هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

فاكهة الأفوكادو، التي تُلقّب أيضاً بالذهب الأخضر، اكتسبت شعبية متزايدة في السنوات الأخيرة. وقد أسهمت بشكل كبير في انتشار أنماط الحياة الصحية التي يروّج لها المؤثرون والمشاهير. ولا شك أن هذه الفاكهة حظيت بمزيد من الانتشار، ولسبب وجيه؛ فالأفوكادو يتميز بمظهره الجذاب ومذاقه اللذيذ وفوائده الغذائية العديدة.


يحتوي الأفوكادو على فيتامينات تذوب في الدهون، وهي أقل شيوعاً في الفواكه الأخرى، كما يحتوي على مستويات مرتفعة من فيتامينات B5 وB6 وK وE، إلى جانب البروتين والأحماض الدهنية غير المشبعة. وتحتوي ثمرة أفوكادو واحدة، في المتوسط، على ضعف كمية البوتاسيوم الموجودة في موزة واحدة. ومن صلصة الغواكامولي إلى خبز الأفوكادو المحمّص، وسلطة الأفوكادو، وآيس كريم الأفوكادو، وزيت الأفوكادو، تتمتع هذه الفاكهة أيضاً بخصائص وفوائد مميزة تستفيد منها صناعتا الأدوية ومستحضرات التجميل.


دفعة من ثمار الأفوكادو الطازجة بعد قطفها. مصدر الصورة: Four Winds Growers


صناعة الأفوكادو في تنزانيا


سُجّل أول ظهور لفاكهة الأفوكادو في منطقة أمريكا الوسطى، كما تشير السجلات إلى أنها كانت تنمو برياً في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية. ونقل المستكشفون الإسبان هذه الفاكهة إلى إسبانيا عام 1601. أما زراعة الأفوكادو، فقد سُجّلت لأول مرة في موريشيوس عام 1780، وفلوريدا عام 1833، وكاليفورنيا عام 1856، وزنجبار عام 1892. وشهدت زراعة الأفوكادو توسعاً كبيراً في هذه المناطق خلال القرن العشرين.


أُدخلت زراعة الأفوكادو إلى تنزانيا في القرن التاسع عشر، في فترة زمنية مماثلة لإدخالها إلى زنجبار. وتُعد مناطق نجومبي ومبيا وسونغوي وإيرينغا، الواقعة في جنوب غربي البلاد، من أبرز مناطق إنتاج الأفوكادو في تنزانيا، إلى جانب أروشا وكليمنجارو وتانغا في الشمال الشرقي. وتشمل المناطق الأخرى المنتجة للأفوكادو كيغوما وكاغيرا في الشمال الغربي، وموروغورو في شرق تنزانيا. ويعمل معظم المنتجين من صغار المزارعين الذين يمتلكون عشرات الأشجار، وقد يصل عددها إلى المئات، في محيط منازلهم أو في مزارع بعيدة عنها.


ومن أشهر أصناف الأفوكادو المزروعة في تنزانيا صنف «هاس»، الذي يتميز بلونه الأرجواني الداكن عند النضج، كما يتمتع بقدرة جيدة على تحمّل التخزين. وتنضج ثماره عادةً بعد مرور ثمانية إلى تسعة أشهر من الإزهار. ومن الأصناف الأخرى «فويرتي»، الذي يتميز عادةً بلونه الأخضر وقشرته الخشنة عند النضج، وتنضج ثماره بعد ستة إلى ثمانية أشهر من الإزهار. وهناك أصناف أخرى أقل انتشاراً تُزرع بكميات محدودة في تنزانيا، من بينها «بويبلا» و«نابال» و«بينكرتون».


سيدة تحمل صندوقاً من ثمار الأفوكادو المجهزة للشحن. مصدر الصورة: Africado.org


أفريكادو (Africado)


تأسست شركة أفريكادو (Africado) عام 2007 في منطقة كليمنجارو، بالقرب من مدينة موشي في تنزانيا. وتطورت الشركة منذ انطلاقتها كمشروع ناشئ بسيط لتصبح أكبر مُصدّر للفواكه في تنزانيا، حيث تنتج ثمار الأفوكادو من صنف «هاس» وتصدّرها إلى الاتحاد الأوروبي. وقد أحدثت الشركة تحولاً في صناعة الأفوكادو في تنزانيا، ومهّدت الطريق أمام نمو هذا القطاع وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.


