هناك طفلة في كاونغوار تعرّفت على حقوقها من خلال هاتفها. لم تتعلّمها من معلمة، ولا من أحد والديها، ولا من محامٍ، بل من مقطع فيديو قصير على تيك توك. تبلغ من العمر إحدى عشرة سنة. لا تملك حاسوباً محمولاً. لم تسمع قط بمنتدى حوكمة الإنترنت. لن تكون في أكرا في نوفمبر. لكن القرارات التي ستُتخذ هناك ستُحدد كل شيء عن كيفية استخدامها للإنترنت لبقية حياتها.
وفقًا لبيانات DataReportal، تشير إحصائيات عام 2026 إلى أن أدوات الإعلان الخاصة بتيك توك ستُقدّر عدد مستخدميه البالغين في كينيا بـ 18.4 مليون مستخدم بحلول أواخر عام 2025، ليصل إلى ما يُقدّر بنحو 78.5% من مستخدمي الإنترنت في البلاد. إلى جانب واتساب، يُعدّ تيك توك أحد أكثر منصتين استخداماً في البلاد، وهو أقرب إلى البنية التحتية منه إلى الترفيه، حيث يبحث الشباب قبل استخدام جوجل، ويتعلمون مهارات جديدة، ويبيعون منتجات، ويبنون جمهوراً. هذا هو المجال الذي يُفترض أن تُدار فيه الحوكمة، ولم يُصمم تيك توك مع وضع طفلة في كاونغوار في الاعتبار. هذه هي المفارقة الجوهرية في حوكمة الإنترنت: فالأشخاص الذين يُولّدون أكبر قدر من الطاقة الثقافية على هذه المنصات نادراً ما يكونون حاضرين في المكان الذي تُصاغ فيه هذه الطاقة.
ما هو منتدى حوكمة الإنترنت؟ ومن المقصود فعلاً بمصطلح "أصحاب المصلحة المتعددين"؟
منتدى حوكمة الإنترنت هو منصة حوارية مُعتمدة من الأمم المتحدة حول كيفية إدارة الإنترنت. يجمع المنتدى الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمجتمع التقني، والأوساط الأكاديمية. عُقدت أولى مشاوراته المفتوحة واجتماع المجموعة الاستشارية لأصحاب المصلحة المتعددين لعام 2026 في الفترة من 24 إلى 26 يونيو في نيروبي، تمهيداً لمنتدى حوكمة الإنترنت الأفريقي في غانا في نوفمبر المقبل، ومنتدى حوكمة الإنترنت العالمي الذي سيعود إلى نيروبي في ديسمبر - وهي فرصة نادرة للتقارب الجغرافي، وفرصة للأصوات الأفريقية للمساهمة في صياغة جدول الأعمال. ومع ذلك، لو سألت أي مراهق كيني عادي، ممن يصنعون اليوم أكثر الثقافات الرقمية حيوية في القارة، إن كان يعلم بانعقاد هذه المشاورات، فالغالب أنك ستواجه نظرة حائرة.

اليوم الأول من المشاورة المفتوحة حول منتدى حوكمة الإنترنت في مكتب الأمم المتحدة بنيروبي، كينيا. المصدر: حساب intgovforum على إنستغرام.
كيف يبدو "الإنترنت" فعلياً بالنسبة لمراهق كيني؟
بصرف النظر عن المصطلحات السياسية، انظر إلى المنصة كمساحة ثقافية. يكافئ تصميم تيك توك السرعة والتكرار وإعادة المزج والأداء. تنتشر صيحة رائجة في لاغوس أو لوس أنجلوس، ثم يُعاد تقديمها بلغة الشينغ المحلية في غضون ساعات، مع إضافة التعليقات والموسيقى والتكييف المحلي، قبل أن تنتهي معظم المؤسسات من صياغة مذكرة عنها. وقد بنى المبدعون الكينيون اقتصادات غير رسمية على هذا الأساس: اسكتشات كوميدية بلغة الشينغ والسواحيلية، وتحديات رقص ممزوجة بموسيقى الجينجيتون، ومحتوى "متومبا" لتنسيق الملابس المستعملة، وجلسات بيع مباشرة تؤدي دور السوق الشعبي الرقمي.
تشير رؤى التسويق على منصة تيك توك، الصادرة عن شركة Sprout Social، إلى أن نسبة امتلاك حسابات الجيل Z تبلغ 72% عالمياً، وتؤكد كل من GWI وDataReportal أن الترفيه هو المحرك الرئيسي للتفاعل في جميع أنحاء العالم التي تعمل فيها المنصة.
