تخيّل اللحظة التي سبقت تحوّلها إلى صورة فوتوغرافية. الخرطوم، أبريل 2019. تصعد شابة إلى سقف سيارة، مرتديةً ثوباً أبيض، وهو الزي التقليدي الذي ارتدته النساء السودانيات خلال احتجاجات مناهضة الاستعمار في خمسينيات القرن الماضي. تبدأ في الهتاف، فيردّد الحشد أسفلها الهتاف نفسه. في غضون يوم واحد، انتشرت صورتها في كل مكان: عُرضت على واجهات المباني، وطُبعت على الملصقات، وتناقلها أشخاص لم يسمعوا من قبل عن الثورة السودانية، إلى أن شاهدوا امرأة واحدة تقف شامخة فوق حشودها.
اسمها آلاء صلاح، ولم يكن اختيارها للثوب الأبيض محض صدفة. فقد كان زياً يحمل ذاكرة، ورسالة أرادت أن توصلها إلى الحشود: لقد فعلنا ذلك من قبل، وسنفعله من جديد.

صورة لآلاء صلاح وهي تقف فوق سيارة مرتديةً ثوباً أبيض، وتقود حشداً من المتظاهرين في الهتاف. المصدر: صورة التقطتها لانا هارون ونشرتها على منصة X.
أعود مراراً إلى تلك الصورة، ليس لأنها ملهمة، رغم أنها كذلك، بل لأنني أريد أن أعرف ما الذي حلّ بها بعد أن غادرت الكاميرات المشهد. هذا هو السؤال الحقيقي الذي يتمحور حوله هذا المقال. ليس السؤال: «هل شاركت النساء؟» في ثورة السودان، أو في البرلمان الكيني، أو في ملاعب كرة القدم في مارسابيت. لقد شاركن بالفعل، وباستمرار، في كل مكان بحثت فيه. لكن السؤال الأصعب هو: أيّ من تلك اللحظات تحوّل إلى شيء استمر أثره بعد انقضائها، وأيّها تلاشى واختفى؟
إذا طرحنا هذا السؤال في السودان وجنوب السودان وكينيا، وهي ثلاثة بلدان تختلف كثيراً في ظروفها السياسية، سنلاحظ نمطاً مشتركاً آخذًا في الظهور. فالمسألة لا تتعلق بمدى شجاعة النساء، فهن أثبتن قدرتهن على النضال والمواجهة في البلدان الثلاثة، وإنما بما يحدث بعد انتهاء لحظات النضال، حين تبدأ المرحلة الأصعب: تحويل تلك المشاركة والتضحيات إلى مكاسب حقيقية ومستدامة، تضمن للنساء حضوراً وتأثيراً في مواقع صنع القرار.
الهتاف الذي لم يضمن مقعداً على طاولة السلطة
لم تكن آلاء صلاح تهتف وحدها، ولم تكن ترتجل كلماتها. كانت تتحدث باسم تجمع «منسم»، وهو تحالف يضم مجموعات سياسية ومدنية نسوية سودانية، بدأ نشاطه التنظيمي قبل اندلاع الاحتجاجات، وعمل بهدوء على بناء بنية تنظيمية تشمل قوائم مشتركة بالنساء المؤهلات، وعلاقات عمل عابرة للانتماءات الحزبية، وهي أمور لا تستطيع صورة واحدة تنتشر على نطاق واسع أن تبنيها بمفردها. هذا هو الجانب الذي لا تُظهره الملصقات.
بحلول أكتوبر 2019، كانت آلاء صلاح في نيويورك، تخاطب مجلس الأمن الدولي، وتوضح لهم صراحةً أن النساء جرى تهميشهن وإقصاؤهن من المحادثات التي كانت ترسم ملامح المرحلة الانتقالية في السودان، رغم أن النساء شكّلن نحو 70 في المئة من المشاركين في الاحتجاجات التي ملأت الشوارع. ولم تشارك في المفاوضات بين المكونين العسكري والمدني سوى امرأة واحدة، ولم يحدث ذلك إلا بعد أن مارس تجمع «منسم» ضغوطاً مكثفة لفرض مشاركتها.
ما حدث بعد ذلك هو الجزء الذي يصعب عليّ حقاً تقبّله. فلم تُنفذ أبداً نسبة الـ40 في المئة المخصصة للنساء في البرلمان، والتي وُعد بها عام 2019. وعندما اندلعت الحرب في عام 2023، وعُقدت جولة جديدة من المحادثات في جدة، لم تكن هناك أي امرأة داخل قاعة المفاوضات. أما الترتيبات التي طُرحت في الآونة الأخيرة، فتشير إلى حصة أقرب إلى 30 في المئة، وهي نسبة أقل من تلك التي لم تُنفذ أصلاً.
