هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

تحذير من المحتوى وإخلاء مسؤولية: المحتوى التالي يتناول تجارب شخصية وحساسة . ما يرد من آراء يعبرعن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس بالضرورة مواقف منصة أندريا. ندعوكم لقراءته بما ترونه مناسبًا. يمكنكم الاطلاع على إشعارنا التحريري الكامل هنا.


الجذور التاريخية والتحولات الراهنة

 

منذ ميلاد  الدولة  السودانية  الحديثة، ظل خطاب الكراهية أحد الملامح الخفية في مشهدها العام، يتبدّل شكله تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية لكنه يحتفظ بجوهره المتجذّر في التاريخ، هذا الخطاب الذي بدأ كموروث ثقافي يعكس التفاوتات والهويات المتعددة، تطوّر عبر العقود ليصبح أداةً في الصراع السياسي ومحرّكاً للانقسام الاجتماعي. يتناول هذا  المقال  الجذور التاريخية لخطاب الكراهية في السودان ويحلل العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية التي غذّته، في محاولة لفهم كيف تشكّل هذا الخطاب، ولماذا ظلّ حاضراً في كل منعطف من تاريخ البلاد.


مقدمة 

 

مع اشتداد الحرب الحالية في السودان، وتحوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات تجييش تعبوي غير مسبوقة، برزت موجة واسعة من الخطابات العدائية التي تستدعي التاريخ والهوية والانتماء الجغرافي لتبرير العنف وإعادة إنتاج الانقسامات. وفي ظل هذا التصاعد الخطير لخطاب الكراهية، أصبح من الضروري العودة إلى الجذور الأولى لهذا الخطاب لفهم كيف تكوّن، وكيف جرى ترسيخه، وكيف يُستثمر اليوم كأحد أقوى الأسلحة غير العسكرية في الصراع الدائر.

 

 

ماهو خطاب الكراهية

 

يشير "خطاب الكراهية" إلى الكلام المسيء الذي يستهدف مجموعة أو فرداً بناءً على خصائص متأصلة (مثل العرق أو الدين أو النوع الاجتماعي) والتي قد تهدد السلم الاجتماعي.

 

تُعرِّف استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية، بأنه " أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية"

 

لا يقتصر خطاب الكراهية على الإضرار بالأفراد وتحريضهم على العنف فحسب، بل يُشكل اعتداءً على التنوع وحقوق الإنسان، فهو يُقوّض التماسك الاجتماعي و القيّم المشتركة، ويُعيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة وإعمال حقوق الإنسان للجميع.

 

يمكن لـ”خطاب الكراهية” أن يشكّل خطراً بوجه خاص حين يسعى إلى تحريض الناس على العنف تجاه مجموعات معينة، إنما حتى في أشكاله الأقل حدّة، مثل حالات الشتم المتكرر أو الافتراء أو الصور النمطية المؤذية التي قد تنشئ بيئات مشحونة بالحقد وتؤدي الى حصول تداعيات سلبية قد يشعر من يُمارس عليه خطاب كراهية بالإذلال وأن كرامته مهانة باستمرار وهذا قد يلحق نوعاً من الأذى النفسي به ويساهم في تعزيز نطاق تهميش الفئة المستهدفة اجتماعياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً.


جذور خطاب الكراهية في السودان


أولاً : البعد التاريخي والسياسي

يُعد خطاب الكراهية في السودان ظاهرةً مركبة الجذور، تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة إلى عمق التاريخ الاجتماعي والاستعماري، حيث تشكّل عبر قرنٍ من الزمن كنتاجٍ مباشر لتقاطعات السلطة والهوية والدين والعرق والتهميش الإقليمي. 


الجذور الاستعمارية للتمييز وصناعة الآخر


أرسى الاستعمار الثنائي (الإنجليزي - المصري) منذ بدايات القرن العشرين اللبنات الأولى لخطاب الكراهية عبر سياسة "فرّق تسد"، فقد تعاملت بريطانيا مع السودان كمجتمعين منفصلين السودان العربي المسلم في الشمال الذي نُظر إليه كمركز التحضر والولاء السياسي، والسودان الإفريقي الوثني أو المسيحي في الجنوب والغرب، الذي صُوّر كفضاء بدائي يحتاج إلى تمدين وقد أسست هذه السياسات الاستعمارية للتمييز بين مراكز السلطة وأطراف الدولة، وهو الانقسام الذي يظهر اليوم بشكل واضح في خطاب الحرب، حيث تُستعاد مفردات الهيمنة والمظلومية (الهامش والمركز) ذاتها التي تشكلت قبل أكثر من قرن، مما يؤكد الأثر العميق للماضي في تشكيل خريطة الكراهية الراهنة. 


صورة مولّدة باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر منصة Bing Image Creator، مستوحاة من أحداث الحرب في السودان لتعكس واقع خطاب الكراهية 


وقد تناول كتاب محمود مامداني في كتابه حول دارفور والسياسة الدولية، هذه الثنائية التي اعتبرها زرعت بذور الاستعلاء الثقافي والعرقي، وأعادت إنتاجها في التعليم والإدارة واللغة، ما جعل الانتماء الإثني معياراً للجدارة الاجتماعية، ومع الاستقلال عام 1956، ورثت النخبة هذا البناء القيمي واستمر توظيفه كأداة للهيمنة السياسية.


الدولة الوطنية وإعادة إنتاج المركزية الثقافية


بعد الاستقلال، كان من الأهمية  تأسيس مشروع جامع للهوية السودانية من شأنه ان يجنب البلاد أزمات عديدة. وهذا ما تناولته دراسة دوغلاس جونسون حول جذور الحروب الأهلية أن الدولة السودانية بعد الاستقلال أعادت إنتاج المركزية الثقافية بدلاً من تجاوزها. فمنذ الحرب الأهلية الأولى في الجنوب (1955-1972)، ثم الثانية (1983-2005)، وصولاً إلى نزاعات دارفور (2003-حتى اليوم)، أصبح خطاب الكراهية أداة تعبئة سياسية وعسكرية. استخدمت النخب الحاكمة تعبيرات مثل (الخونة/المرتزقة/أعداء الدين) لتبرير العمليات العسكرية ضد مجموعات متمردة أو معارضة  في المقابل، لجأت بعض الحركات المسلحة إلى خطاب مضاد يشيطن المركز ويُعمّم مسؤولية القمع على بعض المجموعات، مما عمّق الفجوة الوطنية.

يوضح تحليل أليكس دي وال لسياسات الحرب والسلام في السودان كيف تحولت الكراهية إلى أداة للتعبئة السياسية والعسكرية منذ ستينيات القرن الماضي، حيث أدى سوء إدارة التنوع في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى تراكم شعور بالغبن لدى مناطق واسعة، وهو الشعور نفسه الذي تغذّيه اليوم خطابات الحرب، نجده في خطابات الأطراف المتصارعة وبشكل محدد الدعم السريع لإضفاء شرعية على مواقفها وتعبئة المقاتلين.


  كيف تم  تكريس الكراهية كعقيدة دولة


تبنّت الأنظمة المختلفة عبر تاريخ السودان بعد الاستقلال خطاباً أيديولوجياً يقوم على سرديات  ثنائية (المؤمن مقابل العلماني والمجاهد مقابل العميل وأبناء الوطن الأوفياء مقابل أبناء التمرد) استُخدم هذا الخطاب في الإعلام والتعليم والجيش لتأجيج الصراعات، مما جعل التحريض الديني والعِرقي جزءاً من استراتيجية الحكم.


