تحذير وإخلاء المسؤولية: المحتوى الذي أنت على وشك قراءته يحتوي على تجارب مصورة وحساسة لحرب السودان. تعكس الآراء الواردة في هذه المقالة آراء المؤلف فقط وليس آراء أندريا. ننصح القارئ بالتقدير وحرية الإختيار. اقرأ إشعارنا التحريري الكامل هنا.

بورتسودان، من المدن التي لم تطلها نيران الحرب، و من أهم المدن لمستقبل السودان الصناعي. المصدر: حسن كامل لأندريا
الحرب سوف تتوقف بشكل آو آخر وسوف يطرح على الجميع مسئوليات ومهام مابعد الحرب. يقوم الاطار العام لتناول الإشكاليات الأساسية لما بعد الحرب ومقاربتها على التوصل المجتمعي ان تطور السودان عملية تغيير شاملة -نادت بها الشوارع طوال خمس سنوات - وهذا التغيير ليس في اطارات الحكم أو تحقيق الاهداف، لكن يشمل تغييرات في ثلاث مفاهيم اساسية: تغيير النموذج؛ أسلوب حل المشاكل و القيادة الملهمة ضمن منهج موحد.

رجل ينظر إلى منزل أصيب أثناء القتال في الخرطوم. المصدر: أي بي/مروان علي
فحص النماذج القديمة الفاشلة
أولا: النموذج الاسترشادي (البرادايم) للدولة السودانية: بأكملها في بنياته ومبادئه وأفكاره الأساسيه والتزاماته الاخلاقيةً. لقد بان جلياً أن النموذج القديم لبناء الدولة السودانية منذ الحلقات الأولى لمؤتمر الخريجين وحتى ثورة ديسمبر ٢٠١٨ واستمرارها، نموذج عاجز وفاشل وراكم تجارب سلبية من غياب الفكر الديمقراطي وسيادة الفكر التنظيمي، عقلية التعريب، غياب الرؤية، الثقافة الشفاهية، فقدان العقل الاستراتيجي المسنود بالاحصائيات، الموروث القبلي وسوء ادارة التنوع. هذا الإرث الثقيل هو الذي أودى ببناء الدولة السودانية الحديثة. انتبهت مواثيق مابعد الثورة المتعددة، لهذه الإشكالية التاريخية وتبنت مفهوم "تأسيس الدولة السودانية"، ويعني في طياته سقوط نموذج التأسيس القديم وضرورة البحث عن نموذج استرشادي جديد، اي "تغيير البرادايم".
ثانياً: إعتماد أسلوب حل المشكلات: يعتمد النموذج القديم على تحليل المشكلات ومن ثم وضع الاولويات وايجاد الحلول. هذه العمليات يقوم بها تقنيون وسياسيون محدودين ليقرروا في شأن المعضلات الكبرى والصغرى ويسمع بها الشعب كقرارات تمس مجمل حياته. ما نقصده هنا أنه يجب أن تتم هذه العمليات من أولها لأخرها بواسطة تقنيين وساسة وأصحاب المصلحة، أي المشاركة الكاملة "للشعب المعني" في إتخاذ قراراتة - وقد تصل لحدود رصد الرأي العام بتوفير آليات قانونية لرصدها، وحتى الإستفتاء في قضايا كبرى مثل التطبيع والأرض وحقوق سكان المجموعات السكانية ضمن مفهوم المواطنة وغيرها.
ثالثاً: قيادة ملهمة: إعتمد النموذج القديم على الخطابة وإطلاق الشعارات التي ترضي الرغائبية في الإلهام. لكن القيادة الجديدة يجب أن تصنع إلهامها من إعتمادها على رفع معنويات الشعب وتحويله من خطابات المظلومية والإستبعاد والإقصاء عن معالجة قضاياها للمشاركة الفعلية في المعالجة. هناك ركائز أراها مهمة في كيفية تحول القيادة لملهمة. أول هذه الركائز إشراك الشعب في تدبير حالهم وصنع صورة مستقبلهم والمساهمة الإيجابية في بناء الوطن؛ ثاني هذه الركائز إبراء الذمة عبر عملية قانونية تربط القادة بمراجعات دورية من المراجع القومي ونشرها؛ اخر هذه الركائز هو الشفافية في توضيح كيفية إتخاذ القرار والتضحيات و المكاسب المتوقعة.