وتعمل الشركة مع أكثر من ألفي مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة في تنزانيا. وقد نجحت في تحويل محصول كان يُزرع تقليدياً بقيمة اقتصادية منخفضة إلى نشاط تجاري مربح، وذلك من خلال إدخال تقنيات جديدة وتنظيم تدريبات زراعية أسهمت في توفير فرص عمل ومصادر دخل إضافية لصغار مزارعي الأفوكادو في البلاد. وأسهم تأثير شركة أفريكادو في توجيه اهتمام الحكومة نحو هذا القطاع. وتدرّ صادرات الأفوكادو على تنزانيا ما لا يقل عن 12 مليون دولار سنوياً. علاوة على ذلك، ارتفعت قيمة صادرات الأفوكادو التنزانية ثمانية أضعاف خلال الفترة من 2014 إلى 2019، ما عزز حصة تنزانيا في السوق العالمية من 0.1% إلى 0.4%.


وعلى الرغم من هذه المؤشرات، لم يبلغ سوق الأفوكادو في تنزانيا كامل إمكاناته بعد. وفي هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء التنزاني السابق كاسيم ماجاليوا أن بلاده تتفاوض لتصدير الأفوكادو إلى جنوب أفريقيا، وهي خطوة يُعوّل عليها في تعزيز الصادرات الزراعية وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وصولاً إلى الإسهام في تخليص التنزانيين من براثن الفقر المدقع.


التحديات التي تواجه القطاع والتدابير اللازمة لمعالجتها


لم تتمكن تنزانيا في السابق من استغلال كامل إمكاناتها في سوق الأفوكادو. ووفقاً لداود مبونغو، الباحث في معهد البحوث الزراعية التنزاني، لم يلتزم المزارعون دائماً بالعقود المبرمة مع الشركات، بل باعوا محاصيلهم لشركات أو أفراد آخرين، مستشهدين بمخاوف تتعلق بضائقتهم المالية والمشكلات الأسرية. وفي هذا الصدد، أعلن مبونغو أن معهد البحوث الزراعية التنزاني سيعمل على توعية المزارعين من خلال معرض دار السلام التجاري الدولي، المعروف أيضاً باسم «ساباسابا»، إلى جانب البرامج الإذاعية والتلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي وفعاليات «نانِه نانِه»، وهو يوم يُحتفى فيه بمساهمات المزارعين التنزانيين. وتهدف هذه الجهود إلى تشجيع مزيد من المناطق على الانخراط في إنتاج هذا المحصول بطرق مستدامة، مع الالتزام بالمعايير المهنية. ويأتي ذلك في إطار الرهان على دور التوعية والتدريب في تحسين الإنتاج الزراعي وتعزيز فرص الحد من الفقر، على غرار ما شهدته مناطق تنزانية أخرى، مثل إمبالاموا، في مجالات مختلفة.


ويواجه ممر الصادرات التنزاني أيضاً مجموعة من التحديات المرتبطة بالقدرات الإنتاجية والتجارية، والقدرة على جذب مشروعات زراعية وتجارية قابلة للاستمرار، فضلاً عن الاحتفاظ بهذه المشروعات وتوسيع نطاقها داخل قطاع الأفوكادو. وتشمل التحديات كذلك ضعف مهارات ريادة الأعمال وصعوبة استيفاء معايير الجودة المطلوبة للمنتجات في الأسواق. ولمعالجة هذه المشكلات، تبرز الحاجة إلى إجراء تغييرات جوهرية في السياسات، بما يعزز الإنتاجية والقدرة التنافسية، ويرتقي بسلاسل القيمة، وينوّع الصادرات، ويحسّن معايير المحاصيل وجودتها.


وتُعد إدارة الجودة من أبرز التحديات التي تواجه منتجي الأفوكادو في تنزانيا، ولا سيما صغار المنتجين. وقد أدى تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة (GAP) إلى توسيع نطاق المتطلبات التي يتعين على مختلف الجهات الفاعلة في سلسلة القيمة الالتزام بها، وخصوصاً المزارعين والمنتجين الأوّليين. ويتعرف كثيرون منهم على هذه الممارسات للمرة الأولى، ويواجهون صعوبات في التكيف معها والاستفادة الكاملة من مزاياها.