وقد نشأت الحركات المسلحة كرد فعل عنيف على ممارسات الدولة خاصة في مطلع الألفية في دارفور حيث تمت التعبئة والحشد بخطابات عرقية واثنية  شملت الكراهية لمجموعات أخرى، وهنا نفهم خطورة استخدم خطابات مناطقية واثنية في إطار عمل سياسي. وهذا الواقع المعقد هو الذي أنتج مجموعات مسلحة ذات تكوين عرقي كذراع للدولة أيضاً ضد مجموعات الحركات المسلحة، فكان تكوين قوات حرس الحدود  ثم تغير اسمها لاحقا لقوات الدعم السريع.


فقد ساهمت ممارسات القمع السياسي وتقليص المجال العام خلال الأنظمة العسكرية في تطبيع خطاب الإقصاء، وجعلت من التنميط الجهوي والعرقي وسيلة سهلة لإدارة الخلافات وهو ما يظهر بوضوح في النزاع الحالي، حيث تُستخدم الآلة الإعلامية لبعض الأطراف لإعادة إنتاج نفس أنماط التحقير وقمع الأصوات المغايرة وخلق سردية معينة لتحديد من هو وطني ومن هو غير وطني وفق مشهد إعلامي تمت صناعته على هذا الأساس ولهذا الغرض. كما تناول كتاب جوك مادوت جوك عن الحرب والعبودية في السودان كيف استخدم نظام الحركة الإسلامية الدين والعِرق لتبرير القمع وتوسيع الحرب الأهلية.


ونجد هذا جلياً في حرب 15 أبريل حيث تم استخدام الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي في إنتاج وتداول سرديات ثنائية تعمق الكراهية وتزيد الفجوة بين أبناء الوطن الواحد، مما أدخل عنصر الاستقطاب القبلي والاثني كأبرز استجابة لهذا الخطاب، الذي يصور المجموعات العرقية المختلفة كعدو وجودي في إطار سرديات تعبئة واضحة. على سبيل المثال، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الأشهر الأخيرة حملة واسعة من الرسائل الاستقطابية التي تؤثر في قرارات الشباب السياسية والاجتماعية، مما يوضح استمرار تأثير خطاب الكراهية على الواقع اليومي وأوضح مثال راهن هي الانتهاكات الجسيمة التي تمت بحق المدنيين بمدينة الفاشر عقب سيطرة الدعم السريع على المدينة في 26 من أكتوبر 2025، وتشير تقارير إنه لم يسلم  حتى  كبار السن والنساء  والأطفال ونجد ان خطاب الكراهية ظل دوما رديف ومحرك لهذه الانتهاكات.


 ما بعد الثورة وحرب 15 أبريل 2023 عودة الخطاب المسموم


بعد ثورة ديسمبر 2018 التي رفعت شعارات (حرية-سلام-وعدالة) كان يُفترض أن يبدأ السودان مرحلة جديدة من التسامح والتعايش لكن مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، عاد خطاب الكراهية بأشد صوره هذه المرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث صار السودانيون أنفسهم أدوات في حرب الدعاية المتبادلة، انتشرت مصطلحات واختلط الخطاب العرقي بالمناطقي والسياسي.


ولفهم ديناميكية خطاب الكراهية في السودان لابد من دراسة السياق الثقافي الأعمّ الذي يُنتجها ويُغذّيها، فالخطاب التحريضي لا يبدأ على صفحات فيسبوك أو تيك توك فحسب؛ بل يستنسخ ويعيد تعبئة أُطراً لغوية ورمزية متجذِّرة في الذاكرة الجمعية والسرديات التاريخية لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب قراءة ثقافية عميقة قبل أي إجراء قانوني في البنية الاجتماعية السودانية. ترسخت مفردات تحمل دلالات عنصرية جهوية تسللت إلى اللغة اليومية لم تكن مجرد أوصاف، بل أدوات لإنتاج الآخر وتجريده من إنسانيته ومع إنتشار وسائل الإعلام الحديثة تسارعت عملية تضخيم هذه المفردات وتوظيفها سياسياً.

 

تمثل  الفنون السودانية من موسيقى وشعر ومسرح سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة لعبت أدواراً تاريخية في التعبير المدني ومقاومة الاستبداد، لكنها في المقابل قد تُستخدم في الصراع الحالي كأدوات تعبئة وتحريض جماهيري شعارات بسيطة أو مقاطع غنائية  يمكن أن تتحول إلى محركات للشحن العاطفي، وهو ما يعكس حساسية المشهد الثقافي السوداني وسرعة توظيفه سياسياً.


صورة تعكس التنوع الثقافي في السودان المصدر: مجلة السودان


فاللغة اليومية والأمثال الشعبية  لعبت دورًا مهمًا في تطبيع الكراهية، عبارات قد تُستخدم في الحياة اليومية على سبيل المزاح أو الوصف تتحول في لحظة النزاع إلى أدوات للتصنيف والتحريض في مجتمع يقوم على الذاكرة الشفهية تنتقل هذه الكلمات إلى وسائل التواصل الاجتماعي حيث يعاد تدويرها في شكل فيديوهات أو صور ساخرة، فتتسع دوائر تأثيرها وتصبح أداة لتبرير العنف مثل السخرية من  نساء  أو طريقة عادات مجموعات معينة بما في ذالك توصيفات تقلل من الكرامة والشرف  وقد تشمل تصنيف مناطقي مثل المثل الذي في ما معناه  (القادم من جغرافية كذا لا يسر القلب).

 

في المقابل تقوم ما يعرفهن ب(الحكامات) بإنتاج توصيفات كراهية لمجموعات أخرى وتشجع الحكامات على ممارسة سلوكيات  مهينة وتبرر لهم ذالك بمجموعة من الأمثال والعبارات التي أيضا تقلل من كرامة نساء وأفراد مجموعات أخرى بصورة شبه انشادية وتعبوية وهي مفردات معلومة لا داعي لذكرها هنا مباشرة، تاريخياً كان ينخرط أشخاص في القتال والثأر فقط لحيظوا بذكر أسمائهم في أناشيد الحكامات بوصفهم بالشجاعة وتجنباً لوصفهم بالجبن إذا لم يثأروا.

 

كذلك الرموز والأساطير الثقافية تُستغل لإضفاء شرعية على الخطاب العدائي، مثل استدعاء أسماء تاريخية أو بطولات قديمة يمنح شعورًا بأن الصراع ليس آنياً بل معركة من أجل البقاء الثقافي وهذا الاستخدام الرمزي لا يقتصر على الخطاب السياسي ، بل يمتد إلى الأغاني والشعارات والقصص الشعبية التي تُحرّف وتُوظف لخدمة أجندات آنية، فتتحول إلى ذخيرة عاطفية تدفع الجمهور نحو التعصب لقد تم إنتاج منتوج فني مشوه سواء في الكوميديا أو الأغاني الاقصائية والعنصرية والتي تمجد القتل وتحط من كرامة مجموعات اثنية وفق مفردات عنصرية واضحة.

