هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

رحلة الخروج من بداية الصراع المسلح


كنتُ أظن أن أصعب لحظات التمسك بالهوية تأتي حين تفقدين كل شيء. لكنني اكتشفت العكس تماماً.

في يونيو 2023، وبعد أسابيع من انقطاع الكهرباء والإنترنت والماء، ومع مرضي الشديد وتكرار أخبار التحرش الجنسي في الشارع مع تصاعد النزاع، قررتُ الخروج من الخرطوم. لم أكن أريد اللجوء إلى الخارج أصلاً، كنتُ أحلم بالنزوح إلى كردفان أو دارفور، لكن أهلي رفضوا بشدة. فكان الطريق إلى القاهرة. استغرقت الرحلة تقريباً شهر من أمدرمان الى مدينة حلفا لتجديد الجواز القديم وصولاً الى القاهرة. شهر من بعض التعب، المرض و مشاهدة أثر النزوح و صدمة الصراع المسلح على المدنيين.


إسلام في مركز الاستجابة للطوارئ في حلفا، شمال السودان

المصدر: الكاتبة

 

٦ أكتوبر… و طوابير الانتظار و المعاناة


أول ما فعلته في القاهرة هو التوجه إلى مفوضية اللاجئين في حي السادس من أكتوبر. تفاجأتُ بالمئات من النساء والأطفال ينامون على الرصيف. بعضهن يدفعن المال لـ«سماسرة المواعيد» كي يحجزن دوراً إلكترونياً في حين أنهن لا يمتلكن هاتفاً لاستقبال الرسالة أصلاً.


رأيتُ تمييزاً واضحاً حسب النوع والمنطقة الجغرافية، ورأيتُ من يبدو أن لديهن مقدرة مادية يصطفن للحصول على المساعدات النقدية من منظمة الغذاء العالمي - ولعل حكمي عليهن جائر- و لكن رؤية أمٌ تحمل طفلاً مريضاً تُرَدُّ خالية الوفاض يؤثر على تقديرات الفرد. قررتُ حينها: لن أعتمد على أحد. سأبحث عن عمل مهما كلفني الأمر.


القاهرة التي استقبلتنا… والقاهرة التي جرحتنا


بدأتُ أمشي في شوارع القاهرة بخطى ثقيلة، أسأل عن عناوين الشركات، وأتقدم للوظائف، وأتلقى الرفض تلو الآخر. في البداية، كان لطف المصريين وتعاطفهم واضحين. لكن سرعان ما بدأت حملات الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم جاء قانون الإيجار الجديد، وارتفعت الأسعار، فوجدنا أنفسنا متهمين بكل مشكلة اقتصادية في البلد. عملنا لساعات طويلة بأجور زهيدة، من دون تأمين صحي، وأحياناً من دون وجبة. في يونيو 2024، مات العشرات من السودانيات والأطفال في الصحراء بينما كنّ يهربن من الحرب، ضحايا الجفاف وضربات الشمس في رحلات تهريب مروعة.


الصورة الأولى في المعادي، القاهرة.

المصدر: الكاتبة.


الهوية في زمن اللهجات


كثير من السودانيين/ات في مصر بدأوا يتحدثون باللهجة المصرية تلقائياً، ربما خوفاً أو محاولة اندماج. كنت في حيرة من أمري هل انجرف مع التيار او اتكلم بلهجة غريبة علي قبل أن تكون غير مألوفة للبعض. أحب أن أمزج بين اللهجة السودانية والمصرية، أشرح لزميلاتي معنى «جبنة» و«كويس»، وهن يضحكن ويعلمّنني «ايه الاخبار يا شيخة؟». في إحدى الليالي التقيت صديقة ، غنينا معاً «الليلة بالليل نمشي شارع النيل… نشرب قهوة بمزاج»، و صورنا الفيديو على تيك توك. تلك اللحظة كانت دواء.


أسمع عبد الحليم وأم كلثوم فأجد وطناً ثانياً، لكن حين أسمع أغاني الحقيبة أو وردي أو عبد العزيز المبارك، أجد نفسي. الهوية ليست عبئاً، هي البنزين الذي يدفعني كل صباح الاستيقاظ و الذهاب الى العمل.


العمل… رحلة روحية أيضاً


العمل ليس مجرد مصدر دخل للاجئة. هو كرامة، هو تواصل، هو تعلم إدارة الوقت و المال، هو بناء شبكة علاقات جديدة. أصبتُ بصدمة حين سمعتُ عن عاملة مصرية فقدت رضيعتها لأن مديرتها رفضت إعطاءها استراحة للإرضاع، فاضرب العمال. تذكرتُ حينها أن معاناتنا واحدة، مصرية كانت أم سودانية. في المقابل، وجدتُ في بعض الكنائس القبطية ملجأً من التسامح والأمان. هذا التمازج بين مسلمين ومسيحيين في أماكن العمل والحياة اليومية هو أجمل ما رأيته في القاهرة.


سوق في القاهرة حيث يشتري المواطنون واللاجئون احتياجاتهم الأساسية

المصدر: أشريا بيرل.

عودة الأمل… وعودة الملايين


نحو 773,000 شخص عبروا عائدين إلى السودان من مصر بين يناير 2024 ويونيو 2026، وفقًا لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، بعد استعادة الجيش الخرطوم وبعض المدن. البعض عاد طوعاً، والبعض أُجبر بسبب صعوبة العيش في المهجر. أنا ما زلت هنا، أعمل، أكتب، أحلم بالعودة يوماً لكنني افكر كيف تغير الناس والعاصمة الخرطوم و تحديداً أمدرمان بعد الصراع المسلح؟ كيف تبدلت ملامح الناس و العاصمة يا ترى؟!

 

رسالة أخيرة إلى كل لاجئة سودانية


كل تجربة مررنا بها مهما كانت قاسية هي وردة أُلقيت في بحيرة. هذه الوردة ستعبر الماء، ستصل إلى الضفة الأخرى، وستنبت وروداً جديدة. أنتِ لستِ وحدك. هناك آلاف النساء مررن بنفس الألم الصحي الاقتصادي و الاجتماعي، ومع ذلك وقفن على أقدامهن. لنحوّل قصصنا إلى جمعيات أو مبادرات حقيقية تدعم اللاجئات في كل دولة مستضيفة، بالتعاون مع مواطنات تلك الدول. فالهوية السودانية ليست عبئاً في المنفى، بل هي مصدر القوة التي تجعلنا نزرع وروداً جديدة في كل أرض نعيش فيها.


إسلام ابو القاسم

إسلام مدونة سودانية منذ عام 2007، مختصة في السوشال ميديا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وشريك مؤسس ل "شبكة مدونون سودانيون بلا حدود". عام 2010 شاركت في إطلاق العديد من المبادرات، منها : أمازلت واقفاً مكانك؟، مبادرة رفع العقوبات التقنية الامريكية عن السودانين/ات و مبادرة تأنيث الخطاب العام. حازت على جائزة أفضل مقال أكاديمي من "معهد الغد" عن "كيفية استخدام البيانات الضخمة في تحسين وسائل النقل في المواصلات" و جائزة أفضل مخرجة من "أكاديمية نعم". بالاضافة الى حصولها على شهادة في تحليل البيانات الإحصائي من البنك الدولي.