مقدمة
في ظل الأزمات المتداخلة التي يشهدها العالم من النزاعات المسلّحة إلى التغير المناخي والانهيارات الاقتصادية، أصبح مفهوم الأمن الغذائي يتجاوز مجرد توفر الغذاء ليشمل القدرة المستدامة على الوصول إليه، إنتاجه، واستخدامه بشكل عادل وآمن، وفي قلب هذا النظام المعقّد، تقف المرأة كفاعل محوري، غالباً ما يكون غير مرئي في السياسات رغم حضوره الكثيف في الواقع، تشير التقارير الدوليّة إلى أن النساء ينتجن أكثر من 50% من الغذاء عالمياً، ويلعبن دوراً مركزيّاً في الإنتاج الزراعي، تجهيز الغذاء، وإدارة التغذية الأسرية، ومع ذلك، فإن هذا الدور لا يُترجم إلى قوة مؤسسيّة أو تمثيل عادل في اتخاذ القرار، مما يخلق مفارقة هيكلية.
المرأة هي العمود الفقري للأمن الغذائي، لكنها أيضاً الأكثر عرضة لانعدامه، لذا أسعى هنا لتفكيك هذه المفارقة، وتحليل دور المرأة في الأمن الغذائي عبر مستويات الإنتاج، الوصول، التغذيّة، والقدرة على الصمود، مع تسليط الضوء على السياق السوداني بوصفه حالة حرجة ومكثّفة.

صورة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر أن النساء يُنتِجن أكثر من 50% من غذاء العالم.
أولاً: المرأة كمنتج رئيسي للغذاء، الاقتصاد غير المرئي
تشكّل النساء نسبة ضخمة من القوى العاملة الزراعيّة، خاصةً في أفريقيا، حيث يساهمن بما يصل إلى 60–80% من إنتاج الغذاء، وفي السودان تحديداً، تمثل النساء نحو 49% من العاملين في الزّراعة المرويّة و57% في الزّراعة المطريّة التقليديّة، لكن الإشكالية الأساسية هنا ليست في حجم المشاركة، بل في طبيعة الاعتراف بهذه المشاركة فمعظم عمل النساء غير مدفوع (زراعة أسريّة، رعاية حيوانات، تجهيز الغذاء) والإحصاءات الرسميّة تستبعد العمل غير النقدي، مما يقلل من تقدير مساهمتهن، فالنساء يعملن غالباً في القطاعات الأقل ربحيّة والأكثر هشاشة، هذا ما يمكن تسميته باقتصاد الإعاشة المؤنّث حيث تتحمل النساء مسؤوليّة إنتاج الغذاء للاستهلاك، بينما يُحتسب الإنتاج النقدي (الذي يهيمن عليه الرجال) كمؤشر اقتصادي أساسي.
ثانياً: المرأة كضامن للتغذيّة، أي مابعد الإنتاج
لا يتوقف دور المرأة عند إنتاج الغذاء، بل يمتد إلى تجهيز وتحضير الطعام، إدارة استهلاك الأسرة، نقل المعرفة الغذائيّة التقليديّة، الحفاظ على التنوع البيولوجي الزراعي فالنساء هن المسؤولات بشكل شبه كامل عن جودة النظام الغذائي داخل الأسرة، وهو ما يربط مباشرة بين تمكين المرأة في التعليم ومؤشرات التغذيّة والصحة، حيث تشير البيانات إلى أن تعليم المرأة يرتبط بشكل مباشر بتحسّن صحّة الأطفال وانخفاض معدلات سوء التغذية، فالمرأة ليست فقط منتجة غذاء، بل هي مهندسة النظم الغذائيّة الدقيقة داخل الأسرة وهو دور لا يمكن استبداله بأي تدخل تقني.

تشكّل النساء نسبة ضخمة من القوى العاملة الزراعيّة خاصةً في أفريقيا. المصدر: وورلد فيجن
ثالثاً: الفجوة الجندرية في الوصول إلى الموارد رغم دورها المحوري
تواجه المرأة قيوداً هيكليّة تعيق مساهمتها الكاملة، منها ضعف ملكية الأراضي ومحدودية الوصول للتمويل الزّراعي ونقص الخدمات الإرشاديّة والتقنيّة والإقصاء من مراكز اتخاذ القرار، هذه الفجوة تؤدي إلى انخفاض إنتاجية النساء مقارنة بالرجال، ليس بسبب الكفاءة، بل بسبب الحرمان من الموارد، تشير التقارير الدوليّة إلى أن سدّ هذه الفجوة يمكن أن يزيد الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ ويقلل من الجّوع عالمياً. الأمن الغذائي هنا ليس قضية تقنية، بل قضية عدالة توزيعيّة، من يملك الأرض، من يقرر، ومن يُحسب عمله.