لكن البنية نفسها التي تكافئ فيديو رقص لفتاة في الرابعة عشرة من عمرها على انتشاره الواسع، تفتقر إلى آلية محلية للحد من تأثيره اللاحق. فقد وجدت منظمة العفو الدولية أنه في غضون 20 دقيقة من ظهور حساب جديد يُبدي اهتماماً بالصحة النفسية، يرتبط أكثر من نصف الفيديوهات في قسم "لك" (For You) على تيك توك بمعاناة الصحة النفسية، بل إن بعضها يُضفي طابعاً ومانسياً على الانتحار.
وكشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن تيك توك حقق أرباحاً من البثوث المباشرة ذات الطابع الجنسي التي قدمها مراهقون كينيون لا تتجاوز أعمار بعضهم خمسة عشر عاماً. وهي نفس الآلية التي تتيح لمراهق كوميدي في حي داندورا كسب بعض المال عبر الهدايا الرقمية، لكنها تتحول إلى أداة للاستغلال عندما يغيب الإشراف الكافي. فاقتصاد صناع المحتوى واقتصاد الأذى يسيران على المسارات التقنية ذاتها، وهي الحقيقة التي تتجاوزها معظم نقاشات حوكمة الإنترنت.
جلستُ مؤخراً مع أم في حي داندورا. تعمل في وظيفتين، وتُعطي ابنها هاتفاً قبل ذهابه إلى المدرسة لأن المدرسة باتت تشترطه لاستخدامه في المواد الدراسية. إنها ليست أماً مهملة، بل تفعل تماماً ما يطلبه منها النظام التعليمي. لكنها قالت لي شيئاً ظل عالقاً في ذهني: "أعلم أن شيئاً سيئاً قد يحدث على هذا الهاتف، لكنني لا أعرف كيف يبدو، ولا أعرف بمن أتصل إذا حدث". هذه الفجوة بين منصة تعرف تماماً كيف تجذب انتباه الطفل، وأم لا تملك أدنى فكرة عن كيفية مقاطعته، هي القصة الحقيقية الكامنة خلف كل نقاشات السياسات المتعلقة بحوكمة الإنترنت.
الأسئلة التي تواصل حوكمة الإنترنت التهرب منها
من يدفع ثمن الوصول إلى الإنترنت؟ استناداً إلى تقرير "كينيا وول ستريت"، يؤكد البنك الدولي و"جي إس إم إيه" أن تكاليف بيانات الهاتف المحمول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تُعد من بين الأعلى عالمياً نسبةً إلى الدخل، وغالباً ما تتجاوز 5% من الدخل الشهري للأسر ذات الدخل المنخفض. هذه التكاليف الباهظة، إلى جانب تكلفة امتلاك الأجهزة، تُحوّل المشاركة الرقمية إلى عبء مالي، مما يُجبر العديد من الأسر على اتباع نهج محدود وعابر للوصول إلى الإنترنت.
من الذي يحدد القيم التي تشكل محتوى المنصة؟ تقع مقرات المنصات الرقمية الكبرى في الولايات المتحدة أو الصين، ولذلك تعكس أنظمة الإشراف على المحتوى وخوارزميات ترتيب المنشورات سياقات ثقافية لا تنتمي إلى إفريقيا. وفي كينيا، حيث يبلغ متوسط العمر نحو عشرين عاماً، لا تزال أنظمة الإشراف على المحتوى تعتمد بدرجة كبيرة على اللغة الإنجليزية، ما يسمح بمرور المحتوى الضار المكتوب بالسواحيلية أو الكيكويو أو الشينغ أو الدولو، بينما قد تُصنف المنشورات المشروعة بهذه اللغات على أنها مخالفة أو تُقيد دون مبرر.
أين أصوات الأطفال في الغرف التي تُتخذ فيها هذه القرارات؟ يضم منتدى حوكمة الإنترنت تحالفاً ديناميكياً معنياً بحقوق الأطفال في البيئة الرقمية، ويعقد اجتماعات منتظمة ويصدر بيانات ومواقف رسمية. لكن إذا تجولت في أروقة اجتماعات المنتدى، فستجد عدداً قليلاً جداً من الأطفال، ويكاد يغيب الأطفال الأفارقة تماماً عن تلك النقاشات.