 

أشار مركز الدراسات الأفريقية للعدالة والسلام (ACJPS 2021) إلى أن التمييز وخطاب الكراهية لم يكونا مجرد انعكاس للأزمة السياسية، بل جزءًا من الثقافة السائدة التي تستخدم لغة "الوصم" ضد مجموعات محددة خصوصًا في النزاعات المسلحة في دارفور وجبال النوبة. هذا ما يجعل البعد الثقافي لخطاب الكراهية أكثر خطورة، لأنه يتحول من مجرد خطاب إعلامي إلى ممارسة اجتماعية تُشرعن العنف وتبرر الاستبعاد.

 

إجمالاً، يظهر أن البعد الثقافي لخطاب الكراهية في السودان يتجاوز الظرف السياسي الراهن ليعكس أزمة أعمق، فالخطاب يستند إلى روايات ثقافية قديمة تُعيد إنتاج الانقسام في حين أن مواجهته تتطلب مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للقيم الثقافية الجامعة، وتُحدث توازنًا بين حرية التعبير وحماية المجتمع من الانزلاق نحو العنف المشرعن بالكلمة.

 

الانفجار مع حرب أبريل 2023

 

اندلاع حرب 15 أبريل فجّر بذور خطاب الكراهية "فالحرب أولها كلام" ، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر إلى ساحات معارك موازية، انتشرت مقاطع فيديو و تصريحات لقيادات عسكرية وسياسية تحمل اتهامات جماعية وتحريضًا ضد مناطق أو قبائل محددة، مما جعل خطاب الكراهية جزءًا أصيلًا من أدوات الحرب  يُستخدم لتأجيج العنف وشيطنة الخصوم وتبرير الانتهاكات، النزاع أوجد فراغًا أمنيًا وإعلاميًا استغلته أطراف مختلفة لنشر رسائل الكراهية والتحريض، سواء عبر المنصات التقليدية أو الوسائط الرقمية، هذا التحول جعل من الحرب نفسها بيئة خصبة لإعادة إنتاج الصور النمطية والانقسامات الاجتماعية القديمة في شكل أشد حدّة وأكثر تنظيمًا.


الحرب يمكن أن تبدأ بكلمة. المصدر: صحيفة الصيحة


 

في المقابل، تؤكد ورقة فوزي أحمد عبد الله سلوم (ResearchGate, 2025) أن الثقافة السودانية ليست فقط مسرحاً لخطاب الكراهية، بل تحتوي أيضاً على موارد بديلة لمواجهته، مثل قيم التسامح في الأعراف التقليدية، ودور الحكي الشفهي والفنون الشعبية في تعزيز التعايش، لكن هذه الموارد ضعفت أمام هيمنة الخطاب التحريضي المدعوم رقمياً وإعلامياً.

 

وتظهر أهمية هذه الأمثال والرموز الشعبية في كونها لا تعكس فقط تصورات قديمة، بل تُستخدم اليوم بشكل مباشر في منصات التواصل الاجتماعي لتأجيج الانقسام الجهوي فالكثير من الصفحات تعيد تدوير هذه العبارات في سياق الحرب، فتمنحها حياة جديدة وتحوّلها من تراث شفهي إلى أدوات للتحريض والتعبئة، مما يجعل الثقافة الشعبية إحدى أهم الحواضن التي تُعيد إنتاج خطاب الكراهية في السودان.

 

ممارسات سودانية تاريخية في إدارة النزاعات

 

ولأن خطاب الكراهية لا يُواجَه فقط بالقوانين أو الأدوات التقنية، بل أيضاً بالموارد الثقافية الحية، فمن الضروري استحضار بعض الممارسات السودانية التي لعبت تاريخياً دوراً محورياً في نزع الاحتقان فالأعراف التقليدية مثل المصالحة القبلية وطقوس الجودية، أسهمت في احتواء النزاعات وترميم الروابط بين المجتمعات حتى في أكثر الفترات اضطراباً.

 

حيث شكّلت الممارسات التقليدية مثل الجودية ومجالس الصلح القبلي إطاراً اجتماعياً فعّالاً لإدارة النزاعات ونزع الاحتقان في محطات تاريخية متعددة تقوم الجودية على تدخل الأجاويد، وهم وجهاء يتمتعون بالحياد والقبول الواسع لعقد جلسات وساطة تُبنى على الأعراف والروابط الاجتماعية، وتُنهي عادة باتفاق مكتوب أو شفهي يتضمن التعهدات والدّيات وإجراءات رمزية تؤكد نهاية الخلاف وقد لعبت دوراً مهماً في احتواء النزاعات في دارفور وكردفان وشرق السودان، خصوصاً في قضايا الموارد مثل الأرض والمراعي والمياه وتوضح أبحاث أنثروبولوجية أن الجودية إلى جانب طقوس التصالح القبلي والوساطة الروحية عبر الطرق الصوفية كانت بمثابة قانون اجتماعي غير مكتوب حافظ على تماسك المجتمعات حتى في الفترات الأكثر اضطراباً.

 

الفنون الشعبية وبناء الوجدان المشترك

 

يشكّل الحكي الشفهي والفنون الشعبية مورداً مركزياً في هذا السياق؛ إذ تحمل الأمثال السودانية رسائل واضحة حول التعايش وتغليب الحكمة وتجنّب الشقاق مثل المقولة الشائعة التي تحث على التسامح والحكمة "الفشى غبينته خرب مدينته" بينما تستدعي الأغاني والمسرحيات الشعبية قيم التعاون والصلات الإنسانية التي تتجاوز الانقسامات. مثل أغنية (أنا أفريقي - أنا سوداني) لإبراهيم الكاشف نموذجاً مبكراً للغناء الوطني الذي يعزز الهوية المشتركة ويؤكد وحدة مصير السودانيين وتأتي أغاني محمد وردي، مثل (يا شعباً لهبك ثوريتك) كدعوة للصمود  الجماعي والمقاومة. فيما نحن أحوج الآن لمعاني التنادي للوطن الجريح مثل  اغنية (بلدنا نعلي شأنا  سودانَّا نادانا - حلك يا قضية بدون صوت بندقية أخوي خليك معايا بدل ما تكون عليا).

 

كما يظهر طقس النفير كواحد من أهم الممارسات الاجتماعية التي تجسّد التعاون العملي، حيث يجتمع الناس لمساعدة فرد أو أسرة في العمل الزراعي أو البناء أو الظروف الطارئة، ويصاحبه غناء جماعي يحفّز على المشاركة التضامن كأغنية الفنان حمد الريح عندما فاض النيل على جزيرة توتي (عجبوني الليلة جوا ترسوا البحر صددوا-عجبوني أولاد الأهالي عجبوني وسروا بالي).

 

وفي المجال المسرحي لعبت العروض السودانية دوراً فاعلاً في مخاطبة قضايا المجتمع وتعزيز قيم الوحدة فقدمت مسرحية تاجوج رؤية مستمدة من التراث الشعبي تؤكد قوة الحكاية في جمع الذاكرة الثقافية لمختلف المجموعات بينما برزت مسرحيات فرقة الأصدقاء مثل "خطوبة سهير" التي عالجت قضايا القبول الاجتماعي والتعايش بين الطبقات والعائلات وتوثق كتب مثل "حكايات وذكريات من تاريخ المسرح السوداني" تطور الحركة المسرحية ودورها في بناء وعي جماعي قائم على المشاركة والتواصل الإنساني.

