يُعد سرطان الثدي الآن أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء في جميع أنحاء العالم، ويتزايد انتشاره بسرعة في شرق أفريقيا. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لبحوث السرطان، تُشخَّص سنوياً آلاف الإصابات الجديدة بسرطان الثدي في دول مثل كينيا، وأوغندا، وتنزانيا، وإثيوبيا، ورواندا، حيث تصل العديد من النساء إلى المرافق الصحية في مراحل متقدمة من المرض، عندما تكون فرص نجاح العلاج أقل.
وفي العديد من دول شرق أفريقيا، يُشخَّص أكثر من نصف حالات سرطان الثدي في المرحلتين الثالثة والرابعة، ما يُسهم في ارتفاع معدلات الوفيات بشكل ملحوظ مقارنةً بالدول ذات الدخل المرتفع.

معدلات الإصابة والوفيات التقديرية بسرطان الثدي في عدد من دول شرق إفريقيا (المصدر: (IARC GLOBOCAN 2022)
أصبح سرطان الثدي تحدياً متزايد الأهمية للصحة العامة في منطقة شرق أفريقيا. إذ تُشخَّص غالبية حالات سرطان الثدي في المنطقة في مراحل متقدمة، ما يسهم في ضعف النتائج الصحية، في حين يمكن أن يؤدي محدودية خدمات الفحص، وانخفاض الوعي، والتكاليف، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، والحواجز الاجتماعية والثقافية إلى تأخير الكشف المبكر. ومع ذلك، تعمل مجموعة متنامية من المبادرات الرقمية والمبادرات المدعومة بالتكنولوجيا على جعل المعلومات المتعلقة بصحة الثدي أكثر سهولة في الوصول إليها، ومساعدة النساء على التعرّف إلى الأعراض والتنقل في مسارات الرعاية الصحية.
في رواندا، يقدّم المساعد المدعوم بالذكاء الاصطناعي IROZA معلومات ودعماً حول سرطان الثدي عبر تطبيق واتساب، بما في ذلك إرشادات بشأن كتل الثدي والألم، ومتى وأين ينبغي طلب الفحص، والتذكيرات، ومصادر الرعاية الصحية المحلية. كما تتبنى منصة Check Me، التي طُوّرت في رواندا، نهجاً أوسع يجمع بين إرشادات الفحص الذاتي للثدي، وتتبع الدورة الشهرية، والمحتوى التثقيفي، ومساعد صحي يعمل بالذكاء الاصطناعي، وإمكانية الوصول إلى المتخصصين في الرعاية الصحية، ومنصة لتحليل صور الموجات فوق الصوتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومصممة لدعم اتخاذ القرارات السريرية.
وتقدم كينيا نموذجاً آخر من خلال الشبكة الكينية لسرطان الثدي النقيلي، التي طورت منتدى إلكترونياً وتطبيقاً للهواتف المحمولة يقدمان للنساء الدعم النفسي والاجتماعي، والمعلومات السريرية، وروابط إلى مرافق الرعاية الصحية، ومصادر محلية ذات صلة، وفرصاً للمشاركة في مجموعات الدعم. وفي عام 2026، أطلقت كينيا أيضاً برنامج IMARA–BC، وهو برنامج وطني مدته ثلاث سنوات يهدف إلى توسيع نطاق الوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب، فضلاً عن خدمات دعم الناجيات والمتعايشات مع المرض.
وفي إثيوبيا، جمعت مبادرة مجتمعية للتوعية بسرطان الثدي بين التثقيف الصحي والوسائل الرقمية والإعلامية، بما في ذلك تطبيق للهواتف المحمولة تُرجم إلى الأمهرية والأفان أورومو. كما تضمنت المبادرة قصصاً للناجيات وأنشطة للفحص المجتمعي، ما يوضح كيف يمكن دمج الأدوات الرقمية ضمن جهود أوسع للتوعية والكشف المبكر، بدلاً من استخدامها بمعزل عن غيرها.
وتقدم أوغندا مثالاً مكملاً على نهج مجتمعي يعتمد على دعم المرضى وتوجيههم. فقد درّبت منظمة دعم سرطان المرأة الأوغندية فرق الصحة القروية والعاملين الصحيين ومرشدي المرضى على تحديد النساء اللواتي تظهر لديهن أعراض مقلقة في الثدي وربطهن بالفحص السريري والتصوير والخزعة. وفي تنزانيا، أظهرت الدراسات وجود فجوة كبيرة بين الوعي بسرطان الثدي والإقبال الفعلي على الفحص؛ فقد أظهرت إحدى الدراسات أن 67.5% من النساء كنّ على دراية بفحوص سرطان الثدي، لكن 35.3% فقط سبق لهن إجراء أحد هذه الفحوص، في حين كان نقص المعرفة هو العائق الأكثر شيوعاً الذي أبلغت عنه المشاركات. كما استخدمت تنزانيا خدمات الفحص المتنقلة ووسائل الإعلام للتوعية الصحية للوصول إلى المجتمعات التي تعاني من محدودية الخدمات.