ومع ذلك، فمن الممكن القيام بالأمور بطريقة أفضل، وقد شاهدتُ ذلك بأم عيني. ففي 29 يونيو، عقدت مبادرة "من أجل كل طفل" التابعة لليونيسف، بالتعاون مع تحالف من منظمات المجتمع المدني و"متوتو نيوز"، حواراً متعدد الأطراف حول السلامة على الإنترنت وحقوق الطفل في أفريقيا. هذه المرة، كان الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاماً، من عدة دول أفريقية مختلفة، حاضرين بالفعل، يتحدثون عن أنفسهم بدلاً من أن يُتحدث عنهم. وقد لخص طفل كيني نقاش الحوكمة برمته في جملة واحدة أفضل مما تفعله معظم أوراق السياسات في عشر صفحات: يجب تعليم استخدام الإنترنت من خلال المهارات، لا الخوف. وأوضح أن الأطفال يجب ألا يُدرَّبوا فقط على حماية أنفسهم من الإنترنت وكأن الخطر هو القصة الوحيدة، بل ينبغي إشراكهم في تصميم السياسات التي ستنظم حياتهم الرقمية، لا أن يُطلب منهم لاحقاً المصادقة على سياسات صيغت دون مشاركتهم.
وكانت رسائله واضحة: صمموا السياسات مع الأطفال وليس من أجلهم. اجعلوا الإبلاغ عن الأذى سهلاً. وعندما يبلغ طفل عن ضرر، تأكدوا من وجود استجابة سريعة. والأهم من ذلك: توقفوا عن كتابة سياسات جديدة قبل تنفيذ السياسات الموجودة بالفعل تنفيذاً كاملاً. كان ذلك الحوار، أكثر من أي جلسة حضرتها خلال مشاورات مكتب الأمم المتحدة في نيروبي، أقرب مثال عملي لما ينبغي أن تبدو عليه عملية حقيقية متعددة أصحاب المصلحة.
الحكومات أيضاً جزء من المشكلة، وليس المنصات وحدها
ليست المنصات الرقمية وحدها من تفرض قيوداً على وصول الأطفال إلى الإنترنت، فالحكومات تفعل ذلك أيضاً، وفي كثير من الأحيان بصورة أكثر حدة. فقد أظهرت بيانات Top10VPN لعام 2025 أن الحكومات فرضت انقطاعات متعمدة للإنترنت في خمس عشرة دولة إفريقية، من بينها الكاميرون وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا وتنزانيا وأوغندا. وبلغ إجمالي ساعات الانقطاع أكثر من 24 ألف ساعة، متسبباً في خسائر اقتصادية تجاوزت مليار دولار على مستوى المنطقة، وغالباً ما تزامنت هذه الانقطاعات مع الانتخابات أو الاحتجاجات.
كثيراً ما نتحدث عن حماية الأطفال من الإنترنت، لكننا نادراً ما نتحدث عن حماية حق الأطفال في الوصول إلى الإنترنت من قرارات حكوماتهم.
وقد وصفت لي عاملة صحة مجتمعية أعرفها في منطقة لاكي سمر كيف أثر انقطاع الإنترنت عام 2025 على عملها. فلم تعد قادرة على التواصل مع الأطفال الذين تتابع أوضاعهم عبر نظام الإحالة الإلكتروني، أو تحديث ملفات الحالات، أو ربط فتاة كانت بحاجة إلى دعم عاجل بالمنظمة المسؤولة عن مساعدتها.
وقالت لي: "انقطاع الإنترنت ليس مجرد إزعاج. بالنسبة لبعض الأطفال، قد يكون الفارق بين الحصول على المساعدة وعدم الحصول عليها إطلاقاً."
الجدل الكيني حول تيك توك… ولماذا لم يُحقق النتائج المرجوة
يستحق النقاش الذي دار داخل البرلمان الكيني بشأن تيك توك في مطلع عام 2026 اهتماماً خاصاً، لأنه يوضح كيف يمكن أن تبدو مساءلة المنصات الرقمية عندما تكون جادة، وإن كانت لا تزال غير مكتملة.