 

والجدير بالذكر هناك مبادرات رقمية وتعليمية مثل مبادرة ويكي السودان إحدى أبرز الجهود الرقمية التي يقودها شباب يعملون على توثيق التراث  وتركّز المبادرة على جمع الأغاني الشعبية، والفنون الشفاهية، والممارسات الثقافية من مختلف مناطق البلاد، ثم إعادة تقديمها بلغة مبسطة وواضحة تسهّل وصولها لجمهور الشباب ويمثّل هذا المشروع نموذجاً لخطاب إيجابي يسعى إلى إبراز التنوّع السوداني ومواجهة السرديات المحرّضة التي تعتمد على تشويه الهوية والقواسم المشتركة.

 

وفي الاتجاه ذاته تعمل منصة حكامة على نشر محتوى بصري ومكتوب يعرض القصص التراثية، و إضافة إلى الحكايات والأمثال الشعبية، تعمل هذه المبادرات على إعادة تقديم هذه الموارد الثقافية لجمهور الشباب كمحاولةً بناء خطاب بديل ينافس السرديات المحرِّضة التي تتوسع بسرعة وتُظهر هذه الأمثلة أن الأدوات الثقافية ليست مجرد مكمل لجهود مكافحة خطاب الكراهية، بل جزء أساسي من قدرة المجتمع على إعادة بناء الثقة وصنع مساحات للتواصل الإيجابي.

 

الفن كمحفّز

 

الآثار بعيدة المدى لخطاب الكراهية على البنية الثقافية والاجتماعية خطيرة للغاية، إذ يؤدي استغلال الرموز والأغاني والأمثال في التحريض إلى تلويث المخزون الثقافي المشترك الذي يشكل أساس الثقة والتعايش، وعندما تتحول مفردات الثقافة من أدوات للتواصل إلى أدوات للتمييز، يصبح بناء المصالحة أصعب بكثير ويتطلب إعادة إنتاج سرديات بديلة على المدى الطويل.

 

ولهذا فإن مكافحة خطاب الكراهية في السودان من زاوية ثقافية تستدعي جملة من التدخلات:


● إعادة سرد التاريخ الوطني بأصوات متعددة تُبرز التلاقي بدل الإقصاء، مثل  المبادرات المدنية والثقافية التي برزت خلال الحرب وتعمل على إعادة تقديم السرد الوطني من زوايا متعددة، مثل منصة الطريق 18 التي تستعرض مختلف السرديات ووجهات النظر. كما نظّمت مجموعات من المثقفين والناشطين حلقات حوار تضم مشاركين من دارفور والخرطوم وكردفان والشرق، يناقشون فيها تجاربهم مع الحرب والهوية والعيش المشترك مثل مجموعة حركة الحقوق الشبابية هذه الحوارات مكّنت من إظهار روايات بديلة لتلك التي تغذي الإقصاء وأعادت التأكيد على تشابك العلاقات السودانية تاريخيًا بوصفها قاعدة للتلاقي لا للتنافر.

   

● إدماج مناهج تعليمية تفضح الاستخدام السلبي للغة الشعبية كما قامت مبادرات يقودها شباب وصحفيون محليون على رفع الوعي اللغوي الإعلامي مثل بيم ريبورتس من خلال  التحقق من المعلومات وتحليل الخطاب الشعبي، خصوصًا المستخدم في التحريض والشائعات. تستهدف هذه البرامج فئة الشباب، وتشرح كيف تُستخدم العبارات اليومية لتأجيج الكراهية، مما يجعل التعليم غير الرسمي خط دفاع فعّال في مواجهة اللغة التي تشعل العنف الاجتماعي.

  

● دعم الفنون التي تعزز قيم التعايش والتسامح رغم قسوة الحرب  ظل الفن السوداني مساحة مقاومة تعبّر عن التعايش وتدافع عنه. حيث أطلقت مجموعات فنية مستقلة معارض توثيقية رقمية وأعمالًا تشاركية جمعت نازحين من مناطق مختلفة مثل أرشيف الفن السوداني لتؤكد أن الثقافة يمكن أن تبني ما تهدمه الحرب وأن الفن يظل صوتاً مضاداً للكراهية.


● إنشاء منصات حوار بين الداخل الشتات مع اتساع دائرة النزوح والهجرة، مثل ما ظهرت منصات حوار افتراضية تجمع نشطاء أكاديميين وباحثين من داخل السودان وخارجه. حيث أطلقت مجموعة مناصرة من أجل السلام(AGPS) مبادرة نداء سلام السودان لوقف الحرب وبناء سلام مستدام تناقش هذه المنصات جذور النزاع وتأثير خطاب الكراهية، وتقدم بيانات مشتركة ورؤى بديلة حول المصالحة وإعادة بناء المجتمع، هذا التواصل العابر للجغرافيا أعاد وصل ما قطعته الحرب، وأسهم في خلق وعي جمعي يضع أساسًا جديدًا للحوار الوطني


● تطوير آليات تحقق محلية باللهجات السودانية لضبط الشائعات والخطاب التحريضي مثل ما تقوم به   نوارميديا بنشر ثقافة السلام وتوثيق المحتوى المسيء وتحليل دلالاته وتنبيه المجتمع مخاطره، تكتسب هذه الجهود أهمية لأنها تعتمد على معرفة دقيقة بالسياق المحلي، مما يجعلها أكثر قدرة على تفكيك خطاب الكراهية ومنع تحوله إلى عنف فعلي.

 

هذه المقاربة الثقافية يمكن أن تلعب دور فعال في مناهضة خطاب الكراهية ودفع جهود التعايش والسلم الإجتماعي، إذ لم يعد ما يدور على المنصات مجرد سجال عابر؛ فخطاب الكراهية في السودان أصبح جزءاً من الواقع الراهن، يعيد تشكيل العلاقات بين المجتمعات، ويؤثر على حياة الناس في المدن المحاصرة وممرات النزوح والمنافي. وفي هذا الظرف الدقيق، تصبح مسؤولية القارئ واضحة ومباشرة توقف قبل أن تشارك، تحقق من مصدر المعلومة، اسأل عمّا إذا كان المحتوى يطفئ التوتر أم يزيده، ففي ظل هذا الواقع الملتهب قد يكون أبسط فعل فردي  مثل الامتناع عن نشر خطاب محرّض خطوة صغيرة لحماية ما تبقى من الثقة بين الناس.

 

في الجزء الثاني أدناه، سنحاول الغوص في الوجه الراهن لخطاب الكراهية كيف تحوّلت الكلمة إلى سلاح، وكيف يمكن أن تستعيد دورها كجسرٍ للسلام والتعايش.


كيف أصبحت الكلمة سلاحاً (2-2)

 

 مظاهر خطاب الكراهية في الحرب السودانية

 

يتناول هذا الجزء  مظاهر خطاب الكراهية في السودان، وكيف تسللت اللغة العدائية إلى تفاصيل الحياة اليومية منذ اندلاع الحرب الأخيرة  فمن ساحات القتال إلى وسائل التواصل، وبين محاولات التصدي لهذا الخطاب ومبادرات نشر السلام، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للكلمة نفسها أن تتحول من أداة انقسام إلى جسرٍ للتفاهم؟

 

مقدمة

 

يمكن تصنيف خطاب الكراهية الذي صاحب الحرب الحالية إلى عدة أنماط أساسية أهمها: خطاب الشيطنة الذي يحوّل الخصم إلى كائن غير إنساني، وخطاب التهديد الذي يبرر العنف ضد جماعات معينة، وخطاب التضليل القائم على نشر الشائعات إضافة إلى خطاب الهوية الذي يعيد إنتاج الانقسام الجهوي والعرقي  وتساعد هذه التصنيفات على تحليل الكيفية التي يتحرك بها الخطاب داخل المجتمع وكيف يتأثر بها الرأي العام.

