هل أخرجت كيس النفايات اليوم؟ وأين وضعته؟ في برميل أو حاوية مخصصة للنفايات؟ الأمر يبدو واضحاً وطبيعياً، أليس كذلك؟
لكن في العاصمة الخرطوم الأمر مختلف تماماً. كل ما عليك فعله هو التخلص من كيس النفايات في أقرب مكان إلى منزلك. قد يكون بجوار مدرسة، أو ميدان، أو حتى منزل مهجور لم يعد اصحابة بعد من رحلة النزوح.
المهم هو التخلص من النفايات، بغض النظر عن المكان. ومع تكرار هذا المشهد يوماً بعد آخر، يصبح السؤال الأهم: كيف وصل الحال إلى أن يصبح التخلص من النفايات بهذه الطريقة أمراً عادياً؟ومع استمرار هذا الوضع، لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بسلوك الأفراد، بل أصبح جزءاً من مشكلة أكبر تتعلق بقدرة منظومة النظافة نفسها على التعامل مع النفايات. وقد ساهمت الحرب، إلى جانب ضعف التمويل، في تراجع هذه المنظومة وتقلص قدرتها على تقديم خدماتها.
"إدارة النفايات تعمل بمواردها الذاتية دون وجود أي نوع من الدعم الحكومي، وما يتم تقديمه للإدارة يكون من قبل المبادرات والمنظمات المحلية والدولية " الصديق عبد القادر - مدير عمليات هيئة نظافة محلية بحري
يتناول هذا التقرير أزمة النفايات في مدينتي الخرطوم وبحري، ويسلط الضوء على تراجع منظومة إدارة النفايات، والمشكلات التي يواجهها السكان في التعامل مع تراكم النفايات، وما يترتب على ذلك من آثار صحية وبيئية.
انهيار منظومة النفايات في ظل غياب التمويل
في حوار مع مدير هيئة النظافة بمحلية بحري، ناقشت أندريا مشكلة تراكم النفايات في المدينة، وأسباب تراجع خدمات جمعها من الأحياء، رغم عودة السكان واستئناف الحياة نشاطها بصورة طبيعية.
ما أبرز التحديات التي تواجه إدارة النفايات بمحلية بحري؟
يتحدث الصديق عبد القادر عن مجموعة من المشكلات المتداخلة التي تواجه إدارة النفايات، أبرزها نقص الآليات بسبب الحرب، إذ سُرقت أعداد كبيرة منها، بينما توجد آليات أخرى معطلة وتحتاج إلى صيانة بتكاليف مرتفعة. ويضاف إلى ذلك تكلفة الوقود اللازمة لتشغيل الآليات الموجودة، وهي تكلفة تتحملها إدارة النفايات في ظل ضعف إيراداتها وغياب التمويل الكافي من الحكومة.
ولا تقتصر المشكلة على الآليات والوقود، إذ تواجه الإدارة أيضاً تحديات تتعلق بالمرتبات والكادر البشري. وأشار عبد القادر إلى أن الإدارة تعمل حالياً بعدد محدود من العمال، الذين يتركز عملهم في الأسواق والشوارع الرئيسية فقط. كما تعاني المدينة من نقص في حاويات النفايات، بما لا يغطي جميع النقاط المسجلة والأحياء في مدينة بحري، وهو ما يزيد من صعوبة جمع النفايات والتعامل معها بصورة منتظمة.
المشاكل المتعلقة بتفريغ النفايات
أوضح الصديق الى ان أحد أهم المشاكل هي تغير مكان تفريغ النفايات، حيث أشار إلى أن المحطة الرئيسية في منطقة المايقوما بمحلية شرق النيل "المحطة الوسيطة المايقوما" غير متاحة حالياً بسبب الأضرار التي لحقت به جراء الحرب وهو محطة مخصصة ومطابقة للمواصفات، بينما الآن يتم التفريغ في منطقة ود دفيعة "المحطة الوسيطة ود دفيعة" أيضاً بمحلية شرق النيل، المشكلة هنا على حد قوله هي أن المحطة بعيدة والطريق لا يخلو من الحفر والمطبات ومشاكل التعبيد وهو ما يسبب أعطال ومشاكل متكررة للعربات، خصوصاً وأن الادارة تعانيا أصلاً من مشاكل في نقص العربات، بالإضافة الى تكاليف الوقود. وهذا مشكلة كانت الإدارة في غنى عنها عندما كانت تستخدم محطة المايقوما والتي تعد أقرب من المحطة الحالية.