فقد تحرك أعضاء البرلمان، وفقًا لموقع CIO Africa، لتنظيم التطبيق بعد عريضة تطالب بحظره تمامًا، مُشيرين إلى المحتوى الفاضح، وانتهاكات خصوصية البيانات، والأضرار النفسية، مدفوعة جزئيًا بالفيلم الوثائقي الذي بثته BBC Africa Eye حول الاستغلال الجنسي عبر تيك توك لايف. ويُحسب للنواب رفضهم الحظر الشامل. فقد جادل رئيس اللجنة، إريك موشانجي كاريمبا، بأن التنظيم لا يعني بالضرورة الحظر، وأن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب الآن دورًا حقيقيًا في تواصل الشباب وإبداعهم وريادة أعمالهم. وبدلًا من ذلك، وُجهت الوزارات لتقديم تقارير حول التحقق من العمر، وتوطين البيانات محليًا، والتثقيف الإعلامي.

صورة التُقطت أثناء مداولات أعضاء البرلمان الكيني بشأن تنظيم تيك توك بدلاً من حظره. المصدر: الموقع الإلكتروني للبرلمان الكيني.
وقالت لي معلمة في حي كوانغوارا، كانت قد تابعت النقاش عبر الإنترنت، إنها شعرت بالارتياح لعدم حظر تيك توك، لأن عدداً من طلابها يستخدمونه لعرض أعمالهم الفنية وبناء جمهور صغير. لكنها أعربت أيضاً عن إحباطها لأن النقاش انشغل بالاعتبارات الأخلاقية والقيمية، بدلاً من معالجة السؤال البنيوي الأهم:
كيف يمكن لمنصة أزالت أكثر من 820 ألف مقطع فيديو مخالف في كينيا خلال ربع سنة واحد، ألا توفر حتى الآن خطاً للمساعدة والأمان باللغة السواحيلية؟ ولماذا يتمتع طفل يبلغ الثالثة عشرة في لندن بحماية أكبر من طفل في العمر نفسه في نيروبي، فقط بسبب موقعه الجغرافي؟
هذه الفجوة هيكلية وليست وليدة الصدفة. فقد أصدرت المفوضية الأوروبية نتائج أولية تُشير إلى أن تصميم تيك توك الأساسي - التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والتوصيات شديدة التخصيص - يُخالف قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، إذ يُؤدي إلى الاستخدام القهري ويُضعف قدرة القاصرين على ضبط النفس. ويمتلك المنظمون الأوروبيون صلاحيات قانونية لإجبار المنصة على تعديل تصميمها وفرض غرامات تستند إلى حجم إيراداتها العالمية.
أما في كينيا، فتعمل الجهات التنظيمية في الغالب من خلال النفوذ غير الملزم؛ إذ تصدر هيئة الاتصالات إرشادات تنظيمية، بينما يجري مكتب مفوض حماية البيانات مراجعات طوعية لمدى التزام المنصات. وفي غياب أدوات إنفاذ قانونية تُلزم الشركات بإجراء تغييرات على خوارزمياتها، تستطيع المنصات التعامل مع التوجيهات الكينية باعتبارها توصيات اختيارية.
كما أن الحل الذي ركز عليه البرلمان، والمتمثل في التحقق من العمر، يواجه بدوره عقبات عملية؛ فطفل يبلغ الثالثة عشرة لا يحمل بطاقة هوية وطنية، أو ينتمي إلى أسرة لم تُسجل ضمن نظام الهوية الرقمية، لا يمكن التحقق من عمره بصورة فعالة باستخدام أدوات صُممت لبيئات رقمية مختلفة تماماً.
ما الذي يحدث فعلاً؟
لن يكون منصفاً أن نكتب عن الإخفاقات فقط. فقد أطلقت اليونيسف والجمعية العالمية لشبكات الهاتف المحمول (GSMA)، وفقًا لتقرير صادر عن GSMA أفريقيا، فريق عمل أفريقيا المعني بحماية الأطفال على الإنترنت، وهو أول منصة منسقة متعددة الأطراف في القارة تُعنى بسلامة الأطفال الرقمية، وتجمع بين شركات تشغيل شبكات الهاتف المحمول والهيئات التنظيمية والمجتمع المدني وممثلي الشباب في هيكل واحد.
وقد أقرت زيمبابوي سياسة وطنية لحماية الأطفال على الإنترنت للفترة 2026-2030. وتدرس رواندا فرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة. كما اعتمد الاتحاد الأفريقي سياسة قارية لسلامة الأطفال على الإنترنت وتمكينهم، وهي الأولى من نوعها عالمياً، والتي ترسخ حق الأطفال في السلامة والخصوصية والمشاركة على الإنترنت.