رابعاً: الحالة السودانية: تأنيث انعدام الأمن الغذائي في السودان:
تتخذ الأزمة بعداً أكثر حدّة بحيث أن 75% من الأسر التي تعيلها نساء تعاني من انعدام الأمن الغذائي، هذه الأسر أكثر عرضة بثلاث مرات للجوع مقارنة بغيرها و %73 من النساء لا يحصلن على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، ويرتبط ذلك بعوامل مركبة مثل النزاع والنزوح وفقدان مصادر الدخل وزيادة أعباء الإعالة وضعف الوصول للمساعدات، فنحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ (تأنيث الجوع) حيث تتحول المرأة من منتج رئيسي للغذاء إلى أكثر الفئات تعرضاً لانعدامه نتيجة اختلالات هيكليّة في النظام الاقتصادي والاجتماعي.
خامساً: المرأة والقدرة على الصمود
رغم كل القيود، تلعب النساء دوراً حاسماً في بناء قدرة المجتمعات على الصمود وتنويع مصادر الغذاء وإدارة الموارد المحدودة بكفاءة ونقل المعرفة الزراعيّة التقليديّة ودعم شبكات التكافل مثل التّكايا والمطابخ المجتمعيّة، حيث تشير الأدلة التي نراها بالعين المجرّدة إلى أن المجتمعات التي تقود فيها النساء المبادرات الغذائيّة تكون أكثر استدامة ومرونة، خاصة في سياقات الأزمات، فالمرأة ليست فقط ضحية للأزمات، بل فاعل مقاوم يعيد إنتاج الحياة في أكثر الظروف هشاشة.
تأنيث الجوع هو حيث تتحول المرأة من منتج رئيسي للغذاء إلى أكثر الفئات تعرضاً لانعدامه. المصدر: التحالف الدولي للتنوع البيولوجي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية
من الإدماج إلى التحول، نحو سياسات جندريّة حقيقية
تعاني معظم السياسات من ما يُعرف بـ (العمى الجندري) أي تجاهل الفروق بين الرجال والنساء في تصميم البرامج، لذا التحول المطلوب يجب أن ينتقل من إدماج المرأة إلى تمكينها وجعل إعادة هيكلة النظام أولويات السياسات، بالإضافة لضمان حقوق النساء في ملكيّة الأراضي وتوسيع الوصول للتمويل والتكنولوجيا وإدماج النساء في صنع القرار الزّراعي وتصميم برامج غذائيّة حساسة للنوع الاجتماعي وتقليل عبء العمل غير المدفوع.
الأمن الغذائي كقضيّة نسويّة بامتياز ليس مجرد قضية إنتاج أو توزيع، بل هو انعكاس مباشر لبنية السّلطة داخل المجتمع، وعندما تُقصى النساء من الموارد والقرار، يصبح الجوع نتيجة منطقيّة لا حادثاً عارضاً، إن تمكين المرأة ليس فقط ضرورة أخلاقيّة، بل هو استثمار استراتيجي عالي العائد، تمكين النساء يعني زيادة الإنتاج، تحسين التغذيّة، وتعزيز صمود المجتمعات، بعبارة أكثر حدّة لا يمكن تحقيق الأمن الغذائي في عالم تُهمّش فيه النساء، لأن من تُهمّش هي نفسها من تُطعم العالم.
النظم الغذائية كساحة سلطة: من يملك، من يقرر، ومن يربح؟
لفهم موقع النساء داخل منظومات الأمن الغذائي، لا يكفي تحليل أدوارهن الإنتاجيّة أو الرعائيّة بمعزل عن البنية الأوسع للسلطة التي تُنظم هذه المنظومات، فالنظام الغذائي ليس حياديّاً، بل هو فضاء تتقاطع فيه علاقات الملكيّة، اتخاذ القرار، التحكم في الموارد، وتوزيع العوائد، ومن خلال هذا المنظور، تبرز أربعة أسئلة مركزية تُحدد بشكل مباشر من يستفيد ومن يُقصى، وهي: من يملك الأرض؟ من يقرر ماذا يُزرع؟ من يتحكم في سلاسل القيمة؟ ومن يحصل على الربح؟
أولاً: على مستوى ملكيّة الأرض تُظهر الأنماط السائدة وهي أن النساء برغم مساهمتهن الواسعة في الزراعة يمتلكن نسبة ضئيلة من الأراضي الزراعية وهذا ما أفادت به مزارعة في ولاية الجزيرة وعضوة في إتحاد الجزيرة والمناقل، وغالباً ما يحصلن على حق استخدام غير رسمي أو مشروط، هذا الحرمان لا يحدّ فقط من قدرتهنّ على الاستثمار أو الوصول للتمويل، بل يُبقيهن في موقع هش داخل النظام الإنتاجي، حيث يمكن سحب هذا الحق في أي وقت. الأرض هنا ليست مجرد مورد، بل أداة قوة تحدّد من له الحق في الإنتاج ومن يُعترف به كفاعل اقتصادي.