ماهي ابرز المناطق التي تغطيها العربات والأفراد من حيث عملية جمع النفايات؟
يقول إن التركيز الأساسي هو تغطية الاسواق والشوارع الرئيسية، حيث أشار الى ان العربات تأتي بصورة يومية لنقل النفايات. الى جانب تغطية الأفراد بصورة متواصلة الأسواق مثل سوق بحري، سوق سعد قشرة والسوق المركزي- شمبات الى جانب توفير حاويات كبيرة في تلك الأسواق.

صورة من الأقمار الاصطناعية توضح المحطة الوسيطة ود دفيعة - محلية شرق النيل
ماذا عن الأحياء والشوارع الفرعية؟
الأحياء والشوارع الفرعية لا يتم تغطيتها بالصورة الكافية وذلك يرجع إلى سببين الأول عدم وجود عربات كافية والثاني نقص الحاويات، حيث أشار إلى أن العربات قد تتجول ما بين مرة في الاسبوع لتغطية الشوارع الفرعية. يقول الصديق أن المناطق التي تنتج نفايات أكثر هي التي يتم تغطيتها في حالة توفر عربات ووقود لذلك. كما أشار إلى أن خدمة وصول العربات إلى داخل الشوارع في الأحياء لم تعد متوفرة إطلاقاً في الوقت الراهن.
إذا لم تكن هناك تغطية للأحياء ؟ كيف يتخلص المواطنين من النفايات اذا لم توجد حاويات داخل الأحياء؟
يقول أن الإدارة في الوقت الراهن ليس لديها الإمكانيات والموارد اللازمة لذلك، حيث أشار أن النفايات داخل الأحياء أصبحت مسؤولية مشتركة بين السكان و لجنة الحي، وأن الإدارة تلتزم بتقديم الإشراف والآليات بينما تتكفل لجنة الحي بتوفير الوقود اللازمة من أجل نقل النفايات. هكذا تتم عملية التخلص من النفايات في الأحياء التي لا تتوفر بها حاويات.
ماذا عن مخلفات الحرب؟ وكيف يتم التعامل معها والتخلص منها؟
في هذا الجانب أشار أن مخلفات الحرب ليست من اختصاص إدارة النفايات، حيث أشار أن هذا الجانب يتم من قبل لجنة إزالة مخلفات الحرب وهي الجهة المخولة بذلك، سواء أكان في ما يتعلق بالعربات المحترقة او الاجسام العسكرية، كما ناشد السكان الذي يقومون بحرق هذا المخلفات بصورة عشوائية قد تتسب في مشاكل صحية وجسدية خطيرة منها إنفجار بعض العبوات التي قد تكون متواجدة أثناء عملية حرق النفايات.
ما هي الخطة الحالية للتخلص من النفايات المتواجدة؟
الخطوة الحالية، في ظل الإمكانيات والموارد المتاحة، تتمثل في التخلص من النفايات بصورة دورية من الأسواق والشوارع الرئيسية. وأشار الصديق إلى تحدٍّ آخر يتعلق بالأحياء التي لم يعد إليها السكان، مثل حي المغتربين والصافية والصبابي. وأوضح أن عدم عودة السكان إلى هذه المناطق يجعل من الصعب على الإدارة تقدير حجم النفايات المتراكمة التي قد تظهر أو تُخرج من المنازل مع عودة السكان إليها، وهو ما يعيق وضع تقديرات دقيقة لحجم الإحتياجات الفعلية لعمليات النظافة والتخلص من النفايات.
ما هي المخاطر البيئية المترتبة على تواجد النفايات داخل الأحياء؟
يقول الصديق إن الآثار تنقسم إلى قسمين: آثار مباشرة تتمثل في انتشار الذباب والقوارض، إضافة إلى إحتمال تلوث التربة والمياه، خصوصاً المياه الراكدة خلال فصل الخريف.