ووصفت كارولين مبوغوا من GSMA أفريقيا هدف فريق العمل بكلمات صادقة ومؤثرة، إذ أوضحت أن الجهود السابقة كانت متفرقة، ومحصورة داخل حدود الدول أو في مبادرات منفردة تقودها شركات بعينها، أما الهدف اليوم فهو الانتقال من مجرد وضع الاستراتيجيات إلى تنفيذ منسق وفعّال.
وتحمل كلمة "التنفيذ" هنا كل الثقل الحقيقي؛ فهي ما يميز بين وجود إطار نظري وتحقيق نتائج ملموسة، كما أنها تتطلب تمويلاً، وقدرات مؤسسية، وثقة مجتمعية تُبنى تدريجياً ولا تُعلن في بيان صحفي. فاعتماد سياسة جديدة لا يعني تلقائياً أن طفلاً أصبح أكثر أماناً.

إطلاق اليونيسف وGSMA لفريق العمل المعني بحماية الأطفال على الإنترنت في رواندا. المصدر: UNICEF/GSMA.
أكرا، نوفمبر 2026: الفرصة التي ما زالت قائمة
تستضيف العاصمة الغانية أكرا أعمال الدورة الخامسة عشرة لمنتدى حوكمة الإنترنت الإفريقي خلال الفترة من 2 إلى 5 نوفمبر 2026، تحت شعار: "النهوض بمستقبل إفريقيا الرقمي من خلال الابتكار والشمول والثقة." ولا يزال باب تقديم مقترحات الجلسات مفتوحاً، بينما يشمل جدول الأعمال بالفعل موضوعات مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والهوية الرقمية، والسلامة على الإنترنت. لكن ما يزال هناك عنصر مفقود، وهو اتخاذ قرار واضح بوضع الأطفال في قلب هذا الإطار، لا باعتبارهم موضوعاً لجلسة جانبية في الرابعة مساءً من اليوم الأخير عندما تكون الوفود في طريقها إلى المطار، بل باعتبارهم محوراً أساسياً للنقاش.
ويشمل ذلك مناقشة موضوعات مثل: الاعتراف بحق الأطفال في الوصول إلى الإنترنت باعتباره حقاً من حقوق الطفل. التعامل مع بيانات الأطفال بوصفها فئة قانونية مستقلة. اعتبار قطع الإنترنت انتهاكاً لحق الأطفال في التعليم والوصول إلى المعلومات. مساءلة المنصات عن تعاملها مع المحتوى باللغات الإفريقية. وضمان مشاركة الأطفال مشاركة حقيقية في صياغة السياسات، لا الاكتفاء بإشراكهم في جلسة رمزية للشباب، بل إشراكهم في تصميم السياسات منذ بدايتها، كما طالب الأطفال المشاركون في حوار 29 يونيو، بحيث يكون لهم مقعد على الطاولة أثناء كتابة السياسات، لا أن يُطلب منهم التوقيع عليها بعد الانتهاء منها.
هناك أمر آخر ينبغي أن يخرج به اجتماع أكرا، ولا يتعلق بأي وثيقة سياسية. فخلال مشاورات نيروبي، استوقفني أحد موظفي الأمم المتحدة بعد انتهاء مقابلة، وقال لي بصدق إنه يتمنى أن ينتج أحدهم فيديو بسيطاً وعملياً، بلغة واضحة، يشرح للآباء والأمهات كيفية تفعيل أدوات الرقابة الأبوية على الهواتف، وحجب المحتوى الضار، وفتح حوار مع أطفالهم حول ما ينبغي فعله إذا واجهوا مشكلة على الإنترنت.
وقال: "هذا يمكن أن يساعد عدداً هائلاً من الآباء الذين يريدون حماية أطفالهم لكنهم ببساطة لا يعرفون كيف." وكان محقاً.
والحقيقة أن اضطرار موظف يعمل داخل الأمم المتحدة إلى التعبير عن هذه الحاجة في حديث جانبي داخل أحد الممرات، بدلاً من أن يجد مثل هذه الموارد جزءاً أساسياً من الأنظمة والسياسات التي كانت تُناقش في القاعات المجاورة، يكشف حجم الفجوة بين نقاشات حوكمة الإنترنت والواقع الذي تعيشه الأسر.