ثانياً: فيما يتعلق باتخاذ القرار حول ما يُزرع، غالباً ما تُقصى النساء من دوائر التخطيط الزراعي، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع أو السياسات العامة، وفي كثير من الحالات، يُتخذ القرار وفق اعتبارات السوق أو المحاصيل النقديّة التي يهيمن عليها الرجال، بينما تُدفع النساء نحو إنتاج محاصيل الإعاشة الأقل ربحية، هذا الفصل بين ما يُؤكل وما يُباع يعكس انقساماً جندريّاً في القرار، حيث تتحمل النساء مسؤولية الأمن الغذائي دون أن يمتلكن سلطة تحديد مساراته، وفي بعض الولايات في السودان يمنع توريث الأراضي للنساء.
ثالثاً: على مستوى سلاسل القيمة الغذائية، يتركز وجود النساء في المراحل الأدنى كالزراعة الأوليّة، الحصاد، والتجهيز اليدوي بينما يسيطر الفاعلون الذكور أو الكيانات الأكبر على مراحل النّقل، التّخزين، التّصنيع، والتّسويق، وهي المراحل التي تُولد القيمة المضافة الأعلى. هذا التموقع غير المتكافئ يعني أن النساء يُسهمن في إنتاج الغذاء، لكنهن مستبعدات من مراكمة القيمة، مما يُعيد إنتاج التفاوت الاقتصادي داخل النظام نفسه.
رابعاً: في ما يتعلق بتوزيع الأرباح، تتلقى النساء عوائد أقل بكثير مقارنة بمساهمتهن الفعلية، وغالباً ما تكون هذه العوائد غير مستقرة أو غير مباشرة، وفي السياقات الريفية أو الهشّة، قد لا تحصل النساء على دخل نقدي على الإطلاق، رغم كونهن المنتج الفعلي للغذاء، هذا الاختلال لا يعكس فقط فجوة اقتصاديّة، بل يُترجم إلى ضعف في القدرة على اتخاذ القرار داخل الأسرة والمجتمع، مما يُقيد إمكانياتهن في كسر دائرة الهشاشة الغذائية.
تكشف هذه المستويات الأربعة عن بنية هرميّة للنظام الغذائي، تُوضع فيها النساء في القاعدة كمنتجات ومقدمات رعاية، بينما يُحتكر القرار والربح في القمة، وعليه، فإن أي تدخل يسعى لتحسين الأمن الغذائي دون إعادة توزيع هذه الأبعاد من السلطة، يظل تدخلاً جزئياًّ لا يمس جذور المشكلة، بالتالي، يتطلب تحقيق تحوّل حقيقي في النظم الغذائية وإعتماد مقاربة قائمة على إعادة توزيع القوة بما يشمل ضمان حقوق النساء في ملكية الأرض، إشراكهن في اتخاذ القرار الزراعي، دعم وصولهن إلى سلاسل القيمة ذات العائد الأعلى وضمان حصولهنّ على عوائد عادلة، لأن السؤال في جوهره ليس فقط كيف نُنتج الغذاء؟ بل لصالح من يُنتج؟ ومن يملك الحق في تقرير مصيره؟

تتلقى النساء عوائد أقل بكثير مقارنة بمساهمتهن الفعلية. المصدر: UN Women
العنف الغذائي ضد النساء
حين يصبح الجوع أداة ضبط اجتماعي لا يمكن فهم انعدام الأمن الغذائي لدى النساء بمعزل عن البُعد العنيف الكامن في توزيع الغذاء داخل المجتمعات. فـالعنف الغذائي لا يشير فقط إلى الحرمان المادي من الطعام، بل إلى منظومة من الممارسات والهياكل التي تُقصي النساء بشكل منهجي من الوصول العادل للغذاء، أو تُخضعهن لشروط غير متكافئة للحصول عليه.
