هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

في عام 1936، شهدت مقديشو ولادة «سينما بنادير»، الدار التاريخية التي احتضنت العصر الذهبي للفن السابع في الصومال لعقود، قبل أن تطالها يد الدمار. اليوم، وبعد تسعين عاماً من ذلك التاريخ، يعود هذا الاسم ليتردد في الفضاء الرقمي، ليس كدار عرض من حجر، بل كمنصة فكرية تقود ثورة نقدية جديدة؛ حيث أسّس مجموعة من الشباب مجلة «شينيمو بنادير»، بوصفها أول منصة صومالية متخصصة في نقد الأفلام العالمية والمحلية ومراجعتها.


غير أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في الاسم العريق وحده، بل في السؤال الأعمق الذي تطرحه: لماذا تحتاج الصومال إلى منصة نقدية سينمائية متخصصة؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه مجلة سينمائية في بناء ثقافة بصرية حقيقية، وأرشفة الذاكرة الجماعية، ودعم صناعة محلية ناشئة؟




شعار المجلة. المصدر: صفحتهم على الفيسبوك


لماذا يهم النقد السينمائي؟


يجمع المنظّرون الثقافيون على أن النقد السينمائي ليس رفاهية أكاديمية، بل هو ركيزة من ركائز نضج أي صناعة سينمائية. فحين يُقرأ الفيلم ويُحلَّل ويُناقَش، تتشكّل لغة مشتركة بين الصنّاع والجمهور، وتُبنى معايير جمالية وأخلاقية تُمكّن المشاهد من التمييز والاختيار. علاوة على ذلك، تُسهم المجلات والمنصات النقدية في أرشفة الأعمال وتوثيقها، مما يُحوّلها من حدث عابر إلى ذاكرة ثقافية متراكمة.


يقول محمد داود عيسى، أحد مؤسسي المجلة: «هدفنا الأساسي هو أن يتم رؤية الأفلام بمنظور أعمق وأبعد من التسلية فقط. نريد أن يُنظر إلى الأفلام على أنها قادرة على تغيير فلسفة المجتمع للأفضل، وأن بمقدورها رفع الوعي ونشر المعرفة، وأن تكون انعكاساً لمشاكل المجتمع، وربما إيجاد حلول لها أيضاً».


هذه الرؤية لا تنفصل عن واقع مجتمعي يعيش في مرحلة انتقالية؛ فالصومال التي عرفت حركة سينمائية نشطة قبل الحرب الأهلية باتت تُعيد تأسيس علاقتها مع الفن البصري من الصفر تقريباً. وهنا تبرز الحاجة إلى مؤسسات وسيطة كالمجلات النقدية، تربط الجمهور بالأعمال، وتمنح المبدعين مرآة يرون فيها أثر عملهم.


الاتجاهات العالمية: هل لا تزال المجلات السينمائية ضرورية؟


في سياق يتصاعد فيه الحضور الرقمي وتتراجع أعداد قرّاء الصحافة الورقية، يبدو السؤال مشروعاً: هل ثمة مستقبل فعلي للنقد السينمائي المكتوب؟ الواقع العالمي يُقدّم إجابة مزدوجة: من جهة، أغلقت مجلات كبرى كـ«Sight & Sound» نسختها الورقية أو قلّصتها، ومن جهة أخرى، شهدنا ظهور منصات رقمية متخصصة حقّقت انتشاراً واسعاً، كـ«Letterboxd» التي تجاوزت عشرة ملايين مستخدم، و«RogerEbert.com» التي واصلت مسيرة الناقد الراحل بتأثير بالغ.


الخلاصة التي يجمع عليها المحللون أن «الشكل تغيّر، لكن الحاجة لم تتغيّر». بل يذهب بعضهم إلى أن عصر خوارزميات التوصية وتضخم المحتوى يُعمّق الحاجة إلى صوت نقدي موثوق يُساعد المشاهد على التوجّه. وهو تحديداً ما تحاول «شينيمو بنادير» فعله في سياق صومالي يفتقر أصلاً إلى بنية تحتية نقدية راسخة.