يُعد صنف "فويرتي" من الأفوكادو معروفاً بقشرته الخضراء وملمسه الخشن. مصدر الصورة: Medical News Today 


كما يفتقر المزارعون الأفراد والأسر الزراعية إلى القدرات اللازمة لتطبيق هذه الممارسات، فضلاً عن صعوبة تحمّل تكاليف عمليات التفتيش السنوية المطلوبة للحصول على شهادات المطابقة. ويزيد من هذه التحديات النقص في جهات منح الشهادات المحلية، ما يضطر المنتجين في كثير من الأحيان إلى الاستعانة بجهات في البلدان المجاورة. وللتغلب على هذه العقبات، ينبغي تعزيز التنسيق بين الوزارات المعنية بالأنشطة الزراعية والتجارية، بما في ذلك وزارات الزراعة والصناعة والتجارة والاستثمار والبيئة، إلى جانب الجهات التابعة لها، مثل مكتب المعايير التنزاني (TBS)، وهيئة الغذاء والدواء التنزانية (TFDA)، وهيئة الإيرادات التنزانية. ومن شأن هذا التنسيق أن يسهم في تحسين البيئة التنظيمية وتعزيز الرقابة على الجودة.


كذلك، ينبغي استحداث أساليب مبتكرة لتعزيز القدرات الإنتاجية والتجارية للعاملين في سلسلة قيمة الأفوكادو. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توفير الإرشاد والتوجيه لرواد الأعمال، وتبسيط إجراءات فهم الشهادات التجارية ومتطلباتها، ودعم تطوير الأعمال، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتشجيع البحث والابتكار، وتعزيز التشبيك، وربط المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة بالشركات القائمة وذات الخبرة. ومن شأن هذه التدابير أن تساعد المنتجين والمشروعات الزراعية على دخول الأسواق الإقليمية والدولية، والتغلب على التحديات القائمة، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الإمكانات الاقتصادية لقطاع الأفوكادو في تنزانيا.


المستقبل أخضر


تمتلك زراعة الأفوكادو التجارية القدرة على فتح آفاق جديدة لتنويع محاصيل البستنة في تنزانيا، بما يسهم في تعزيز القيمة الاقتصادية لقطاع البستنة في البلاد. وتُعد أوروبا واحدة من أكبر الأسواق الواعدة في العالم، إذ تستحوذ على ما يقارب نصف واردات الأفوكادو العالمية.


وتُعد جنوب أفريقيا سوقاً أخرى لم تستغل تنزانيا إمكاناتها بالكامل بعد في مجال تصدير الأفوكادو. فعلى سبيل المثال، يمتد موسم الأفوكادو في جنوب أفريقيا من «منتصف فبراير إلى أواخر أكتوبر». وخلال بقية العام، تستورد جنوب أفريقيا الأفوكادو من إسبانيا. وفي حال بدأت جنوب أفريقيا استيراد الأفوكادو من تنزانيا، فمن المتوقع أن تنخفض أسعار هذه الفاكهة للمستهلكين على المدى القصير. لكن على المدى الطويل، قد تحقق هذه الخطوة نتائج إيجابية لتنزانيا، وتكون العوائد كافية لتعويض أي خسائر قد تنشأ في بداية الشراكة.


وبحسب رئيس الوزراء التنزاني السابق كاسيم ماجاليوا، فإنه بعد انتهاء المفاوضات بين البلدين، سيستفيد المزارعون التنزانيون بالطريقة نفسها التي يستفيد بها نظراؤهم في جنوب أفريقيا من استيراد التفاح، الذي أصبح متوافراً بكميات كبيرة في السوق التنزانية. وبعبارة أخرى، فإن توسيع صادرات الأفوكادو قد يسهم في زيادة أرباح المزارعين في مختلف أنحاء تنزانيا، وتعزيز الاقتصاد الوطني عموماً.


وتحظى منتجات الأفوكادو، مثل الزيت المستخلص من ثماره، بطلب كبير في الأسواق الآسيوية، ولا سيما في الصين. ومع تنامي الاهتمام بأنماط الحياة الصحية والترويج لأنماط المعيشة القائمة على المنتجات العضوية، تبدو الإمكانات المستقبلية لصناعة الأفوكادو هائلة، وقد تتجاوز التوقعات، إذا ما توفرت السياسات والتدابير المناسبة لدعم هذا القطاع وتطويره. 


كيلفن إنوسنت مسيكا

كيلفن صانع محتوى مقيم في دار السلام بتنزانيا وقد بدأ شغفه بالكتابة في سن مبكرة. عمل سابقًا كطاهٍ قبل أن يغامر في مجال العقارات. يستمتع كيلفن بإنشاء محتوى خاص بالسفر ونمط الحياة بالإضافة إلى نصائح حول علم النفس على قناته على اليوتيوب.