في هذا السياق، يصبح الغذاء أداة للسيطرة، ويُعاد إنتاج التمييز الجندري عبر أكثر الاحتياجات الإنسانية أساسية، يتجلى هذا العنف في عدة مستويات مترابطة على مستوى الأسرة مثلاً غالباً ما تكون النساء آخر من يأكل وأول من يضحّي بحصتهن الغذائية لصالح الأطفال أو الذكور، خاصة في أوقات الشّح، مما يعرضهن لمخاطر صحية وتغذوية مزمنة, على المستوى المجتمعي قد تُقيّد الأعراف الاجتماعية وصول النساء للأسواق أو الموارد الزراعية، أو تفرض عليهن وسطاء ذكور للحصول على الغذاء أو مدخلات الإنتاج.
في سياقات النزاع يُستخدم الغذاء أحياناً كوسيلة ابتزاز، حيث تُجبر النساء على تقديم تنازلات اقتصادية أو جسدية مقابل الوصول إلى المساعدات الغذائية أو سبل العيش، على مستوى السياسات يؤدي تجاهل الفروق الجندرية في تصميم البرامج الغذائية إلى استبعاد النساء فعلياً، حتى في حال استهدافهن شكلياً، من منظور تحليلي، يمكن قراءة العنف الغذائي كامتداد لما يُعرف بـالعنف البنيوي، حيث لا يكون العنف حدثاً مباشراً، بل نتيجة لنُظم توزيع غير عادلة تُقصي فئات بعينها بشكل ممنهج، وفي هذه الحالة، تصبح المرأة عالقة في دائرة مغلقة وهي تتحمل مسؤولية إطعام الآخرين، بينما تُحرم هي من حقها في التغذية الكافية. الأخطر أن هذا العنف غالباً ما يكون غير مرئي أو مُطبّع اجتماعياً، إذ يُنظر إلى تضحيات النساء الغذائية كـسلوك طبيعي أو واجب أخلاقي، مما يُخفي الطابع القسري لهذه الممارسات، وبالتالي فإن معالجة الأمن الغذائي دون تفكيك هذا البعد العنيف تؤدي إلى تدخلات سطحية لا تمسّ جذور المشكلة.
بناءً عليه، يتطلب التصدي للعنف الغذائي اعتماد مقاربات جندرية حساسة تتجاوز توفير الغذاء إلى إعادة توزيع السلطة داخل النظم الغذائية، وضمان وصول النساء الآمن والمستقل للموارد، وتعزيز آليات الحماية من الاستغلال في برامج المساعدات، بما يحول الغذاء من أداة سيطرة إلى حق مكفول.
الاقتصاد الرعائي والأمن الغذائي: البنية غير المرئيّة التي تُبقي النظم الغذائية حيّة
يمثل الاقتصاد الرعائي أحد أكثر الأبعاد إهمالاً في تحليل الأمن الغذائي، رغم كونه البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها بقاء الأفراد واستدامة المجتمعات، يشمل هذا الاقتصاد كل أشكال العمل غير مدفوع الأجر المرتبطة برعاية الآخرين، من إعداد الطعام، رعاية الأطفال، دعم المرضى وكبار السن، إلى إدارة الموارد المنزلية، وهو عمل تتحمله النساء بشكل غير متناسب في مختلف السياقات، خاصة في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات
في صميم النظم الغذائية، لا يمكن فصل إنتاج الغذاء عن إعادة إنتاج الحياة نفسها، فالمرأة لا تزرع فقط، بل تُحوّل الغذاء إلى تغذية وتدير توزيعه داخل الأسرة وتضمن استمرارية الاستهلاك اليومي رغم ندرة الموارد، هذا الدور يضع الاقتصاد الرعائي كحلقة وصل حاسمة بين توفر الغذاء والاستفادة منه وهما ركنان أساسيان من أركان الأمن الغذائين ومع ذلك، يظل هذا العمل خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية، مما يؤدي إلى تقليل قيمته في تصميم السياسات والتدخلات.
في سياقات الأزمات، يتضخم هذا العبء بشكل كبير، إذ تضطّر النساء إلى سدّ الفجوات الناتجة عن انهيار الخدمات العامة (الصحة، المياه، الحماية الاجتماعية)، مما يؤدي إلى توسع غير مرئي في حجم العمل الرعائي، هذا التوسع لا يقابله أي تعويض أو دعم، بل غالباً ما يتم على حساب وقت النساء، صحتهن، وفرصهن الاقتصاديّة، وهو ما يُنتج ما يمكن تسميته بـاستنزاف القدرة الرعائية، حيث تُستنزف النساء كموارد بشرية لضمان بقاء الآخرين.