أما الآثار غير المباشرة، فترتبط بحرق النفايات بصورة عشوائية من قبل السكان، إذ قد تحتوي النفايات المحروقة على مواد مختلفة وغير متجانسة. وأوضح أن حرق هذه المواد يمكن أن يؤدي إلى تصاعد الدخان والأبخرة، بما قد يسبب مشكلات صحية، خاصة للأطفال والأشخاص الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي.
هل تم تقديم مبادرات أو تعاون من قبل جهات غير حكومية؟
أما في ما يخص المبادرات فقد يقول إن أبرز المبادرات كان مبادرة منظمة صدقات و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP ضمن برنامجها " العمل مقابل المال" حيث قامت بنظافة وإزالة النفايات من السوق المركزي- شمبات الذي يعد أكبر الأسواق المخصصة لبيع الخضروات والفواكه في مدينة بحري، كما قدمت منظمة صدقات دعم شامل تمثل توفير معدات وأدوات النظافة.
من المبادرات المجتمعية أيضاً، مبادرة شباب من حي الشعبية الذي قاموا بنظافة بعض الشوارع الرئيسية في بحري بالتعاون مع إدارة هيئة النظافة بمحلية بحري.
ماهو المطلوب لكي تعود منظومة النفايات الى العمل بصورة طبيعية؟
يرى الصديق أن عودة العمل إلى طبيعته كما كان قبل الحرب مرتبطة بتوفير الأدوات والمعدات اللازمة، التي أشار إليها في حديثه سابقاً. ويشمل ذلك إضافة آليات جديدة إلى الآليات الموجودة، إلى جانب معالجة النقص في الحاويات والكوادر البشرية. وأشار إلى وجود نحو 20 عربة تحتاج إلى الصيانة وإعادتها إلى الخدمة. كما أوضح أن الدعم المطلوب حالياً ينبغي أن يركز على صيانة أعطال الآليات وتوفير حاويات إضافية، بما يسمح بتغطية المزيد من المناطق والأحياء الحرجة. وبحسب قوله، فإن إعادة المزيد من الآليات إلى الخدمة تمثل عاملاً مهماً في تحسين عمليات النظافة، إذ تتيح الآليات إنجاز العمل في وقت وجهد أقل مقارنة بالإعتماد على العمل البشري وحده.
وفي ختام حديثه، ناشد مدير عمليات نظافة محلية بحري بمزيد من الإهتمام بالجانب البيئي والصحي من قبل المواطنين، خصوصاً فيما يتعلق برمي النفايات بصورة عشوائية. كما دعا إلى تضافر الجهود المحلية، من شركات وأفراد، إلى جانب الدعم الدولي من الحكومات والمنظمات، للمساهمة في تحسين جودة منظومة إدارة النفايات، في ظل التحديات التي تواجه الإدارة والخسائر التي لحقت بها، وضعف مواردها الذاتية.
تأثير الحرب على الموارد التشغيلية
قبل الحرب، كانت إدارة النفايات في المحلية تعتمد على منظومة تشمل نقاط تجميع داخل الأحياء، وحاويات وعمالاً وعربات لنقل المخلفات إلى المحطات الوسيطة ومواقع التخلص النهائي. وكانت قدرة هذه المنظومة على تغطية الأحياء مرتبطة بتوافر هذه الموارد وانتظام عمليات الجمع والنقل بينها.
يوضح الرسم البياني التالي حجم الخسائر التي لحقت بالموارد التشغيلية لهيئة نظافة محلية بحري نتيجة الحرب، والتي أثرت بصورة مباشرة على قدرتها على جمع النفايات ونقلها من الأحياء.

مقارنة بين موارد هيئة النظافة - محلية بحري قبل الحرب وبعد الحرب
العربات والآليات
حجم الخسائر: 8 عربات فقط في الخدمة من أصل 81 قبل الحرب.
نسبة الخسائر في العربات والآليات: 90%
أدت الخسائر الكبيرة في الآليات والعربات إلى تراجع قدرة هيئة النظافة على نقل النفايات والوصول بصورة منتظمة إلى الأحياء والشوارع الفرعية، ما ساهم في استمرار تراكم النفايات داخل الأحياء.
