"يسقط الأسد!" كان هذا الهتاف الذي رددته مجموعة من الأطفال السودانيين مراراً وتكراراً خلال عرض مسرحي من تأليفهم، وذلك بعد ثلاثة أيام من ورش عمل مكثفة في الدراما، أُقيمت ضمن مشروع خلال عطلة منتصف الفصل الدراسي في فبراير 2019.
في ذلك الوقت، جمعتُ مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و10 سنوات لإعداد عرض مسرحي قصير يشجعهم على سرد القصص. وكنت آنذاك جزءاً من برنامج تدريبي في إحدى منظمات الفنون المجتمعية بمدينة بريستول، حيث كنت أتعلم ممارسات المسرح المجتمعي وأساليب تيسير ورش الدراما.
على مدار ثلاثة أيام، خضنا معاً ألعاباً مسرحية، وتمارين ارتجال، وأنشطة لسرد القصص، وتقنيات لصناعة العروض المسرحية. ودُعي الأطفال إلى ابتكار عرض أصلي وتقديمه أمام عائلاتهم وأصدقائهم. وبينما كانت الأفكار تتدفق في أرجاء القاعة، ظل موضوع واحد يعود إلى الواجهة باستمرار: السودان.

عرض "قصص تحت شجرة الليمون" (2019). تصوير: مارك سيمونز
كان كثير من الأطفال يتعرضون باستمرار في منازلهم للنقاشات والصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالثورة السودانية عام 2018. وكان الآباء والأمهات يتابعون الأحداث عن كثب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشاهدون من بعيد التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي يشهدها السودان. ويبدو أن هذه النقاشات أسهمت في تشكيل مشاعر الأطفال وخيالهم، وأصبحت ورش العمل مساحة يستطيعون من خلالها التعبير عن تلك المشاعر بلغتهم الخاصة.
ابتكروا معاً قصةً عن أسدٍ حكم الغابة ظلماً، وأجبر جميع الحيوانات على العمل بلا كلل في بؤسٍ شديد. شعرت الحيوانات بالعجز والخوف من تحدي الأسد ومملكته. ولكن في النهاية، توحدت وقررت التوقف عن العمل لدى الأسد والبدء بالاحتجاج. حاملين لافتاتٍ مصنوعة يدوياً وهاتفين بشعارات، نظمت الحيوانات مظاهراتٍ حتى تمكنت أخيراً من إسقاط الأسد.
وباستخدام عدد قليل من قطع الأزياء، وموسيقى تُشغَّل عبر مكبر صوت يعمل بتقنية البلوتوث، ومن دون نص مسرحي مكتوب أو مرافق مسرحية احترافية، نجح الأطفال في تقديم عرض تناول موضوعات الثورة، والعدالة، والوحدة، والعصيان المدني، وهي أفكار شعروا بأنها تمسهم على نحو شخصي. ولم يكن ما نتج عن ذلك مجرد عمل إبداعي وطريف، بل كان أيضاً انعكاساً لافتاً للطريقة التي يستوعب بها الأطفال الواقع السياسي ويعيدون تفسيره من خلال اللعب وسرد القصص.
اكتشاف المسرح المجتمعي
لطالما شدني المسرح. فقد نشأت في السودان، في أطراف مدينة الخرطوم، وكانت تجاربي مع المسرح محدودة نسبياً، لكنها تركت أثراً عميقاً في نفسي. وما زلت أتذكر الرحلات العائلية إلى المسرح القومي لمشاهدة الفنان السوداني الشهير الفاضل سعيد، وكذلك عروض فرقة الأصدقاء المسرحية. وقد أبهرتني مشاهدة الممثلين المعروفين وهم يؤدون مباشرة على خشبة المسرح، بحركاتهم، وإيقاع أدائهم، وقدرتهم على رواية قصص تجعل الجمهور يضحك ويتأمل، وأحياناً يبكي، خلال عرض واحد.
وفيما بعد، أثناء دراستي للغة الفرنسية في الجامعة، ازداد اهتمامي بالمسرح. وخلال أسبوع الفرانكوفونية الثقافي، كنت أشارك كثيراً في كتابة مشاهد مسرحية قصيرة باللغة الفرنسية وأدائها على المسرح. وأصبح المسرح وسيلة لتعميق مهاراتي اللغوية والانخراط في الثقافة الفرنسية من بعيد.
عندما انتقلت إلى المملكة المتحدة، تعرفت على مسرح أكتا المجتمعي، وهي مؤسسة مسرحية مجتمعية مقرها بريستول، تتمتع بخبرة تزيد عن أربعين عامًا في العمل مع المجتمعات التي غالبًا ما تواجه عوائق تحول دون وصولها إلى المسرح بسبب تحديات اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو لغوية. ومن خلال أكتا، تعرّفت على فكرة صناعة المسرح "بشكل عكسي"، وهي عملية تنشأ فيها العروض بصورة جماعية انطلاقاً من قصص المشاركين وخيالهم، بدلاً من البدء بنص مسرحي مكتمل.