دروس من أفريقيا: مهرجانات ومجلات غيّرت المشهد الثقافي


لفهم مسار «شينيمو بنادير»، يُفيد النظر في تجارب مشابهة على القارة الأفريقية. في نيجيريا، أسهم مهرجان «NollywoodWeek» الذي انطلق من باريس عام 2013 على يد سيرج نوكويه وناديرا شاكر في تحويل السينما النيجيرية من ظاهرة شعبية محلية إلى حضور ثقافي يُحتفى به في عواصم العالم. لم يكن المهرجان عرضاً للأفلام فحسب، بل كان منبراً نقدياً يُعيد تأطير كيف يُرى الفيلم الأفريقي دولياً، ويُواجه بحسب مؤسسيه «التصورات الراسخة التي تختزل الصناعة في إنتاجات منخفضة الميزانية».


في كينيا، أرست مجلة «Kwani» منذ تأسيسها عام 2003 على يد الكاتب الراحل بنيافانغا واينانا نموذجاً مختلفاً؛ فهي مجلة أدبية وثقافية تتناول الأدب والفنون والسينما من منظور أفريقي واضح الهوية، وقد غدت المنصة الأوسع للكتابة الإبداعية على مستوى القارة، مُثبتةً أن المنشور الثقافي المحلي قادر على الوصول إلى جمهور عابر للحدود.


وعلى المستوى القاري، تحتفظ مؤسسة "FESPACO" في بوركينا فاسو أقدم مهرجان سينمائي أفريقي، وهو محاط بمنظومة من الكتابة النقدية والتوثيق التي رافقت نهضة السينما الأفريقية منذ سبعينيات القرن الماضي. ما تكشفه هذه التجارب مجتمعةً أن المنصات الثقافية الأفريقية الناجحة لم تكتفِ بعرض الأعمال، بل اضطلعت بمهمة أرشفة الذاكرة الفنية وصناعة خطاب ثقافي مستقل. وهذا بالضبط ما تطمح إليه «شينيمو بنادير» في سياقها الصومالي.


غلاف العدد الثاني من المجلة. المصدر : صفحة مجلة «شينيمو بنادير» على الفيسبوك


المجلة من الداخل: المحتوى والجمهور والانتشار


تصدر «شينيمو بنادير» رقمياً عبر منصة Issuu، وقد أصدرت حتى الآن أربعة أعداد باللغة الصومالية، وهو خيار له دلالته العميقة في سياق ثقافي يشهد تراجعاً ملحوظاً في الكتابة والنشر بالصومالية. فالمجلة ليست مجرد منبر نقدي، بل هي مشروع لغوي يُقدّم محتوى سينمائياً عالمياً رفيعاً للقارئ الصومالي بلغته الأم، مما يُعزّز هويته ويُرسّخ ارتباطه بتراثه اللغوي.


يتوزع جمهور المجلة بين الداخل الصومالي وجاليات الشتات المنتشرة في أوروبا وأمريكا وكندا وغيرها، يجمعهم قاسم اللغة والانتماء الثقافي. ولعل هذا الجمهور المزدوج هو ما يجعل المجلة جسراً فريداً يربط الصومالي في الداخل بنظيره في المهجر عبر الحديث عن السينما.


أما على صعيد المحتوى، فتنتهج المجلة تنوعاً واعياً في اختيار أفلامها. في عددها الثاني، استكشفت أعمالاً ذات ثقل فكري وجمالي عالمي كـ«Black Girl» (1966) لأوسمان سامبين حجر الأساس في السينما الأفريقية ما بعد الاستعمارية و«Parasite» (2019) للمخرج الكوري بونغ جون هو، و«Rashomon» (1950) لأكيرا كوروساوا، فضلاً عن «Past Lives» (2023). هذا المزيج بين الكلاسيكي والمعاصر وبين السينما الأفريقية والآسيوية والغربية يعكس رؤية نقدية ناضجة تتجاوز المحلية دون أن تفقد بوصلتها الهوياتية.