 

خطاب الكراهية في حرب 15 أبريل 2023، أخذ أشكالاً متعددة تجاوزت التنظير إلى واقع ملموس، بحيث صار بالإمكان رصده في تفاصيل الحياة اليومية وفي المجالين الإعلامي والسياسي، أبرز هذه المظاهر يمكن تلخيصها وتحليلها كالآتي:


شيطنة المجموعات العرقية والجهوية


في  ظل وقع الحرب الحالية ، برزت ظاهرة شيطنة المجموعات العرقية والجهوية كأحد أخطر مظاهر خطاب الكراهية التي تهدد وحدة البلاد وتماسكها الاجتماعي، فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انتشر خطاب عدائي يصور بعض المكونات السكانية كـ"أعداء للدولة" أو "خونة"، في إعادة إنتاجٍ لسرديات جزء من منظومة سياسية وثقافية عملت لعقود بحيث تُختزل المجموعات الطرفية في صور نمطية تُقصيها من المجال الوطني وتُسقط عنها صفة المواطنة الكاملة.


وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الحرب دوراً مضاعفاً في تضخيم هذا الخطاب، حيث رصدت هيومن رايتس ووتش عشرات الصور والفيديوهات والمنشورات في المنصات الرقمية مثل  تيك توك - فيس بوك - إكس وغيرها تروج لسياق يبرر العنف ضد مجموعات محددة. وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2024، فإن تصاعد الكراهية الجهوية والعرقية في السودان شكّل أرضية خصبة لارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، خاصة في المناطق التي شهدت اقتتالاً ذا طابع إثني، وأشار التقرير إلى أن خطاب الكراهية بات يُستخدم كأداة تعبئة قتالية، وليس فقط كوسيلة للتعبير السياسي، ما يجعل السيطرة عليه أمراً بالغ الصعوبة في ظل  غياب مؤسسات قانونية وإعلامية مستقلة.


تبرير العنف والانتقام


يتقاطع خطاب تبرير العنف مع خطاب الشيطنة من حيث البنية والدوافع، لكنه يتجاوزه في التأثير، إذ يُحوّل القتل والتدمير إلى رد فعل مشروع بدعوى الثأر أو استعادة الكرامة، منذ الأشهر الأولى للحرب، انتشرت روايات تبرر الانتهاكات ضد المدنيين باعتبارها "جزاءً عادلاً" أو "حساباً مؤجلاً" لمظالم الماضي، ما أضفى طابعاً أخلاقياً زائفاً على العنف، وحوّله إلى سلوك مقبول اجتماعياً في بعض الأوساط.


هذا الخطاب يُغذّي عقلية الانتقام الجمعي، ويقوض فكرة العدالة والمساءلة، إذ يُصور الانتهاك كواجب وطني كما يعيد إنتاج منطق الحرب الأهلية في دارفور مطلع الألفية، حين تحوّل التحريض إلى وسيلة للانتقام الجماعي من مجموعات إثنية بعينها، واليوم، يتكرر المشهد نفسه في الخطاب الميداني والسياسي، حيث يتم تبرير النهب والتصفية والتهجير القسري على أساس الولاء الجهوي أو الموقف السياسي. والمؤسف أن خطاب الانتقام في السودان لا يقتصر على تبرير الأفعال المسلحة فحسب، بل يمتد ليشمل الخطاب الإعلامي، حيث تُقدَّم الحرب بوصفها “تطهيراً” أو “تصحيحاً لمسار الدولة”، ما يرسخ ثقافة العنف كأداة سياسية بديلة للحوار، هذا النمط من الخطاب قد  يُهدد فرص المصالحة المستقبلية، لأنه يزرع الكراهية في الأجيال.


استهداف النساء عبر خطاب إقصائي/جنسي

 

من أبرز المظاهر كذلك، الاستخدام الممنهج للخطاب الجنسي والوصم الأخلاقي ضد النساء من جماعات معينة. جرى تصوير المرأة إما كـ"غنيمة حرب" أو كـ"أداة خيانة"، وهو ما ساعد على شرعنة العنف الجنسي كسلاح ضمن الصراع، وأدخل أبعاداً جديدة لخطاب الكراهية تتقاطع مع النوع الاجتماعي.


وفي مقال  نشرته "All Africa" في يوليو 2025 حول خطاب الكراهية ضد النساء في السودان، جرى توثيق كيف استُخدمت المنصات الرقمية كساحة لإطلاق حملات تشويه وسخرية وتهديدات تستهدف النساء الناشطات، حيث يواجهن حملات تشهير وتشويه سمعة وتهديدات واسعة، هذا النمط من الخطاب يوضح أن الكراهية لم تقتصر على البعد العرقي أو السياسي، بل امتدت إلى النوع الاجتماعي.  تقارير إعلامية توضح أن صحفيات وناشطات إعلاميات تعرضن لتهديدات وملاحقة واعتداءات أثناء التغطية، إضافة إلى حملات تشهير مرتبطة بتوثيقهن لانتهاكات الحرب، ما جعل النساء عرضة لعنف مضاعف خلال الحرب. هذه الظاهرة ليست معزولة، بل تمتد لتطال العديد من القيادات النسوية في السودان، في ظل تنامي خطاب الكراهية الذكوري الذي يوظف “الشرف” والهوية كأدوات إقصائية

 

المظاهر الملموسة لخطاب الكراهية في الحرب السودانية تكشف أنه لم يكن مجرد أداة خطابية، بل منظومة عملية متكاملة، الجديد هنا أن الخطاب تجاوز النخب السياسية إلى المستوى الشعبي والرقمي، بحيث صار المواطن العادي مشاركاً في إنتاجه ونشره، هذه المشاركة الشعبية في الكراهية تجعل المعالجة أصعب، لأنها تتطلب تدخلاً متوازناً يشمل الإعلام، التعليم، الخطاب الديني، والمبادرات المدنية معاً.


وسائل التواصل الاجتماعي وخطاب الكراهية

مع اشتعال الحرب السودانية، تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة جديدة لا تقل خطورة عن أرض المعركة، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المنبر الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام وصياغة السرديات المتصارعة، حيث استُخدمت كأداة لتعبئة الأنصار والتحريض ضد الخصوم، وفي الوقت ذاته كمساحة للبحث عن بدائل تدعو للتعايش والسلام.

الخطاب الرقمي لم يكن مجرد تفاعلات عفوية، بل جرى توظيفه بشكل منظم ومدروس، الأطراف المتصارعة ضخت رواياتها عبر آلاف الحسابات المؤثرة، معتمدة على تقنيات الإبهار البصري والمحتوى العاطفي الصادم من صور ومقاطع فيديو، لخلق حالة من الشحن النفسي والتهيئة لتبرير العنف، هذا التدفّق الهائل من المعلومات غذّى حالة الاستقطاب وأنتج "غرف صدى" تحاصر المتابع داخل دائرة خطابية واحدة، ما جعله أكثر عرضة لتبني مواقف متشددة وعدائية.

في المقابل، لم يخلُ المشهد من محاولات مضادة، مبادرات شبابية ومنظمات مدنية عملت على نشر رسائل بديلة تدعو للتسامح والوحدة، كما ظهرت جهود للتحقق من الأخبار والحد من سطوة التضليل، بعض الناشطين لجأوا إلى الفن، الموسيقى، والسرد الشخصي كوسائل ناعمة للتأثير وإعادة بناء الثقة بين المجموعات المختلفة، لكن هذه الجهود واجهت عقبات كبيرة، منها ضعف البنية التحتية الرقمية، هيمنة المحتوى المثير في خوارزميات المنصات، والتهديدات الأمنية التي تستهدف الناشطين.

