأسواق. يمزج العديد من صانعي الخرز اليوم بين القديم والجديد عن قصد، محافظين على رمزية الألوان ومنطق الأنماط في التصميم التقليدي، مع استخدام خرز زجاجي أو بلاستيكي مستورد، فهو أرخص وأكثر اتساقًا وأسرع في الحصول عليه من خرز قشر البيض أو خرز البذور. لا يُعدّ هذا إضعافًا للحرفة بقدر ما هو تكييف لها لضمان جدواها الاقتصادية، وهي استراتيجية اختارتها النساء بأنفسهن بدلًا من فرضها عليهن، لمواصلة كسب المال من صناعة الخرز لتغطية نفقات الدراسة والإيجار، وهو ما لم يعد بالإمكان تحقيقه بالتقاليد وحدها.


وبعبارة أخرى، قد يستغرق صنع عقد بسيط من خرز البذور، من النوع الذي تصنعه أكول ونيانلواك تحت شجرة المانجو، بضع ساعات من العمل المتواصل، بينما قد يستغرق صنع عقد ضيق ذي نقوش معقدة وخياطة دقيقة وتناسق ألوان، عدة أيام متقطعة. أما في أقصى درجات الحرفية، فإن صنع مشدّ كامل من خرز قبيلة دينكا، وهو النوع الذي كان يُفكّ في يوم زفاف المرأة فقط، يُعدّ مشروعًا يُقاس بالأسابيع لا بالساعات. حتى المشدّات العصرية المبسطة التي تُنتجها الآن مشاريع إحياء التراث، مثل مشروع "جذور جنوب السودان"، يصفها صانعوها بأنها تستغرق أسابيع من العمل الدؤوب لإنجازها.


أما بالنسبة للبيع، فتتراوح أسعار قطع الخرز الجنوب سودانية الجاهزة في أسواق الشتات بين 25 دولارًا أمريكيًا تقريبًا للقلادة ذات الخيط الواحد أو زوج من الأقراط، وتصل إلى 70 دولارًا أمريكيًا أو أكثر للقطعة ذات الخيوط الثلاثة، وفقًا لموقع "Taste of South Sudan". تشمل هذه الأسعار تكلفة الخرز نفسه، الذي يُستورد عادةً ويُشترى بكميات كبيرة، بالإضافة إلى ساعات العمل اليدوي الطويلة التي تُبذل في حياكة القطعة النهائية. ولذلك، يُنظر إلى الدخل الناتج على أنه أجر عادل مقابل عمل ماهر ومُرهق.


عودة إلى نقطة البداية


في وقت مبكر من بعد الظهر في فيرفيلد، كانت طاولة العرض تعجّ بقطع جاهزة وأخرى غير جاهزة: قلادة بنمط دينكا بجانب سوار عصري يجمع بين خرز مستورد وقلادة واحدة من صدفة نعامة، أرسلها أحد الأقارب من سوق في جوبا. ترفع امرأة عقدها المكتمل أمام ضوء النوافذ العالية للسقيفة، وتتأكد من تسلسل الألوان للمرة الأخيرة قبل ربطه. يستمر الحديث بلغة الدينكا دون انقطاع، بنفس الإيقاع المتداخل الذي لا يزال يتردد صداه تحت شجرة المانجو التي تجلس تحت ظلها أكول في الجانب الآخر من العالم، حيث ربما تكون نيانلواك قد غادرت بالفعل إلى كمبالا، ويداها تحملان النقش الذي كانت حريصة على ألا تنساه.


لا شيء في أي من المشهدين يوحي بـ"المرونة" أو "التمكين"؛ فهذه كلمات تُستخدم في تقارير المنح، وليست وصفًا لظهيرة عادية تُقضى في نسج الخرز. ما يحدث فعلاً أصغر وأطول أمداً من أي من الكلمتين: مهارة تنتقل من يد إلى أخرى ثم إلى أخرى مرة أخرى كما فعلت لأجيال، بغض النظر عن البلد الذي تتواجد فيه تلك الأيدي. هذا هو شكل الاستمرارية في الممارسة العملية: ليس خيطاً واحداً متصلاً، بل آلاف العقد الصغيرة المتعمدة، التي يُعاد ربطها في كل مرة يُقطع فيها الخيط، من شجرة مانجو على أطراف جوبا إلى حظيرة آلات مُحولة على بُعد اثني عشر ألف كيلومتر.


أكير قاي ماقوت كورينق

أكير قاي ماقوت كورينق باحثة وكاتبة من جنوب السودان، وناشطة في مجال التمكين الاقتصادي للنساء، تقيم في جوبا. تحمل درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال، وتواصل حاليًا دراسة ماجستير إدارة الأعمال في التمويل بجامعة جوبا. يتركز عملها على قضايا النوع الاجتماعي، وسبل كسب العيش، وريادة الأعمال، وقيادة الشباب، والتنمية المجتمعية، وقد ساهمت في أبحاث دعمت تطوير البرامج والسياسات المتعلقة بالمشاركة الاقتصادية للنساء والتنمية الشاملة. تكتب أكير عن الواقعين الاجتماعي والاقتصادي اللذين يشكلان حياة المجتمعات في جنوب السودان، انطلاقًا من التزامها بإبراز الأصوات المحلية وتعزيز النقاش حول المساواة بين الجنسين، والعدالة الاقتصادية، والتنمية المستدامة.