غير أن نشاط «شينيمو بنادير» لا يقتصر على الصفحة المكتوبة؛ إذ تجاوزت المجلة الفضاء الرقمي إلى الفعل الثقافي الميداني. في الحادي عشر من ديسمبر 2025، نظّمت المجلة نقاشاً مفتوحاً في مركز iRise Hub بمقديشو تحت عنوان «السينما وتشكيل وعي المجتمع»، وقد أدار النقاش الناقدان ويدسان كارشي وعبد الناصر شكري. تناول الحضور أثر الفيلم في الهوية الثقافية واللغوية، والتحولات الاجتماعية التي يُحرّكها الفن البصري في المجتمع الصومالي.


ولافت أن مهرجان «Fankeenna Film Festival» السينمائي الصومالي كان من أبرز المتفاعلين مع إعلان الفعالية، وهو ما يُشير إلى أن «شينيمو بنادير» باتت طرفاً فاعلاً في المنظومة السينمائية الصومالية الناشئة، لا مجرد صوت نقدي على هامشها.


معركة الأرشيف والوصول إلى السينما المحلية


لا تتوقف تحديات المجلة عند حدود الرقابة المجتمعية أو ضعف الإقبال على القراءة، بل تمتد إلى شحّ المعلومات وصعوبة التوثيق. يوضح عيسى: «هناك صعوبات تتعلق بجمع المعلومات فيما يخص الأفلام الصومالية، لأن أغلبها يعرض في المهرجانات السينمائية، مما يجعل وصولنا إلى المعلومة صعباً. كما يصعب أحياناً التواصل مع المخرجين وإجراء مقابلات معهم».


هذه الفجوة التوثيقية ليست خاصة بالصومال وحدها؛ فكثير من سينما القارة الأفريقية تعاني من الغياب عن قواعد البيانات العالمية كـ«IMDb»، وتندثر أفلام كاملة لعدم وجود أرشيف ممنهج. ما يجعل مبادرة «شينيمو بنادير» ذات قيمة مزدوجة: نقدية وتوثيقية في آنٍ معاً.


أحد مؤسسين مجلة شينيمو بنادير محمد عبدالقادر عثمان. المصدر: حسابه الشخصي على  فيسبوك



السيناريو على محك الواقع: تجربة «علاج»


هذا الشغف بالنقد وتحليل الأفلام لا ينفصل عن ممارسة الفن نفسه. المؤسس الشريك عبد القادر محمد عثمان كتب مسلسل «علاج» الذي عُرض مؤخراً، وهو يتناول تدني الوعي بالأمراض النفسية في المجتمع وطريقة التعامل معها كأمراض روحية. يقول عثمان: «عندما كتبت هذا الموضوع وكيفية إيصاله للمجتمع، واجهت عقبات مجتمعية وفكرية لا زلت أواجه بعضها حتى الآن».


تجربة عثمان نموذجٌ على المعادلة الصعبة التي يعيشها المبدع الصومالي الشاب: الرغبة في طرح أسئلة حقيقية مقابل حساسيات مجتمع لم يتعوّد بعد على سينما تناقش قضاياه الداخلية. وهنا تؤدي المجلة النقدية دوراً إضافياً: تهيئة المشاهد وتوسيع أفق قراءته قبل أن تصله الأعمال الجريئة.


من يملك حق رواية الحكاية الصومالية؟


لطالما عانت الشخصية الصومالية في هوليوود والسينما العالمية من التنميط وحصرها في قوالب ضيقة. يعلّق محمد داود عيسى بحسم: «بالطبع، لا يخفى علينا أن تلك الأفلام لا تمثل واقعنا، ولا تعكس ثقافتنا، ولا تستطيع نقل الأدب الصومالي. على العكس، الموجة الجديدة من المخرجين الشباب الصوماليين هم وحدهم من يستطيعون نقل صورتنا على أكمل وجه».