ماذا يستطيع الآباء ومقدمو الرعاية فعله الآن؟
إلى أن تلحق السياسات بالتحديات القائمة، توجد بالفعل موارد عملية يمكن للآباء ومقدمي الرعاية في كينيا الاستفادة منها. فيوفر الخط الوطني لمساعدة الأطفال (116) خدمة مجانية تعمل على مدار الساعة في جميع المقاطعات السبع والأربعين في كينيا، وتديرها منظمة "تشايلدلاين كينيا" بالشراكة مع إدارة خدمات الأطفال. ويتلقى الخط بلاغات سرية عن حالات الإساءة عبر الإنترنت وخارجه، ويربط الأطفال بخدمات الإرشاد النفسي، والمساعدة القانونية، والدعم الأسري. كما يمكن التواصل عبر واتساب على الرقم: 0722 116116 أو من خلال صفحة "تشايلدلاين كينيا" على فيسبوك، وهو خيار يناسب الأسر التي تفضل التواصل الكتابي أو المجهول قبل إجراء مكالمة هاتفية.
كما تدير هيئة الاتصالات الكينية برنامجاً لحماية الأطفال على الإنترنت، ينشر إرشادات عملية للآباء والمعلمين حول الاستخدام الآمن للإنترنت، إلى جانب تنفيذ الخطة الوطنية لمكافحة الاستغلال والانتهاك الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، التي أصدرت دليلاً مبسطاً للأطفال حول السلامة الرقمية، كما توفر تدريبات للعاملين في الخدمات الاجتماعية حول آليات الاستجابة والإحالة.
وعلى مستوى المنصات، فتتضمن كل من TikTok وYouTube وMeta أدوات رقابة أبوية مدمجة، مثل ميزة "المشاركة العائلية" على TikTok، و"التجارب الخاضعة للإشراف" على Instagram، بالإضافة إلى أدوات الرقابة الأبوية في إعدادات YouTube التي تُمكّن الوالدين من تحديد وقت استخدام الشاشة، وتقييد الرسائل المباشرة، وتصفية المحتوى، حتى بدون خبرة تقنية. هذه الأدوات ليست بديلًا عن الحوار، ولكنها نقطة انطلاق، وهي مجانية.
ثم يبقى العنصر الأهم، وهو الحوار نفسه، ذلك الحوار الذي تحدث عنه موظف الأمم المتحدة، والذي يخبرني كثير من الآباء الكينيين أنهم لا يعرفون كيف يبدأونه. ولا يحتاج هذا الحوار إلى لغة قانونية أو مصطلحات تقنية، ببساطة، اسأل طفلاً عما شاهده اليوم، ومع من كان يتحدث، وماذا سيفعل إذا شعر بعدم الارتياح تجاه شيء ما على الإنترنت، واجعل سؤالك بمثابة فرصة للتواصل، لا استجواباً.
الحقيقة المُزعجة
تعاني منظومة حوكمة الإنترنت من مشكلة تتعلق بالأطفال. وليست المشكلة أن الأطفال يستخدمون الإنترنت، فهذه مسألة معقدة وحقيقية، وتحمل في أبعادها الإبداعية والاقتصادية فرصاً كبيرة للحياة والإنتاج. أما المشكلة الأعمق فهي أن الأطفال يُناقشون باستمرار، لكن نادراً ما يُستشارون. وتُدرس ثقافتهم الرقمية من زاوية قدرتها على الانتشار، بينما نادراً ما تُحمى من زاوية هشاشتها واحتياجاتها. وفي قارة يزيد فيها عدد من هم دون الخامسة والعشرين على نصف السكان، فإن هذه ليست قضية هامشية، بل تمثل إخفاقاً ديمقراطياً جوهرياً.
فالطفلة في كوانغوارا التي تعلمت حقوقها من مقطع على تيك توك ليست ساذجة بشأن ما يستطيع الإنترنت أن يقدمه لها. إنها تتقن استخدام منصة لم تُصمم أصلاً مع مراعاة احتياجاتها، وتتفاعل داخل بيئة قانونية بالكاد تعترف بوجودها، وتنتج قيمة داخل اقتصاد رقمي يربح من انتباهها دون أن يحميه، وتعتمد على بنية تحتية قد تفقدها في أي لحظة إذا قررت حكومة ما أن إسكات المعارضة أهم من إبقاء الإنترنت متاحاً. إنها ليست مجرد مستفيدة تنتظر الحماية، بل صاحبة حقوق تنتظر أن يُستمع إلى صوتها، وأصبحت، بصورة متزايدة، صانعة للثقافة الرقمية التي بدأ بقية مستخدمي الإنترنت حول العالم يتعلمون منها بالفعل.