الكادر البشري
حجم النقص : 55 يعملون حالياً من أصل 220 قبل الحرب.
نسبة النقص في الكادر البشري: 75%
يرتبط نقص الكادر البشري بصورة مباشرة بتراجع عدد عربات جمع النفايات، إذ يعتمد تشغيل هذه العربات على العمال الذين يتولون جمع النفايات ونقلها إلى داخلها. وفي الوقت الحالي، يتركز عمل الكادر المتاح في الشوارع الرئيسية والأسواق، إلى جانب الطواقم المرافقة للعربات التي لا تزال تعمل. ويؤدي ذلك إلى وجود فجوة في التغطية، خصوصاً في الأحياء والشوارع الفرعية التي يصعب الوصول إليها بصورة منتظمة.
الحاويات
حجم الخسائر: 71 حاوية متواجدة في الأسواق والمناطق المهمة من أصل 135 قبل الحرب.
نسبة الخسائر في الحاويات: 47.4%
على الرغم من أن حجم الخسائر في الحاويات الأقل مقارنة ببقية موارد هيئة النظافة، فإن نقصها ترك أثراً مباشراً داخل الأحياء. ومع تراجع عدد تواجد الحاويات داخل الأحياء يضطر عدد كبير من المواطنين الى رمي أكياس النفايات بصورة عشوائية، في ظل غياب الحاويات وعدم دخول عربات النظافة إلى داخل الأحياء مقارنة بما قبل الحرب. وعليه، يمكن النظر إلى عملية جمع النفايات داخل الأحياء باعتبارها منظومة تعتمد على ثلاثة عناصر مترابطة: عربة النظافة، والعامل، والحاوية. ولكي تعمل هذه المنظومة بصورة منتظمة، لا بد من توافر العناصر الثلاثة معاً؛ فأي نقص في أحدها ينعكس مباشرة على كفاءة الجمع والنقل، ويؤدي في النهاية إلى اتساع فجوة الخدمة وتراكم النفايات داخل الأحياء.
حجم النفايات في مدينة بحري
أثّر حجم الخسائر الكبيرة في الآليات بصورة واضحة على قدرة هيئة النظافة على نقل النفايات يومياً إلى المحطة الوسيطة في منطقة ود دفيعة. فقد أدت محدودية عدد العربات المتاحة إلى خلق فجوة بين كمية النفايات التي تُنتج يومياً والكمية التي يمكن نقلها إلى المحطة، وهي فجوة لم تكن موجودة قبل الحرب، عندما كانت الهيئة تمتلك كامل الموارد التشغيلية التي تمكنها من جمع ونقل كميات أكبر من النفايات.

ارقام حول حجم النفايات في مدينة بحري - المصدر: هيئة نظافة محلية بحري
بحسب أرقام هيئة نظافة محلية بحري، يُقدَّر حجم النفايات التي تُنتج يومياً بنحو 2,400 متر مكعب، في حين لا يتجاوز ما يتم نقله يوميًا حوالي 720 متراً مكعباً. وبطرح الكمية المنقولة من إجمالي الإنتاج اليومي، يتضح حجم الفجوة: 2,400 - 720 = 1,680 متراً مكعباً
أي أن نحو 1,680 متراً مكعباً من النفايات يومياً لا يتم نقلها، وفقاً لهذه الأرقام، ما يوضح حجم التحدي الذي تواجهه منظومة النظافة في محلية بحري في ظل ضعف توفر الآليات اللازمة لنقل النفايات.
منطقة أبو آدم…تكاليف باهظة من أجل التخلص من النفايات
في الجزء الجنوبي من مدينة الخرطوم، وتحديداً في منطقة أبو آدم، يتحدث محمد أبو دجانة عن معاناة السكان مع أزمة النفايات. ويقول أبو دجانة، الذي يسكن في مربع 4، أن الأزمة لا تقتصر على الحي الذي يقطن فيه، وإنما تشمل عدداً من أحياء منطقة أبو آدم.