من منظور السياسات، يكشف هذا الواقع عن خلل جوهري في تصميم تدخلات الأمن الغذائي، التي تركز على المدخلات الإنتاجية (بذور، أدوات، تحويلات نقدية) دون الاعتراف بالقيود الزمنية والبدنية التي يفرضها العمل الرعائي على النساء، وبالتالي، حتى البرامج المصمّمة لدعم النساء قد تفشل في تحقيق أهدافها إذا لم تأخذ في الاعتبار عبء الرعاية غير المدفوع.
إن إعادة تموضع الاقتصاد الرعائي داخل أجندة الأمن الغذائي تتطلب تحولاً مفاهيمياً من اعتبار الرعاية مسؤولية خاصة إلى الاعتراف بها كمنفعة عامة تستدعي الاستثمار والحماية، ويشمل ذلك إدماج مؤشرات العمل الرعائي في تقييمات الأمن الغذائي وتصميم تدخلات تقلل من عبء الوقت (مثل خدمات المياه، الطاقة، ورعاية الأطفال) وتوفير شبكات حماية اجتماعية تعترف بالعمل غير المدفوع وإعادة توزيع أدوار الرعاية داخل المجتمع بعبارة حاسمة (لا يمكن بناء نظم غذائية مستدامة على عمل غير مرئي ومستنزف)، فالاقتصاد الرعائي ليس هامشاً للنظام الغذائي، بل هو شرط وجوده، وأي مقاربة لا تعترف بذلك، إنما تُراكم الهشاشة تحت غطاء الاستجابة.

لا يمكن فصل إنتاج الغذاء عن إعادة إنتاج الحياة نفسها، فالمرأة لا تزرع فقط، بل تُحوّل الغذاء إلى تغذية وتدير توزيعه داخل الأسرة. المصدر: رويترز
تأنيث بقاء النظام الغذائي: حين تُختزل الاستدامة في أجساد النساء
في تحليل أعمق لبنية النظم الغذائيّة، بإمكاني إبتكار مصطح جديد وهو (تأنيث بقاء النظام الغذائي) كمدخل نقدي يفسّر كيف تعتمد استدامة هذه النظم خاصة في سياقات الهشاشة والنزاع على العمل غير المرئي والمستنزف للنساء، لا يشير هذا المفهوم فقط إلى زيادة مشاركة النساء في إنتاج الغذاء، بل إلى تحوّل نوعي تصبح فيه النساء الركيزة الأساسية التي تمنع الانهيار الكامل للنظام الغذائي، عبر امتصاص الصدمات وتعويض الفجوات التي تتركها الأزمات.
في الواقع العملي، يتحقق هذا البقاء من خلال سلسلة من التضحيات اليوميّة غير المعترف بها، تقليل النساء لاستهلاكهن الغذائي لضمان إطعام الآخرين، مضاعفة ساعات العمل بين الإنتاج والرعايّة، ابتكار استراتيجيات بقاء في ظل انعدام الموارد، وتحمل أعباء نفسيّة وجسديّة متراكمة، وهذا يعني أنه لا يستمر النظام الغذائي لأنه مستدام في ذاته، بل لأنه مدعوم بقدرة النساء على التكيّف القسري، غير أن هذا النمط من (الاستدامة المؤنثة) يحمل في داخله مفارقة خطيرة، فهو يضمن بقاء النظام على المدى القصير، لكنه يُراكم هشاشته على المدى الطويل، إذ يؤدي استنزاف النساء كأجساد، كوقت، وكقدرة إنتاجية إلى إضعاف الأساس الذي يقوم عليه النظام نفسه، وبالتالي، فإن ما يبدو كصمود مجتمعي هو في كثير من الأحيان إزاحة غير عادلة لتكلفة البقاء نحو النساء.
من منظور السياسات هنا أيضاً، يكشف مفهوم (تأنيث بقاء النظام الغذائي) عن خلل عميق في مقاربات الأمن الغذائي، التي تعتمد ضمنياً على هذا العمل غير المرئي دون أن تعترف به أو تستثمر في دعمه، وعليه، فإن أي تدخل لا يسعى إلى تفكيك هذه المعادلة من خلال تقليل الأعباء غير المدفوعة وتعزيز حقوق النساء وإعادة توزيع الموارد والسلطة، إنما يساهم في إعادة إنتاج نفس شروط الهشاشة التي يدّعي معالجتها، بعبارة حاسمة: النظم الغذائية التي تبقى فقط لأن النساء ينهكن أنفسهن، ليست نظماً مستدامة بل نظماً مؤجلة الانهيار.