في جنوب السودان، ووفقاً لتقديرات GLOBOCAN لعام 2022، تسبب سرطان الثدي في وفاة ما يُقدّر بـ657 امرأة في عام 2022، أي ما يمثل 12.9% من جميع الوفيات الناجمة عن السرطان في البلاد. ومع تشخيص معظم حالات السرطان في مراحل متقدمة، تكتسب الحلول الرقمية منخفضة التكلفة والمقاربات المجتمعية أهمية خاصة.
ومن الأمثلة الناشئة على كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة الحواجز الاجتماعية والنوع الاجتماعي المرتبطة بفحص سرطان الثدي مشروع Life-Link، الذي طورته أغوت ألير غارانغ، وناديينغ كواني وار، وكاجوغو نانسي ووسوك. وهو مفهوم للفحص والإحالة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، صُمم لتمكين النساء من تقييم احتمالية وجود عوامل خطر مرتبطة بسرطان الثدي بصورة خاصة قبل طلب التأكيد السريري. ولا يستجيب المشروع لمحدودية البنية التحتية الصحية وتأخر التشخيص فحسب، بل يتعامل أيضاً مع الحرج الثقافي المرتبط بالفحوصات الجسدية ونقص الطبيبات. وبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الأطباء والمتخصصين، يضع Life-Link التكنولوجيا في موقع أداة أولية للفحص، يمكن أن تساعد النساء على الوصول إلى المرافق الصحية وهن أكثر معرفة واستعداداً لطلب التقييم الطبي المتخصص.
توضح هذه الأمثلة أن الابتكار الرقمي في رعاية سرطان الثدي يمكن أن تكمل أنظمة الرعاية الصحية القائمة من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومات، ومساعدة النساء على التعرّف إلى التغيرات التي تستدعي الانتباه، والحد من الوصمة وحالة عدم اليقين، وتعزيز الوعي بصحة الثدي، وربط المريضات بالمتخصصين في الرعاية الصحية، ومساعدتهن على التنقل في المسار الذي يبدأ من ملاحظة تغير أو عرض محتمل وصولاً إلى التشخيص والعلاج. كما تشير أقوى هذه التجارب إلى أن الأدوات الرقمية تكون أكثر فاعلية عندما تُدمج مع العاملين الصحيين المجتمعيين، واللغات المحلية، وخدمات الفحص، والدعم البشري.

يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إحداث تحول جذري في الوصول إلى الرعاية الصحية وتحسين خدمات الرعاية المقدمة لمريضات سرطان الثدي.
المصدر: مبادرة سرطان الثدي في شرق أفريقيا
الرحلة الصعبة للوصول إلى الرعاية الصحية
بالنسبة للعديد من النساء، تبدأ رحلة الحصول على رعاية مرضى السرطان برحلة شاقة. فغالباً ما تتركز خدمات الفحص في المدن الكبرى، مما يجعل النساء في المناطق الريفية والنائية يعتمدن على السفر لمسافات طويلة، وتكاليف النقل، والوقت الذي يقضينه بعيداً عن العمل والمسؤوليات العائلية. وحتى عندما تسعى النساء للحصول على الرعاية الطبية، قد يحدث تأخير في التشخيص بسبب نقص الأخصائيين المدربين، ومحدودية أجهزة التشخيص، واكتظاظ مرافق الرعاية الصحية.
تُبرز هذه التحديات فجوةً حرجةً بين الحاجة المتزايدة لرعاية مرضى السرطان وقدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة. ومع ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدي في جميع أنحاء شرق أفريقيا، فإن تحسين النتائج يتطلب ليس فقط توسيع البنية التحتية للعلاج، بل أيضاً تعزيز الوعي، والكشف المبكر، والتثقيف الصحي، وأنظمة الدعم المجتمعية التي يمكن أن تساعد النساء على التعرف على الأعراض وطلب الرعاية في وقت مبكر.
كما دفع العبء المتزايد لسرطان الثدي إلى استجابات سياسية في جميع أنحاء المنطقة. فقد عززت دولٌ مثل كينيا وأوغندا ورواندا وإثيوبيا وتنزانيا استراتيجياتها الوطنية لمكافحة السرطان، ووسعت مبادرات الكشف المبكر، ووسعت خدمات السرطان في مراكز السرطان وبرامج التوعية المجتمعية. عزز التعاون الإقليمي من خلال مجموعة شرق أفريقيا (EAC) من جهود تحسين الوقاية من السرطان وتشخيصه وأنظمة الإحالة، بالإضافة إلى تسهيل الوصول إلى العلاج، على الرغم من أن تطبيق هذه الجهود لا يزال متفاوتاً بين الدول.