وبحسب أبو دجانة، فإن تفاقم أزمة النفايات ارتبط بصورة مباشرة بعودة أعداد كبيرة من السكان إلى المنطقة خلال الفترة الماضية. مع عودة السكان وإرتفاع الكثافة السكانية، زادت كميات النفايات التي تنتجها الأحياء، بينما لم تواكب عمليات جمع النفايات والتخلص منها هذا التزايد، ما أدى إلى تراكمها في الشوارع والأماكن العامة. وقال أنه عند عودته في عام 2025، عقب استعادة السيطرة على الخرطوم، لم تكن النفايات تمثل مشكلة بالحجم الحالي، إذ كانت الكميات الناتجة محدودة، وكان سكان الحي ينظمون حملات نظافة بصورة متواصلة. لكن مع عودة المزيد من السكان، ارتفع حجم النفايات بصورة مستمرة، وأصبح التعامل معها أكثر صعوبة.
وعن أماكن انتشارها، يقول أبو دجانة إن النفايات أصبحت موجودة في أماكن متعددة داخل المنطقة؛ أمام أحد الميادين، وبالقرب من المسجد، وحتى أمام المنازل التي لا يزال بعضها خالياً من السكان.
غياب تام للحاويات وعربات النظافة
لكن المشكلة، بحسب أبو دجانة، لا تقع على عاتق المواطنين وحدهم، إذ تتحمل هيئة النظافة جانباً منها، خاصة مع غياب الحاويات وعدم وصول عربات النظافة إلى الشوارع الفرعية داخل الأحياء. ويقول أن عربات النظافة تعمل في الشوارع الرئيسية، بينما لا تدخل إلى كثير من الشوارع الداخلية، ما يضع عبئاً إضافياً على السكان. وأن نقل أكياس النفايات إلى الشارع الرئيسي قد يتطلب من المواطن قطع مسافة تصل إلى نحو كيلومتر، وهو ما يجعل التخلص منها بصورة صحيحة أمراً شاقاً، خصوصاً مع عدم وجود حاويات داخل الأحياء.
في ظل ذلك، يضطر بعض السكان، بحسب أبو دجانة، إلى التخلص من النفايات في أقرب مكان متاح، ما يساهم في ظهور تجمعات عشوائية للنفايات داخل الأحياء.
غياب العمل الجماعي والمبادرات
ويقول أبو دجانة إن تراكم النفايات وكبر حجمها، إلى جانب غياب المبادرات والعمل الجماعي بصورة منتظمة، يدفع السكان في نهاية المطاف إلى حرقها كلما سنحت لهم الفرصة، كوسيلة للتخلص منها. ويشير إلى أن لجنة الحي حاولت في وقت سابق إطلاق مبادرة لجمع النفايات والتخلص منها، وتواصلت مع هيئة النظافة للمساعدة في تنفيذها، إلا أن الهيئة طلبت من اللجنة توفير الوقود اللازم.
يقول أبو دجانة: "كانت هناك مبادرة من قبل لجنة الحي من أجل التخلص من النفايات، هيئة النظافة أكدت الإلتزام بتوفير الآليات والعمال و طلبت من لجنة الحي توفير الوقود للآليات، لكن للأسف تكلفة الوقود، مع حوافز العمال، كانت تقارب 500 ألف جنيه".
ومع ارتفاع التكلفة ، وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة، لم تكتمل المبادرة. وبذلك، بقيت أزمة النفايات قائمة، بحسب أبو دجانة، في ظل محدودية تدخل هيئة النظافة وغياب مبادرات محلية لتخفيف من هذه الازمة.

مظهر للنفايات مع آثار الحرق بالقرب من أحد المنازل الخالية – منطقة أبو آدم، مربع 4. الصورة بواسطة المؤلف
تواصل المعاناة في الأحياء ذات الكثافة السكانية
في أركويت، مربع 59، يتحدث شاهد عيان عن أزمة النفايات في المنطقة، مشيراً إلى تراكمها بصورة كبيرة في عدد من الأحياء والشوارع. وفي الحي الذي يقطن فيه، يقول إن الكثافة السكانية مرتفعة، خصوصاً مع وجود عدد من الداخليات التي تؤوي الطلاب. ويشير إلى أن النفايات تتجمع في عدة أماكن داخل الحي، من بينها جوار المنازل وبعض المدارس المتوقفة عن العمل. وقد يكون هذا المشهد، بحسب ما لاحظه الشاهد، متكرراً في أحياء أخرى.