الرئيس السوداني السابق عمر البشير وهو جزء من القيادة القديمة. المصدر: القناة 4
حان الوقت لإعادة التفكير في مستقبلنا
حتى نجسد حلول رؤيوية للإشكالات التي ناقشناها في المقالة الأولى وهي غير البرنامج والخطط التي ستوضع، فان موقعنا في الجيوبوليتيكا القادمة سوف تحدده إختياراتنا من القضايا التي سوف نهتم بها. في مستقبلنا لابد أن نسأل عن الأسئلة الوجودية الثلاث للوطن ونجاوب عليها ونتفق حولها: أين الوطن الآن؟ وهي دراسات إستقصائية مكثفة تقوم بها مراكز البحث والتكوينات المحلية وغيرها. من نتائج هذه الدراسات المعمقة سوف نحدد إلى أين نريد الذهاب؟ مابعد ذلك نعمل خيالنا وإبداعنا وقدراتنا الخلاقة لنحدد كيف نود أن نصل لما حددناه كمكان للوصول. هذه سوف تكون الروية الوطنية الشاملة التي سوف تصنع لنا مكاناً محترما في المستقبل.
يمكن أن يقود السودان حركة تغيير إفريقية شاملة بدلاً من التخبط في الدائرة الشريرة ،التي خبرنا هباءها فدمرت الوطن. إستقرار أي دولة يبدأ من خلق علاقات طبيعية ومفيدة وندية مع دول العالم مهما كانت درجة الإختلاف ومواجهة التناقضات عن طريق الحوار والتنازلات المتبادلة للوصول لتفاهم يساهم في بناء الثقة المتبادلة. سوف، إذا إستطعنا بناء هيكلية التفاهم والمصالح المشترك، أن نقود جوارنا وأن نساهم بشكل فعال وإنساني في تحويلهم لقوة ضاربة من المدنية والديمقراطية وإيقاف مهاجع الفساد ومواجهتها وكسر شوكتها، والمنتشرة في مجمل بلادنا والبلاد المحيطة بنا. حينها سيمكننا تحويل موقعنا الجيوبوليتيكي من مركز للهجرة والوصول للأرض والمياه وإستغلال شهامة وكرم السكان الى دافع لبناء كافة الدول بالتعاون المثمر والخالي من الفساد وغسيل الأموال.

بعض البنية التحتية في الخرطوم قبل اندلاع الحرب. المصدر: أفريكا فاكتز زون
جزء من هذا التفاعل هو خلق شريان المواصلات الذي يربط دول غرب أفريقيا ووسط أفريقيا المغلقة (طرق وسكك حديد متطورة وكهرباء وربما الغاز الطبيعي وغيرها) ومؤاني السودان. هذا المشروع جزء من مشاريع تجارية عديدة حول العالم، وتحتاج لمشاورات طويلة ومكثفة وتعاون فعال من جهات إقليمية ودولية عديدة. بهذا سوف نحول ما كان جزءاً من المشكلة وسبباً لغزو الدعم السريع إلى جزء من الحل. سوف نحتاج لمنظومة من القوانين والإجراءات في تجارة الترانزيت ووسائط الدفع وتبادل السلع وغيرها. سوف تسند بناء البنيات المختلفة في كل المشاريع المختلفة، مما يستدعي بناء أجهزة التنسيق المتكاملة وإدخال طرق عمل محكمة في كافة مؤسسات الدولة.
نواجه بدول مجاورة ضخمة الكثافة السكانية (مصر وإثيوبيا) تتعاظم احتياجاتها الغذائية في ظل ضغوط كبيرة من مراكز السلطة والمال الدولية، في حين تتمتع بلادنا بوفرة الأرض والمياه والبيئة الملائمة والإختراقات الصناعية. علينا أن نبحث معاً عن أسس جديدة من الندية السياسية، عدم التدخلات والتحول من التعامل الأمني إلى لغة المصالح المشتركة، للتوصل لشراكات حقيقية تضبطها إتفاقيات ولخير الجميع وإرضاء المصالح المشتركة. بدلاً من الحديث النظري يمكن أن تكون هذه مثالاً ونموذجاً عملياً في تطوير وحدة إفريقيا، لتفتح الطريق لتكوين تجمع مثل الآسيان والإتحاد الآوربية وغيرها.
البنية العلمية
السودان على بعد كبير من تطور العلم، مساهمة وإستيعاباً وحتى إستهلاكاً لدرجة أننا عندما حاولنا إصلاح المناهج، بدأناها بإستبدال المنهج بمنهج آخر، بدلاً من البدء من فتح حوار كبير بين أطراف العملية التعليمية حول ما يحتاجون إليه. علينا أن نبدأ فوراً في إنشاء مؤسسات الأبحاث والتطوير في جميع المجالات مستفيدين من علمائنا في كافة أرجاء الأرض، ودخول عالم التكنولوجيات كما فعلت الهند عبر رؤية واضحة لتزمت بها. سوف نمضي وقتاً طويلاً في هذه العملية، لكننا سنكون بدأنا من الطريق الصحيح. هذا يشمل العلوم الدينية والاجتماعية وبنائها على العلم.
سنبدأ من حيث يقف العالم الآن، وننشيء مركز السودان للتكنلوجيا من الفتات كما فعلت تايوان في إنشاء شركة تايوان لأشباه الموصلات، وكما فعلت الهند في تحويل البلد لمركز القيادة في البرمجيات. وبدلاً من أن يغرق علمائنا وعقولنا في مراكز العلم في العالم في أمور السياسة والحكم والمنازعات في المبادرات والطنين ومباريات، ليحضروا للوطن لتحويله في ربع القرن الحالي إلى واحة للعلم والتقدم ونخرج من جيوبوليتيكا بعانخي والسلطنة الزرقاء لافاق جديدة.