أمثلة عالمية على الابتكار الرقمي في رعاية سرطان الثدي
طوّرت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) أطلساً رقمياً للكشف المبكر عن سرطان الثدي، يضم ما يقارب 1,000 صورة ومقطع فيديو مشروحاً تغطي الفحص السريري، والتصوير الشعاعي للثدي، والموجات فوق الصوتية، والخزعة، بهدف دعم العاملين الصحيين، لا سيما في البيئات التي تعاني من محدودية التدريب المتخصص. كما يجري اختبار الذكاء الاصطناعي في تصوير الثدي الشعاعي؛ إذ أظهرت تجربة سويدية واسعة شملت أكثر من 100 ألف امرأة أن الفحص المدعوم بالذكاء الاصطناعي اكتشف عدداً أكبر من حالات سرطان الثدي وقلّل من تشخيص الحالات في مراحل متأخرة مقارنة بالفحص التقليدي، مع احتفاظ أطباء الأشعة بالمسؤولية السريرية. وتبرز هذه النتائج إمكانات الذكاء الاصطناعي في دعم الكشف المبكر، مع بقاء الإشراف البشري أمراً ضرورياً.
ويُعد تطبيق DearYou للهواتف المحمولة مثالاً آخر على كيفية توظيف أدوات الصحة الرقمية لدعم التوعية بسرطان الثدي ضمن نهج أوسع لصحة المرأة. ويجمع التطبيق بين إرشادات الفحص الذاتي للثدي، وتذكيرات بإجراء الفحص، وتتبع الدورة الشهرية، ومتابعة الرفاه النفسي، والمحتوى التثقيفي، والدعم متعدد اللغات، بما في ذلك الإنجليزية والعربية والأمهرية والأفان أورومو، إلى جانب إمكانية الوصول لخدمات صحية في بلدان أفريقية مثل إثيوبيا وليبيريا وبوركينا فاسو، وميزات صوتية للنساء ذوات مستويات القراءة والكتابة المحدودة. ومن خلال دمج هذه الميزات في منصة واحدة، يساهم التطبيق في جعل المعلومات الصحية أكثر سهولة في الوصول إليها، وتشجيع النساء على الانخراط بصورة أكبر في الممارسات الوقائية المتعلقة بصحتهن.

يمكن للأدوات الرقمية أن تسهم في رفع مستوى الوعي، وتعزيز الثقافة الصحية للنساء. المصدر: مجموعة بنك التنمية الأفريقي
الخلاصة
على الرغم من أن الأدوات الرقمية التي يجري تجريبها في شرق أفريقيا يمكن أن تسهم في زيادة الوعي، وتعزيز الثقافة الصحية، ومساعدة النساء على التعرّف إلى الأعراض المحتملة في وقت مبكر، لا سيما في المجتمعات التي تعاني من محدودية الوصول إلى المعلومات الصحية، فإن التطبيقات الرقمية لا يمكن أن تحل محل الفحص الطبي المتخصص أو التشخيص أو العلاج. كما تعتمد فعالية هذه الأدوات على توفر الهواتف الذكية، والمهارات الرقمية، ووجود أنظمة رعاية صحية فاعلة قادرة على توفير المتابعة الطبية اللازمة عند الحاجة.
يُبرز ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدي في شرق أفريقيا الحاجة إلى أنظمة صحية أقوى، وتوعية أكبر، وتحسين فرص الحصول على الكشف المبكر والعلاج. وإلى جانب الجهود الإقليمية المبذولة مؤخرًا لتعزيز سياسات مكافحة السرطان وتوسيع برامج الكشف المبكر، يمكن للابتكارات الرقمية أن تُكمّل خدمات الرعاية الصحية القائمة من خلال تحسين الوعي الصحي، وتشجيع طلب المساعدة في الوقت المناسب، وربط النساء بمسارات الإحالة المناسبة. ورغم أن الأدوات الرقمية لا تُغني عن الرعاية الطبية، إلا أنها تُسهم في توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات الصحية، وتعزيز الممارسات الوقائية، ودعم الوعي الصحي لدى النساء. ويُتيح الجمع بين الاستثمار في الرعاية الصحية والابتكار الرقمي المُتاح فرصةً هامةً لتحسين نتائج صحة المرأة في جميع أنحاء المنطقة.