تؤمن أكتا بأن "المسرح للجميع، ولكل إنسان قصة تستحق أن تُروى". وتعتمد المؤسسة على مزيج من الألعاب، وتمارين الارتجال، وأنشطة سرد القصص، وتقنيات ابتكار العروض المسرحية لتشجيع المشاركين على كتابة أعمالهم الخاصة وأدائها. ومن بين التقنيات التي بقيت راسخة في ذهني تمرين "قصة جولي"، وهو نشاط صُمم لإثارة الخيال.
يقف الميسر أمام المجموعة وبجانبه لوحة ورقية، يرسم عليها شخصية بسيطة من الخطوط، ثم يسأل: "من هذه؟". ويبدأ المشاركون في اقتراح اسم الشخصية، وحياتها المنزلية، وصفاتها، وروتينها اليومي، حتى تتشكل تدريجياً شخصية متكاملة من خلال العمل الجماعي. ومن تلك الشخصية الصغيرة، يمكن أن تنشأ عوالم كاملة وقصص لا حصر لها.
وكان أكثر ما لفت انتباهي خلال فترة تدريبي وعملي في أكتا ليس العروض المسرحية نفسها فحسب، بل التحول الذي كان يحدث داخل ورش العمل. فقد رأيت المشاركين يبنون علاقات مع بعضهم البعض، ويكتسبون الثقة بالنفس، ويكوّنون صداقات، ويكتشفون متعة سرد القصص واللعب. ومن هنا بدأ اهتمامي بكيفية تكييف هذه الأساليب لتناسب الأطفال السودانيين الذين ينشأون في مجتمعات الشتات.

عرض مسرح الشباب "ملكة الدار" (2022). تصوير: هبة الهندي
تقديم المسرح المجتمعي إلى المجتمع السوداني في بريستول
أثرت تجربتي في أكتا تأثيراً عميقاً في عملي مع المجتمع السوداني في بريستول. فقد أردت أن أنقل الروح نفسها التي يقوم عليها المسرح التشاركي إلى الأطفال واليافعين السودانيين، الذين كان كثير منهم ينشأ بين ثقافتين، وغالباً ما يشعر بالانفصال عن جوانب من التراث السوداني، واللغة، وتقاليد الحكي.
بدأت في تصميم ورش مسرحية أسبوعية مستوحاة من نموذج أكتا، مع تكييف العديد من الألعاب والتمارين لتناسب المرجعيات الثقافية والتجارب السودانية. ومنذ عام 2019، قدمت مجموعات مختلفة من الأطفال عروضاً مسرحية أصلية شاركوها مع الأصدقاء والعائلات، كما عُرضت أمام جماهير في مهرجانات تجاوز عدد حضورها المئة شخص.
كان من أوائل هذه العروض "قصص تحت شجرة الليمون" (2019)، الذي يروي قصة جدة سودانية، أو الحبوبة، تحكي لأحفادها حكايات شعبية مثل حسن الشاطر والرجل الحكيم. واختُتم العرض برحلة مفعمة بالحيوية إلى احتفالات المولد، حيث استمتع الأطفال بتناول حلوى المولد ومشاهدة موكبٍ صوفيٍّ وعروض الدراويش.
أما عرض "ملكة الدار" (2021) فقد عرّف المشاركين الصغار بقصة ملكة الدار محمد، التي تُعد من أوائل الروائيات في السودان. واستكشف المشروع حياة النساء السودانيات في أوائل القرن العشرين، متناولاً موضوعات مثل النظام الأبوي، وتوقعات الأدوار الجندرية، وبعض الممارسات الاجتماعية مثل الشلوخ.
وفي عرض "خروف حبوبة" (2022)، عادت شخصية الحبوبة مرة أخرى. وتدور القصة حول جدة في السودان تفقد خروفها في يوم عيد الأضحى. وعكس العرض قيم التضامن بين الجيران، والتكافل المجتمعي، وصوراً مألوفة من الحياة اليومية في المجتمع السوداني.

مسرحية خروف حبوبة بعدسة حسن أبو زيد
أما أحدث العروض، "سنتذكر" (2024)، فقد تناول مشاعر الفقد والنزوح في أعقاب الحرب في السودان، من خلال مجموعة من القصائد والعروض الأدائية والنصوص الشعرية المنطوقة التي كتبها وقدمها المشاركون الشباب.
أما مشروعنا الحالي، فيدور حول جدة سودانية تنتقل إلى بريستول لتعيش مع أسرتها. وبينما تحاول التأقلم مع الاختلافات الثقافية ومشاعر الاغتراب، تجد نفسها في مواجهة تصاعد أعمال الشغب التي يقودها اليمين المتطرف من حولها. ومن خلال الفكاهة وسرد القصص، يستكشف العمل موضوعات الهجرة، والانتماء، والهوية في بريطانيا المعاصرة.