ولا تقتصر هذه القصة على السودان. ففي الجوار، تنص اتفاقية السلام في جنوب السودان على تخصيص 35 في المئة من المناصب للنساء، لكن على أرض الواقع، تتراجع نسبة تمثيل المرأة في المجلس التشريعي الانتقالي بدلاً من أن ترتفع، إذ يجري بهدوء استبدال النساء بالرجال كلما شغر أحد المقاعد.
حربان مختلفتان، ومسارا سلام مختلفان، لكن النمط واحد: نظّمن أنفسهن ببراعة، ودُعين للمشاركة في الثورة، ثم استُبعدن من قائمة المدعوين إلى ما بعدها. لقد نجح بناء التحالفات في حشد النساء السودانيات والجنوب سودانيات في الشوارع، وإيصال أصواتهن إلى المنابر الدولية. لكنه لم يضمن لهن، بمفرده، حق التصويت داخل الغرف التي تُتخذ فيها القرارات الفعلية بشأن إعادة توزيع السلطة. فهذا يتطلب مقعداً مضموناً بآليات تنفيذ ملزمة، لا مجرد وعد، وحتى الآن لم يضع أحد آليات تضمن ذلك.
القانون الذي احتاج إلى نوعين من النساء
تسير التجربة الكينية في اتجاه معاكس تقريباً، ومن الجدير التوقف عند بساطة الطريقة التي تحققت بها النتائج، بعيداً عن أي مظاهر استعراضية.
في البرلمان التاسع، حيث كانت النساء يشغلن 18 مقعداً فقط من أصل 224، ولم تكن هناك حتى دورات مياه مخصصة لهن خارج قاعة البرلمان، تبنّت النائبة المعيّنة نجوكِي ندونغو مشروع قانون بشأن العنف الجنسي، ظل حبيس الأدراج منذ تسعينيات القرن الماضي، يتعرض للتعديل ثم يُعاد تجميده مراراً.
لم تعمل ندونغو على المشروع بمفردها من مكتبها. فقد نظّمت معتكفاً تشاورياً مع اللجنة البرلمانية المعنية بمشروع القانون، واستعانت بمنظمات خارج البرلمان، هي: منظمة WiLDAF، ورابطة البرلمانيات الكينيات، ومنظمة CREAW، للمساعدة في صياغة القانون وكسب التأييد له. وعندما واجه المشروع عقبات، طلبت سحبه، وأدخلت عليه التعديلات اللازمة، ثم أعادت تقديمه. وفي عام 2006، أُجيز القانون تحت اسم «قانون الجرائم الجنسية». كما نجحت في تمرير تعديلات منحت النساء الكينيات إجازة أمومة مدفوعة الأجر.

نجوكِي ندونغو التي حاربت من أجل النساء الكينيات وإنصافهن. المصدر: The Star
أعود باستمرار إلى هذا المثال لأنه الأقل إثارة من بين التجارب الثلاث، وهذا في حد ذاته هو جوهر الفكرة. فلم يلتقط أحد صورة للمعتكف التشاوري الذي عُقدته اللجنة. وما منح القانون استمراريته لم يكن مشهد إقراره، بل وجود شخصية من داخل المؤسسة التشريعية تمتلك القدرة على تحريك الإجراءات، وتستطيع فعلياً تمرير مشروع قانون عبر لجنة معادية، وتعمل بتنسيق وثيق مع تحالف من خارج البرلمان يوفر الضغط والبحوث والجهد اللازم لصياغة القانون، وهي أمور لم يكن أي من الطرفين قادراً على توفيرها بمفرده. فالقانون من هذا النوع يصعب التراجع عنه. تتغير الحكومات، لكن القانون لا يزال سارياً.
المبادرة التي تواصل العمل حتى عندما ينفد التمويل
أما التجربة التي أضع فيها أكبر قدر من الثقة، فهي تلك التي تأسست بأقل قدر من المال والاهتمام: عمل فاطمة عبد القادر عدن في مارسابيت، شمال كينيا ذي المناخ الجاف.
وُلدت فاطمة لأم من إثنية البورانا وأب من إثنية الغابرا، وهما جماعتان ظلتا في صراع لعقود طويلة. وبعد أن درست القانون، قررت العودة إلى منطقتها بدلاً من العمل في السلك القضائي.
في عام 2003، أسست ما أصبح لاحقاً مبادرة تنمية القرن الأفريقي، بمساعدة ستة متطوعين، وافتتحت مكتباً للمساعدة القانونية يستقبل الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف توكيل محامٍ. أما الفكرة التي أكسبت المبادرة شهرتها فجاءت بعد ذلك ببضع سنوات، تحت شعار "سدد رميك لتسجيل النقاط، لا تقتل"، وهي دوري لكرة القدم يجمع الفتيان من الجماعات الإثنية المتنازعة في فرق واحدة. وتُقسّم المباريات فيه إلى ثلاثة أشواط بدلاً من شوطين، حتى يتاح للاعبين وقت كافٍ للتحدث والتفاعل فيما بينهم خلال فترات الاستراحة.