 

 التداعيات السياسية والاجتماعية لخطاب الكراهية

 

تحوّل خطاب الكراهية في السودان، منذ اندلاع الحرب، من كونه مجرد ظاهرة لغوية تحريضية إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية على نحو عميق، فقد أنتجت موجات التحريض الممنهج حالة من تآكل الثقة المجتمعية، إذ أصبح الانتماء القبلي أو الجهوي معيارًا لتحديد الولاء أو العداء، مما أدى إلى انهيار شبكات التكافل المحلي وروابط الجوار التقليدية التي كانت تمثل ركيزة التماسك الاجتماعي، هذا الانهيار جعل المجتمعات أكثر هشاشة أمام التوظيف السياسي، وأضعف قدرة المبادرات المدنية على بناء السلام أو الوساطة بين الأطراف المتنازعة. وذلك وفقًا لتقرير Conflict Sensitivity Facility حول خطاب الكراهية في السودان، الذي أشار إلى أن الخطاب العدائي أصبح محركًا أساسيًا لاستمرار الصراع والنزوح القسري.


انقسام النسيج الاجتماعي وفقدان الثقة المتبادلة

خطاب الكراهية خلق حالة من الارتياب الدائم بين المجموعات العرقية والجهوية، حيث لم يعد الآخر يُرى كشريك في الوطن، بل كخصم وجودي، هذا التحول ضرب القاعدة الأهم للتعايش: الثقة. النتيجة أن العلاقات بين الأفراد والجماعات صارت محكومة بالخوف والشك، وهو ما يُهدد إمكانيات إعادة اللحمة الاجتماعية بعد الحرب. و خطورة هذا الانقسام أكبر على الأجيال الشابة، فقد تآكلت جسور الثقة بين المجموعات الشابة نفسها. تحوّل الفضاء الرقمي، الذي كان يُفترض أن يكون مساحة للتواصل والإبداع، إلى ساحة للإتهام وتتراجع الحسّ الجماعي لصالح الانتماءات الضيقة، فتضعف روح المبادرة، وتتقلّص مساحة الأمل في التعايش

كما أسهم الخطاب التحريضي في تفكك رأس المال المدني والسياسي، حيث فقدت المؤسسات المحلية والمنظمات الوسيطة مصداقيتها بسبب اتهامها بالتحيز أو العمالة، فانسحب عنها الدعم الشعبي. وأفسح المجال أمام المليشيات والفاعلين المسلحين لملء الفراغ، ومع ضعف الدولة المركزية. أصبحت هذه القوى غير الرسمية تفرض أنماطًا بديلة من الإدارة والعدالة، قائمة على الولاء القبلي أو الجهوي بدلًا عن مبدأ المواطنة، بحسب تحليل هيومن رايتس ووتش حول العنف الإثني في دارفور، الذي وضح  أن حملات الاستهداف العرقي صاحبتها عمليات تهجير جماعي ممنهجة.

 

من ناحية أخرى، أدّى خطاب الكراهية إلى هندسة ديموغرافية قسرية نتيجة التهجير والنزوح الجماعي، حيث غُيّرت البنية السكانية في مناطق كاملة على أسس عرقية أو جهوية، هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل جرى تغليفه بخطابات تعبئة تعبّر عن “تطهير اجتماعي” أو “استعادة الأرض”، وهو ما وثّقته منظمة العفو الدولية في تقريرها  مشيرةً إلى أن العنف القائم على النوع والهوية أصبح أداة لإعادة رسم الخرائط الاجتماعية.

 

الأثر النفسي والاجتماعي لخطاب الكراهية

 

نفسيًا، يُنتج هذا الخطاب شعورًا دائمًا بالخوف وانعدام الأمان كثير من الشباب أصبحوا يعيشون في توترٍ مستمر، يخشون التعبير عن آرائهم أو حتى لهجاتهم بعضهم ينعزل عن المجال العام تمامًا، بينما يتبنّى آخرون خطابًا عدائيًا مضادًا كوسيلة للدفاع عن الذات هذه الدورة من الخوف وردّ الفعل تصنع جيلًا منهكًا نفسيًا، متحفزًا، ومفتقدًا للثقة في المستقبل. فقد خلّف خطاب الكراهية إرثًا من العار والوصم الاجتماعي، خاصة لدى  االنساء والضحايا المباشرين للعنف الجنسي أو الإهانة الرمزية. هذا الوصم يؤدي إلى العزلة الاجتماعية ويمنع الضحايا من طلب العدالة أو العلاج، ما يكرّس دائرة الصمت والإفلات من العقاب، وهو ما أكده تقرير العفو الدولية عن العنف الجنسي في السودان، الذي وثّق امتناع مئات النساء عن التبليغ خوفًا من الانتقام الاجتماعي.

 

سياسياً، أصبح خطاب الكراهية أداة لتبرير العنف والانتقام داخل الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، حيث تُقدَّم الممارسات العقابية الجماعية على أنها “دفاع مشروع” أو “تطهير من العملاء ”هذا التوظيف السياسي يقوّض أي مسار للانتقال الديمقراطي أو المصالحة الوطنية. وذلك بحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي حذّرت من تنامي الخطاب الانتقامي وتأثيره في تعطيل جهود الوساطة الدولية.

 

ويكرّس هذا الواقع ثقافة الإفلات من العقاب، إذ يُمنح الفاعلون غير الرسميين غطاءً اجتماعيًا وسياسيًا لممارسة العنف دون محاسبة، بحجة الدفاع عن الجماعة أو “الكرامة القبلية”. ومع انهيار المؤسسات القضائية، تتعمق قناعة المجتمع بأن العدالة لن تتحقق، مما يدفع بعض المجموعات إلى الانتقام الذاتي. وهو ما يضاعف دوامة العنف. وقد رصد المركز الأفريقي للعدالة ودراسات السلام هذه الممارسات في تقاريره،  مؤكدًا أن الإفلات من العقاب أصبح سمة ممنهجة في مناطق النزاع.


وفي الشتات السوداني، تمدّد خطاب الكراهية إلى المنصات الرقمية، حيث أصبحت السخرية واللغة الساخرة أدوات لإعادة إنتاج الانقسام، واستدامة الاستقطاب بين المهاجرين والنازحين، وهو ما يؤثر حتى على حملات الدعم الإنساني والسياسي. فالتناحر اللفظي في الخارج يعيد تغذية جبهات الكراهية في الداخل ويعقّد جهود المصالحة. يمكن القول إن خطاب الكراهية في السودان تجاوز مرحلة التعبير اللفظي إلى كونه منظومة تؤسس للعنف وتعيد إنتاجه، فقد أظهرت دراسة صادرة عام 2025 عن المركز النرويجي للسلام أن منصات التواصل الاجتماعي عملت كساحة حرب موازية بعد اندلاع النزاع في أبريل 2023، حيث تعززالخوارزميات نشر الرسائل التحريضية الصور الفيديوهات، والشائعات التي تؤجج الانقسامات العرقية والاجتماعية. حيث  أوضحت  تحليلات إعلامية إلى أن بعض الأوساط في الشتات استغلت الانتماءات العرقية لتأجيج النزاع، ما يضاعف الشعور بالعداء ويعيد إنتاج الانقسام داخل السودان.