ويضيف أن الحي يخلو تماماً من الحاويات أو براميل النفايات، كما أن عربات النظافة لم تعد تمر بالمنطقة منذ عودة السكان إليها. وفي ظل ذلك، كانت أبرز محاولة للتعامل مع المشكلة مبادرة أطلقها شباب الحي تحت شعار «الشدة تصنع الأبطال»، هدفت إلى إزالة النفايات من عدد من الأحياء، من خلال جمعها في نقطة مخصصة والتخلص منها بالحرق.كما أشار الشاهد إلى حادثة انفجار طلقة نارية كانت موجودة داخل النفايات، دون أن تسفر عن أي أضرار.
أما التغيير الأبرز مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب، فهو غياب عربات النظافة التي كانت تتولى جمع النفايات ونقلها، ما أدى إلى تراكمها بصورة مستمرة في المنطقة.
من أركويت إلى منطقة الجريف، لا يختلف المشهد كثيراً. فبحسب شاهد عيان في حي الجريف غرب، مربع 6، لا توجد عربات نفايات تأتي بصورة منتظمة لجمع النفايات، ما أدى إلى استمرار تراكمها في الحي. ويقول الشاهد إن مشهد النفايات موجود في المنطقة منذ يوليو 2025 وحتى وقت إعداد التقرير، أي لأكثر من عام، دون تحسن ملحوظ في الوضع. وتتكرر مشاهد إلقاء النفايات في الشوارع وأمام المنازل.
وفي محاولة للتعامل مع الأزمة، تعاونت لجان المقاومة مع المحلية لتوفير عربة قامت بجمع النفايات المتراكمة في الحي، لكنها جاءت مرة واحدة فقط. كما وفرت اللجان عدداً من براميل النفايات، إلا أنها لم تصمد طويلاً، إذ تعرضت للتلف خلال موسم الأمطار في عام 2025، ما أدى إلى عودة المشكلة من جديد. ويقول الشاهد إن معاناة المواطنين ما تزال مستمرة بسبب تراكم النفايات، وما يصاحبه من انتشار الذباب والحشرات.
«الأطفال في الحي ظهر ليهم بعض الأمراض المرتبطة بالحساسية، وفي أمراض تانية غريبة ظهرت برضو. ما عارفين إذا كانت مرتبطة بالنفايات ولا لا، لكن وجود النفايات بصورة مستمرة في الحي مخلينا نشك إنها ممكن تكون السبب.»
وتظل العلاقة بين تراكم النفايات وظهور هذه الأعراض بحاجة إلى تقييم طبي للتأكد من أسبابها. تجدر الإشارة إلى أن الجريف من المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة في مدينة الخرطوم، وهو ما قد يعني وجود كميات أكبر من النفايات الصلبة التي تحتاج إلى جمع ونقل بصورة منتظمة.
حالة خاصة… حي المطار
يبدو حي المطار حالة مختلفة عن الأحياء التي تناولناها سابقاً. فبحسب شاهد عيان، وهي طالبة في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، يخلو الحي من النفايات بصورة شبه كاملة، مع توفر حاويات ومرور عربات النظافة بصورة دورية تصل إلى ثلاثة أيام في الأسبوع. وتشير إلى أن قلة النفايات في المنطقة قد ترتبط جزئياً بانخفاض عدد السكان، إذ لا يزال الحي خالياً من السكان بصورة كبيرة مقارنة بمناطق أخرى في الخرطوم، ما يعني بطبيعة الحال إنتاج كميات أقل من النفايات.
إلا أن هناك عاملًا آخر قد يساعد في تفسير انتظام خدمة النظافة في المنطقة. فبحسب ما ذكره مدير عمليات هيئة النظافة في بداية التقرير، تركز عربات النظافة على الأماكن الحيوية والشوارع الرئيسية. وبالنظر إلى قرب حي المطار من مطار الخرطوم، فقد يكون موقعه وطبيعته الحيوية أحد العوامل التي تفسر انتظام خدمة النظافة فيه مقارنة ببعض الأحياء الأخرى.