وبالتوازي مع ذلك، أطلقت برنامجاً للفتيات باسم «كسر الصمت»، يتناول قضايا الزواج القسري وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية (ختان الإناث) بصورة مباشرة وصريحة، في منطقة كان مجرد الحديث العلني عن هذه القضايا فيها يشكل نوعاً من المخاطرة. واتُّهمت بالسحر ووُصفت بأنها ساحرة داخل المسجد بسبب تأسيسها فريقاً لكرة القدم للفتيات. وتلقت تهديدات بالقتل على هاتفها. لكنها واصلت إدارة الدوري.

فتيات يلعبن كرة القدم. المصدر: الموقع الإلكتروني لمبادرة تنمية القرن الأفريقي (HODI).
ما يميز هذا النموذج عن النموذجين الآخرين ليس أنه أكثر بطولية، فقد واجهت آلاء صلاح ونجوكي ندونغو مخاطر حقيقية أيضاً. لكن ما يميزه هو أنه لا يعتمد على تجديد أحد المانحين لمنحة مالية، أو على تخصيص مقعد إضافي على طاولة المفاوضات. فهو يقوم على علاقات بين جيران أصبح لديهم سبب يدفعهم إلى الالتقاء والتواصل كل أسبوع.
وتتضح أهمية ذلك أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى، إذ أخذ التمويل الذي كان يقدمه المانحون للمنظمات الكينية العاملة في مجال مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي يتراجع بوتيرة سريعة. وقد أدى انسحاب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وحده إلى إجبار برامج مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي في كينيا على تقليص أنشطتها أو إغلاق أبوابها، في الوقت الذي يتزايد فيه الطلب على خدماتها. فالبرنامج الذي يعتمد على منحة أجنبية يمكن أن يتوقف بقرار يُتخذ في واشنطن. أما دوري كرة القدم الذي يعتمد على مدربين متطوعين وملاعب مستعارة، فمن الصعب بكثير إيقافه بقرار من أي جهة كانت.
ما الذي يدين به الإقليم لنسائه وبناته؟
عند وضع التجارب الثلاث جنباً إلى جنب، يصبح من الصعب تجاهل النمط المشترك بينها. فقد نجحت النساء في السودان وجنوب السودان في بناء التحالفات وتنظيم الجهود، ومع ذلك جرى استبعادهن من الغرف التي أُعيد فيها توزيع السلطة فعلياً. أما نجوكي ندونغو، فقد وظّفت طاقة التنظيم نفسها، وربطتها بما تمتلكه من صلاحيات إجرائية داخل المؤسسة التشريعية، فكانت النتيجة قانوناً صمد أمام ثلاثة تغييرات حكومية.
في المقابل، تجاوزت فاطمة عبد القادر عدن طاولات المفاوضات وشبكات المانحين، وبنت مشروعاً متجذراً بعمق في العلاقات اليومية بين أفراد المجتمع، إلى درجة يصعب معها على أي جهة القضاء عليه بسهولة.
لم تكن أي من هؤلاء النساء بحاجة إلى مزيد من التكريم والاعتراف. فآلاء صلاح لديها الصورة التي خلدت حضورها، ونجوكي ندونغو لديها القانون الذي يحمل اسمها ويُشار إليه في المراجع القانونية، أما فاطمة عبد القادر عدن فقد نالت بالفعل جوائز السلام.
ما ينقص فعلياً هو تلك الجوانب الهيكلية والمؤسسية، الأقل بريقاً، التي ينبغي أن تقوم عليها هذه الإنجازات:
- مقاعد مضمونة في مفاوضات السلام وتقاسم السلطة، تُفرض بآليات تنفيذ ملزمة بدلاً من الاكتفاء بالوعود، حتى لا يجري خفض حصة النساء بهدوء من 40 إلى 30 في المئة بمجرد مغادرة الكاميرات.
- توفير تمويل محلي للمنظمات التي تنفذ العمل اليومي، حتى لا تجد نفسها على بُعد قرار تمويلي واحد يُتخذ في واشنطن من الاضطرار إلى رفض استقبال الناجيات وتقديم الخدمات لهن.
- استثمار حقيقي ومستمر في نموذج مارسابيت، وفي العمل المجتمعي الذي صُمم ليصمد أمام مثل هذه الأزمات تحديداً، لأنه لم يكن بحاجة إلى إذن من أحد لمواصلة عمله منذ البداية.
هذا هو العمل الأبطأ والأقل بريقاً، والأبعد عن عدسات الكاميرات. فالمطلوب ليس صورة جديدة تنتشر على نطاق واسع، بل بناء الأسس التي تقف وراءها؛ تلك التي تحدد ما إذا كانت لحظة ظهور امرأة بالثوب الأبيض ستظل مجرد ذكرى ترويها الأمهات لبناتهن، أم ستتحول إلى قانون، أو تحالف، أو دوري لكرة القدم يواصل نشاطه بعد عشرين عاماً.