 

وبذلك، لم يعد الخطاب مجرد كلام ساخر أو نقد لاذع، بل تحول إلى منظومة رقمية تغذي النزاع وتشرعن التمييز العرقي والإثني، وتحول التناحر اللفظي في الخارج إلى محفّزات مباشرة للعنف في الداخل، مما يعقّد جهود السلام والمصالحة ويضعف استجابة المجتمع الدولي للتداعيات َالإنسانية والسياسية في السودان. ولذا فإن معالجته لا يمكن أن تقتصر على الرقابة الإعلامية أو حملات التوعية، بل تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا متكاملاً يشمل القضاء والإعلام والتعليم والمناهج، مع إدماج مكافحة الكراهية كعنصر أساسي في أي اتفاق سلام أو عملية انتقال سياسي. كما شددت الأمم المتحدة في دعواتها على ضرورة دمج مكافحة خطاب الكراهية ضمن عمليات بناء السلام وحماية المدنيين.

 

تآكل شرعية الدولة وتفكك مؤسساتها

 

خطاب الكراهية لم يقتصر تأثيره على الجوانب النفسية والمعنوية، بل امتد ليؤثر بشكل مباشر في النسيج الاجتماعي ووحدة الدولة، إذ ساعد على تكريس الانقسامات الجهوية والعرقية، وتعميق عدم الثقة بين المكونات الاجتماعية، مما أضعف فرص الحوار والمصالحة،  الأمر الذي جعل الوصول إلى حلول سلمية أكثر صعوبة بهذا الشكل، تحولت الكلمة من أداة للتعبير إلى أداة لتفكيك المجتمع وإطالة أمد الحرب.


حين تتورط أطراف سياسية أو عسكرية في إنتاج خطاب الكراهية، يفقد الناس ثقتهم في حياد الدولة ومؤسساتها، هذا يُفضي إلى بروز ولاءات بديلة: جهوية، قبلية، أو ميليشياوية، تصبح هي المرجعية الواقعية للمواطن. تفكك الشرعية بهذا الشكل لا يفتح الباب فقط أمام الفوضى، بل يعقّد أيضًا أي مشروع لإعادة بناء الدول. التداعيات الاجتماعية والسياسية لخطاب الكراهية في السودان تتجسد في: تفكك النسيج الاجتماعي، انهيار الثقة في الدولة، وإعادة إنتاج العنف كدوامة مستمرة، هذه ليست مجرد نتائج آنية، بل آثار ممتدة ستُعيق أي مشروع سلام ما لم تتم معالجتها بعمق عبر سياسات شاملة تعيد الثقة وتستعيد الشرعية وتكسر دائرة الانتقام.


حالات موثقة كيف أصبحت الكلمة سلاحاً


النُقطة المركزية التي تكرّرها الأدلة الميدانية هي أن خطاب الكراهية في السودان لم يَبقَ مجرد كلام، في حالات عدة صار عنصرًا منطقياً في سِلَّة الإجراءات التي أدّت إلى قتلٍ جماعي، تهجير منظّم، وحجبٍ متعمّد للمساعدات الإنسانية، فيما يلي عرض مركّز لحالات بارزة، كل حالة مصحوبة بما تكشفه عن آليات الانتقال من خطاب إلى فعل.


هجمات على مخيمات و مواقع إيواء

 

وثائق وتقارير لاحقة سجّلت هجمات على مراكز إيواء ومخيمات نزوح، من ضمنها عمليات دامية في مخيّمات بدارفور حيث قتل عمال إغاثة ومدنيون، وقطع خطوط الخدمات. هجوم مخيم زمزم في شمال دارفور (أبريل 2025) هو مثال حديث على كيف تُستخدم روايات وصورية مشوّهة لتبرير اقتحام مواقع تحمي مدنيين، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى وإعاقة وصول المساعدات. هذا النوع من العمليات يبيّن أن الخطاب يهدف عملياً إلى نزع صفة "المدني المحمي" عن مجموعات معيّنة، وبالتالي تعطيل استجابة الإغاثة. استهداف مواقع الحماية يؤدّي إلى تضخيم معاناة المدنيين ويحوّل مناطق الإيواء من ملاذ إلى هدف؛ وهو أثر مباشر يجعل خطاب الكراهية أداة لتعطيل الحماية الإنسانية.


لمزيد من التوثيق، يمكن الاطلاع على تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتاريخ 5 سبتمبر 2025، الذي يوثق الاعتقالات التعسفية، الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاحتجاز غير القانوني في الخرطوم، مع الإشارة إلى أن هذه الانتهاكات ارتبطت بحملة مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي لتوفير غطاء للجرائم.


في البيئات الحضرية، الشائعة الرقمية تُستغل لتقصير آليات العدالة؛ فالهجمة على فرد أو مجموعة قد تبدأ بمنشور وتحسم فورًا بقرار قتلي محلي، ما يعكس قدرة الخطاب على إغلاق مساحات القانون. حيث استخدم بعض الإعلاميين المحليين صياغات تبرّر العنف ضد مجموعات سياسية وقبلية محددة، هذا التحريض أدى إلى عزل اجتماعي واسع، تعزيز ثقافة الانتقام، وتحفيز الاعتداءات الجسدية على المواطنين ووفقا لتقرير هومنتس رايس ووتش عام 2025 تم رصد أكثر من 120 حالة تحريض مباشر في الإعلام المحلي.


ومن الأمثلة الواضحة على تداخل الخطاب والعنف ما حدث خلال العمليات العسكرية في مدينة الفاشر، حيث رافقت الاشتباكات موجة كبيرة من الرسائل الصوتية والفيديوهات التحريضية التي استهدفت جماعات بعينها بوصفها حاضنة للخصم وقد أثّر هذا الخطاب في رفع مستوى العدوانية لدى بعض المقاتلين، وأدى إلى توسع دائرة الانتهاكات ضد المدنيين وتبرز هذه الحالة كيف يمكن للكلمة أن تعمل كوقود مباشر للعنف الميداني.


صورة مولّدة باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر منصة Bing Image Creator، توضح تأثير الكلمة وخطاب العنف في حرب السودان


إن أخطر ما يتركه خطاب الكراهية على هذا الجيل ليس الجرح اللحظي، بل تطبيع العنف في الوعي الجمعي. حين يعتاد الشاب لغة الإقصاء، يفقد تدريجيًا حساسيته تجاه الظلم، ويصبح الصراع جزءًا من الحياة اليومية. لذلك، حماية هذا الجيل تبدأ من استعادة المعنى الإنساني للكلمة، ومنح الشباب أدوات التفكير النقدي والدعم النفسي والفرص التي تفتح لهم نافذة نحو المستقبل بدل الجدران التي تحاصرهم. لكن في ظل  هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك فرص سانحة لإعادة البناء.


كيف نواجه خطاب الكراهية؟

 

رغم خطورة خطاب الكراهية، فإن مواجهته ما تزال ممكنة إذا ما توفرت إرادة سياسية واجتماعية، التحديات تتمثل في ضعف التشريعات، غياب آليات الرقابة الفاعلة، واستغلال بعض النخب السياسية للخطاب التحريضي كوسيلة للبقاء في السلطة، أما الفرص فتتمثل في دور منظمات المجتمع المدني، والإعلام المهني، والمبادرات الشبابية في نشر ثقافة السلام والتسامح. هذه الجهود تحتاج إلى إطار مؤسسي قوي، وسياسات إعلامية واضحة، لضمان تحويل الكلمة من أداة هدم إلى أداة لبناء مستقبل مشترك.