هذا الموقف لا يعني الانغلاق، بل يعني الحق في الرواية الذاتية. وهو نقاش يتردد صداه على مستوى القارة الأفريقية كلها، بعد أن كشفت أفلام كـ«Black Panther» وسجالات التمثيل في هوليوود أن ثمة جمهوراً واسعاً يبحث عن صورته الحقيقية لا صورته المُتخيَّلة من الخارج. الصومال جزء من هذا النقاش العالمي، و«شينيمو بنادير» منبرٌ من منابره.


أحد مؤسسين مجلة شينيمو بنادير محمد داؤود عيسى. المصدر: صفحة المجلة على فيسبوك


ما بعد الحبر: صناعة الأفلام وتأسيس الإرث


طموح «شينيمو بنادير» لا يقف عند حدود المقالات الرقمية. يختتم عيسى حواره: «لدينا العديد من الخطط المستقبلية لأننا لا نريد أن نحتكر المجلة لنا فقط، بل نريد ترك إرث. ومن ضمن خططنا، بعيداً عن الكتابة، أن نعمل على إنتاج أفلام قصيرة، أو ننتج أفلاماً بالتعاون مع المخرجين الشباب، وإنشاء جوائز لدعم الجيل الجديد وخلق مساحات تجمعهم».


هذا التحوّل من المجلة إلى المؤسسة السينمائية الفاعلة هو المسار الذي سلكته تجارب ناجحة كثيرة؛ فـ«Cahiers du Cinéma» الفرنسية خرج من رحمها مخرجو الموجة الجديدة، وكثير من المهرجانات الأفريقية الكبرى بدأت بمبادرات شبابية متواضعة. المسار إذن مألوف، لكن اجتيازه في سياق صومالي يعاني من هشاشة البنية التحتية يبقى تحدياً حقيقياً يستحق المتابعة.


جانب من مشاركة فريق شينيمو بنادر في المانيا. المصدر: صفحة المجلة على فيسبوك


من مقديشو إلى هامبورغ: الإبداع الصومالي في المحافل الدولية


في الخامس عشر من سبتمبر 2025، خطت «شينيمو بنادير» خطوةً لافتة حين شاركت في معرض Indiecon الدولي بمدينة هامبورغ الألمانية، وهو أحد أبرز المحافل التي تجمع المجلات المستقلة من حول العالم. قدّم الفريق فيلماً وثائقياً قصيراً يحكي قصة المجلة وأسلوب عملها أمام جمهور دولي من صنّاع المجلات والمهتمين بثقافة النشر المستقل. وعبر عن مجتمع من الشباب يعملون بلا أجر في بلد لا تُسمح فيه السينما ولا تُقدَّر فيه الفنون، يستكشفون معنى الإيمان بأهمية ثقافة الفيلم حين لا يدعمها مجتمعك. الأهم أن هذه المشاركة لم تكن الأخيرة؛ إذ دُعيت المجلة للعودة إلى Indiecon 2026، مما يعني أنها باتت حضوراً ثابتاً في خارطة النشر المستقل عالمياً. فالمجلات المستقلة لم تعد مجرد أدوات نقد محلي، بل باتت سفارات ثقافية غير رسمية تحمل رواية الداخل إلى الخارج.


فريق شينيمو بنادير. المصدر: صفجة المجلة على فيسبوك


خاتمة


«شينيمو بنادير» ليست مجرد مجلة سينمائية؛ إنها مشروع ثقافي يطرح أسئلة جوهرية عن الهوية والتوثيق والحق في الرواية. في عالم تتسارع فيه صناعة المحتوى وتتشابك فيه المرجعيات، يبقى وجود صوت نقدي محلي منتمٍ ومتخصص ضرورةً وليس ترفاً. وما يجعل هذه المبادرة مثيرة للاهتمام حقاً أنها تنهض في لحظة توثيقية فارقة، حين تبدأ السينما الصومالية في استعادة نفسها من حواف النسيان.


عبد الفتاح عوض

عبد الفتاح صومالي متخصص في المختبرات الطبية ومتطوع في المجال الصحي، يبث شغفه بالايجابية. خلف المجهر، يستخدم قلمه كساحر المحتوى، يسحر القراء الذين عبر حكايات تتحدى الصور النمطية عن المنطقة.