Aawsat مصفاة الخرطوم قبل الحرب. المصدر
الطاقة المتجددة
مستقبل السودان هو في تحوله لدولة خضراء زراعية حيوانية ومعدنية مؤسسة على تطور صناعي يشمل كل هذه المجالات ويستلزم هذا تطوير قدراته في كل هذه المجالات. كل هذا يحتاج للطاقة المحركة باعتبارها الأكثر أهمية، و وسائل المواصلات وسبل الاتصالات. هذه محددات تطور الوطن وتحولها من دولة متخلفة تعيش في غياهب العصور الوسطى لدولة تعيش في عصر التكنلوجيا الحديثة. محددات الطاقة الحديثة هي الطاقة المتجددة، ويملك السودان مدخلاتها من طاقة المياه، الرياح، الطاقة الشمسية و غيرهم. وكما أشرنا سابقاً فهذه سوف تعتمد على بناء البنية العلمية منذ البداية. وهي متاحة في العالم المتعدد الأقطاب الذي نعيش فيه.
الحزام الاخضر الأفريقي
في مقالتي "زيارة اخرى للتاريخ: بزوغ الامبراطورية العربية الاسلامية (٣-٩) " في سودانايل، جاء فيها "علينا أن نفكر معا كدول ساحل أن نغير البيئة التي انتجت الفكرة الجنجويدية وتحويل المجموعات السكانية العربية من فئة مهملة ومهمشة وجاهلة إلى دمجها في مجتمعاتها وقبولها بأسس التعايش المتنوع". تتقدم الصحراء جنوباً بمعدل 5 إلى 6 كيلومترات فى العام ويزداد التنافس على الموارد الطبيعية أكثر فأكثر فى الوقت الذى إنحصرت فيه الأرض الصالحة للزراعة المطرية والمراعى الغنية فى جنوب دارفور، جنوب كردفان والنيل الأزرق. إن التنافس الحاد على الموارد الطبيعية الشحيحة كان الشرارة الأولى لحروب دارفور وحتى الحروب الاخيرة.
مبادرة الحزام الأخضر الأفريقي وهي جدار من الأشجار بعرض 16 كيلومتراً أو أكثر، تبدأ من السنغال في أقصى غرب القارة إلى جيبوتي في شرقها. هدف المبادرة المحلية حل إشكالات الموارد والصراع حولها في ولايات شمال دارفور وشمال كردفان والنيل والشمالية والشرق والتي كانت جزءاً من مسببات حروب دارفور العديدة، الإمكانيات تتعاظم في حل أكبر اشكاليات هذه المبادرة - التمويل. لقد بدأ العالم في الاحساس بوطأة نتائج الاحترار العالمي و التغيير المناخي وتاثيره على الكوكب. هذا تحدي لطريق السودان نحو النهضة والتقدم في أن يوفر من حشد موارده من ماء وقوى عاملة والمجتمعات المدنية والدخول مع المجتمع الدولي في إستبدال منتج الاكسجين بمخلفات ثاني اكسيد الكربون أو ما يعرف بتجارة الكربون.
من بين الركام سوف ينهض المارد السوداني ويقبض جمر قضيته بيديه العاريتين التي أرهقها العرق والدم والتراب والمسغبة والتشرد، ليبني، في اليوم التالي، وطنه المسروق والمدمر، وعبر حشد موارده المحلية دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة، تتمتع بالحرية والسلام والعدالة. وإننا سننتصر، ننتصر وننتصر.