تُقدَّم معظم هذه العروض باللغة الإنجليزية، مع حضور اللغة العربية السودانية في ثناياها، وغالبًا ما تُنطق بلكنة بريطانية واضحة. كما تتضمن الأغاني، والأهازيج، والألعاب الشعبية، والإشارات إلى الفولكلور السوداني، بما يتيح للأطفال التنقل بسلاسة بين العالمين الثقافيين اللذين ينتمون إليهما.
تأملات
مع تطور هذه المشاريع، بدأت أهتم بما تكشفه العروض عن الأطفال الذين يصنعونها. فبالنسبة إلى كثير منهم، لا يمثل السودان مكاناً يتذكرونه من خلال تجربة شخصية عاشوها، بل وطناً يعرفونه عبر قصص العائلة، ومكالمات واتساب، والموسيقى، والطعام، والصور، وذكريات الآخرين.
ومن أكثر ما لفت انتباهي هو تكرار ظهور موضوعات وشخصيات بعينها عبر مشاريع مختلفة، حتى عند العمل مع مجموعات جديدة تماماً من الأطفال. وكان هناك موضوعان يتكرران باستمرار: الثورة السودانية، وشخصية الحبوبة.
ويبدو الحضور المتكرر للحبوبة ذا دلالة خاصة. ففي مختلف الورش، كان الأطفال يعودون إليها بصورة تلقائية باعتبارها راوية للقصص، وحامية، ومصدر دعم عاطفي. وربما يعكس ذلك شعوراً أوسع بالحنين إلى الروابط بين الأجيال داخل مجتمعات الشتات، حيث ينشأ كثير من الأطفال بعيدًا عن أجدادهم وأفراد عائلاتهم الممتدة. وفي الوقت نفسه، يكشف التكرار المستمر للقصص المرتبطة بالثورة السودانية عن مدى استمرار تأثير الأحداث السياسية في تشكيل الحياة العاطفية وخيال الأطفال السودانيين الذين يكبرون بعيداً عن وطنهم.

الحضور المتكرر للحبوبة في قصص الأطفال كان ذا دلالة خاصة في الورش. الصورة بعدسة حسن أبوزيد
كما دفعتني هذه المشاريع إلى التفكير في سبب كون المسرح وسيلة بالغة القوة لاستكشاف الثقافة. فخلافاً لدرس التاريخ أو جلسات سرد القصص، يتيح المسرح للأطفال أن يعيشوا الثقافة ويتجسدوها، لا أن يكتفوا بالتعرف إليها. فهم لا يسمعون فقط عن الحبوبة، أو الحكايات الشعبية، أو الثورة السودانية، بل يصبحون هم الرواة، أو المحتجين، أو الدراويش الذين يدورون في ساحات المولد. وهكذا تغدو الثقافة شيئاً يحملونه في أجسادهم كما يحملونه في ذاكرتهم، ويتشربونه عبر الحركة، والصوت، والخيال.
كما أدركت أيضاً أن المسرح الذي ننتجه اليوم يختلف إلى حد كبير عن المسرح الذي عرفته أثناء نشأتي في السودان. فعلى الرغم من أن عروضنا تستند إلى الحكايات الشعبية، والأغاني، والألعاب، والممارسات الثقافية السودانية، فإنها تُبتكر باستخدام أساليب المسرح المجتمعي التي تعلمتها في المملكة المتحدة. وتُقدَّم هذه العروض باللغتين الإنجليزية والعربية السودانية، وغالباً ما تتناول موضوعات الهجرة، والاندماج، والهوية، والاختلاف الثقافي. وتُنتج هذه العناصر معاً شكلاً جديداً من أشكال التعبير، يعكس الواقع المعيش للمشاركين، وفي الوقت نفسه يحافظ على التقاليد الثقافية السودانية ويعيد تأويلها من خلال تجارب جيل ينشأ بين ثقافتين.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان، اكتسبت هذه التأملات أهمية أكبر. فمع ما أحدثه الصراع من تعطيل للمسارح، والمراكز الثقافية، والحياة الفنية في أنحاء البلاد، أصبحت أنظر إلى مسرح الشباب السوداني في بريستول باعتباره أكثر من مجرد برنامج ثقافي للأطفال. فمن خلال هذه الورش، أصبح المسرح مساحة يستكشف فيها الشباب أسئلة الهوية، والتاريخ، والذاكرة، والانتماء، مع حفاظهم على صلتهم بتراثهم رغم البعد والنزوح.
إن مشاهدة هؤلاء الأطفال وهم يعيدون تشكيل السودان من خلال الأغاني، والألعاب، والثورات، والحبوبات، والحكايات الشعبية، تذكرني بأن مسرح الشتات فضاء حي ومتجدد، تستمر فيه التقاليد في إعادة التشكل، وتنبثق منه تعبيرات جديدة عن الهوية السودانية، وتستمر فيه الحكايات في الانتقال عبر الأجيال والحدود.