 

 مبادرات لمواجهة خطاب الكراهية


في ظل الأزمة السودانية المستمرة، ظهرت عدة مبادرات محلية تهدف إلى مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوداني. من بين هذه المبادرات:

قدّمت إحدى المبادرات الشبابية المنخرطة في التدريب وبناء القدرات نموذجًا ملهمًا لمواجهة خطاب الكراهية، عبر ورش عُقدت في القاهرة خلال أكتوبر الماضي. جمعت المبادرة شبابًا من خلفيات فكرية وثقافية متباينة، واستطاعت خلال يومين تحويل هذا التنوع إلى قوة مشتركة تحمل رؤية واضحة: تعزيز ثقافة السلام وإطلاق مبادرات محلية تعيد الثقة للمجتمع السوداني في لحظة حرجة من تاريخه. اعتمدت الورش أساليب تدريب تفاعلية ونقاشات مباشرة حول جذور العنف اللفظي وخطاب الكراهية في الفضاء العام، مما أسفر عن تكوين شبكة شبابية رمزية باسم "نبض السلام" تعكس التواصل المستمر والاستعداد للعمل المشترك. تُظهر التجربة أن مواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على إدانته فقط، بل تتطلب خلق مساحات حقيقية للحوار تمنح الشباب القدرة على صياغة خطاب بديل يقوم على التفاهم والتعايش وبناء مستقبل خالٍ من الانقسام.


في سبتمبر 2025، نفذ مكتب اليونسكو في السودان ورشة تدريبية بمدينة بورتسودان بعنوان "الصحافة الأخلاقية في أوقات الأزمات: أدوات لمكافحة خطاب الكراهية"  شارك في الورشة عدد من الإعلاميين السودانيين العاملين في مختلف المؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وركز البرنامج على تزويدهم بمهارات عملية واستراتيجيات فعّالة للحد من خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، خاصة في ظل ظروف الحرب وتعقيدات المشهد الإعلامي الراهن. اعتمدت الورشة على تدريبات تطبيقية ونقاشات مفتوحة حول التغطية المسؤولة خلال النزاعات، وأسهمت في ترسيخ فهم أعمق للدور الأخلاقي للإعلام في حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز خطاب يرفض التحريض والعنف اللفظي. تُعد مثل هذه الورشة خطوة مهمة في ترسيخ المهنية داخل الإعلام السوداني، إذ توازن بين نقل الحقيقة ومسؤولية تجنب التحريض، فالإعلام قادر على بناء السلام بقدر ما يمكن أن يُعمّق الانقسام إذا غابت أخلاقيات العمل الصحفي، ومن خلال تدريب الصحفيين على التحقق والسرد المسؤول، يمكن أن تسهم مثل هذه المبادرات  في التأثير على مهنية وجودة المحتوى الصحفي كأداة وعيٍ وسلامٍ.


كما نظّمت إحدى المنظمات المحلية العاملة في تطوير المجتمع سلسلة جلسات توعوية في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، استهدفت الشباب والنساء ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز قدرتهم على المساهمة في بناء السلام. ركزت المبادرة على رفع الوعي بخطورة خطاب الكراهية وأثره في تأجيج النزاعات المحلية، وشجعت المشاركين على تبني لغة التسامح والتعايش داخل مجتمعاتهم.


تعكس هذه الجهود أهمية نقل مبادرات مواجهة خطاب الكراهية من المراكز الحضرية إلى المناطق الأكثر هشاشة، حيث يتقاطع العنف اللفظي مع الانقسام الاجتماعي والنزوح. كما تبرز دور الشباب والنساء كفاعلين رئيسيين في تعزيز السلم الأهلي، إذ تمنحهم مثل هذه المبادرات أدوات فكرية ومجتمعية لتحويل الحوار من مساحة للتوتر إلى منصة للتفاهم، إنها تجربة تؤكد أن مواجهة الكراهية تبدأ من القاعدة، من داخل الأحياء التي تحاول شق طريقها نحو السلام رغم آثار الحرب.


تُظهر هذه المبادرات أن المجتمع السوداني، رغم الحرب المستمرة والتحديات الكبيرة، يسعى لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش السلمي. في دارفور، على سبيل المثال، أطلقت بعض المبادرات المجتمعية برامج تجمع بين شباب ونساء من مجموعات متنازعة لتبادل الحوار والتفاهم، ما ساهم في تخفيف التوترات المحلية وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات. كما أظهرت تجارب في دول مثل جنوب السودان وإثيوبيا أن مبادرات مشابهة تعزز قدرة المجتمعات المتضررة من النزاعات على التحول من الانقسام إلى التعاون المدني، ما يؤكد أن الدعم المحلي والدولي يمكن أن يسهم في تحقيق تقدم ملموس نحو مجتمع سوداني أكثر وحدة وتماسكًا رغم آثار الحرب.


التحديات الراهنة


● ضعف القوانين والآليات المؤسسية لمراقبة الخطاب الإعلامي الرقمي.

● غياب التربية الإعلامية في المدارس والجامعات.

● تسييس المنابر الإعلامية وانعدام المعايير المهنية.

● ضعف الوعي النفسي والاجتماعي بخطورة الكلمة كعامل صراع.

 

 الفرص والتوصيات

 

رغم قسوة الواقع، هناك فرص حقيقية لإعادة توجيه الخطاب العام نحو التعافي:


● وضع استراتيجية شاملة في التعليم والإعلام والسياسة والمجتمع المدني.

● تفعيل التربية الإعلامية الرقمية في التعليم وبرامج الشباب.

● إطلاق حملات إجتماعية مضادة للكراهية.

● سن قوانين واضحة تُجرّم التحريض على العنف وخطاب الكراهية.

● إنشاء مفوضية مستقلة لمراقبة المحتوى لحماية المجتمع من التضليل والتحريض الممنهج.

● دعم المبادرات التي تطرح خطابًا بديلاً يعزز التعايش والاحترام المتبادل.

● إعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة خاصة المتأثرة بالنزاع.


الحرب السودانية الأخيرة أثبتت أن الكلمة قد تكون أشد فتكًا من السلاح، فبينما تقتل الرصاصة جسدًا واحدًا، يقتل خطاب الكراهية روح مجتمع كامل، مواجهة هذه الظاهرة ليست مهمة المؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد في لغته اليومية، وتمتد إلى الإعلام والسياسة والثقافة. إن بناء سودان جديد  على قيم السلام والحرية والعدالة، يتطلب تفكيك البنية اللغوية والثقافية التي غذّت الكراهية لعقود، واستبدالها بخطاب إنساني جامع يضع المواطنة والكرامة والعدالة في في موضعهما الطبيعي.


البشير دهب

البشير دهب، صحفي استقصائي مهتم بقضايا الهجرة وقائد شبابي سوداني، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة النيلين. صاحب فكرة برنامج "حصاد غربة" (قيد التنفيذ) لتوثيق تجارب السودانيين في المهجر. شارك في مؤتمرات وبرامج دولية، آخرها منحة ناصر للقيادة الدولية  – النسخة الخامسة 2025. قاد مبادرات محلية لتمكين الشباب ومناصرة قضايا السلام وحقوق الإنسان.