صورة تظهر تكدس النفايات على أحد الشوارع - حي الجريف. الصورة بواسطة المؤلف
مخلفات الحرب …الحوادث والأضرار
لم تقتصر آثار الحرب على تكدّس النفايات، بل أضافت مخلفات الحرب خطراً آخر. ففي ظل غياب خدمات الجمع، يلجأ السكان إلى حرق النفايات، التي قد تختلط بداخلها أجسام وذخائر غير منفجرة. ومع وصول النار إليها، قد تنفجر وتتسبب في إصابات، لتتحول عملية حرق النفايات إلى خطر يتجاوز آثارها البيئية. ويستدعي ذلك توعية السكان بخطورة التعامل مع الأجسام المجهولة، والإبلاغ عنها للجهات المختصة، وتجنب حرق أكوام النفايات التي قد تحتوي على مخلفات حرب.
بحسب تقرير UNMAS ما بين يناير وحتى يونيو 2026 :
108 قتيل او مصاب بسبب العبوات المتفجرة.
38 حادثًا مرتبطًا بالذخائر المتفجرة.
نصف هذه الحالات في ولايتي الخرطوم والجزيرة، وهما من المناطق التي تشهد عودة واسعة للسكان. وشكّل الأطفال 55% من الضحايا الذين توفرت بيانات عن أعمارهم. من بين هذه الحوادث، انفجار عبوة ناسفة (قرنيت) في حي السامراب شمال مدينة بحري أدى إلى مقتل طفل يبلغ من العمر 8 سنوات، بينما اصيب اخر بجروح خطيرة.

عمال النظافة لايوجدون من يدفع رواتبهم. المصدر: AFP
الخلاصة
في المجمل، يمكن تلخيص أبرز ملامح أزمة النفايات في مدينتي الخرطوم وبحري في النقاط التالية:
- تأثير الحرب على منظومة النظافة: أدت الحرب إلى فقدان جزء من الآليات والموارد، وتراجع القدرة التشغيلية لمنظومة النظافة، إلى جانب ضعف التمويل اللازم لاستمرار الخدمة.
- تراجع خدمات جمع النفايات: غياب عربات النظافة بصورة منتظمة، خصوصاً عن الشوارع الفرعية داخل الأحياء، ساهم في استمرار تراكم النفايات لفترات طويلة.
- التخلص العشوائي من النفايات: مع عدم توفر الحاويات وأماكن التخلص المخصصة، يلجأ بعض المواطنين إلى رمي النفايات بالقرب من المنازل والمدارس والمباني المهجورة.
- العلاقة بالكثافة السكانية: ترتبط كمية النفايات إلى حد كبير بعدد السكان؛ المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة تنتج كميات أكبر من النفايات، بينما تقل الكميات في المناطق التي انخفض فيها عدد السكان بصورة كبيرة بسبب الحرب.
لا تقتصر مشكلة تراكم النفايات في أحياء الخرطوم على المظهر العام للشوارع والأحياء، بل تؤدي إلى انتشار الحشرات والقوارض والذباب، خاصة مع بقاء النفايات لفترات طويلة. كما أن وجود الأطفال بالقرب من أكوام النفايات يزيد من مخاطر تعرضهم للأوساخ والأجسام الحادة والمواد الملوثة. ومع ضعف عمليات الجمع، يلجأ بعض السكان إلى حرق النفايات، ما ينتج عنه دخان وملوثات قد تؤثر على الجهاز التنفسي وتزيد من مشكلات الحساسية.
إن استمرار الوضع كما هو علية بالتزامن مع عودة المزيد من السكان إلى بقية الأحياء، قد يزيد من حجم أزمة النفايات خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل محدودية التدخلات الحكومية والمجتمعية لمعالجة المشكلة. الأزمة التي تبدو في ظاهرها مشكلة بسيطة تتعلق بالتخلص من المخلفات، تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الامر بمدى تأثيرها على المظهر الحضري والجانب الصحي والبيئي في العاصمة الخرطوم.