هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

الصور بواسطة الكاتب


يواجه النظام البيئي البحري على طول الساحل الكيني تهديداً متزايداً بسبب النفايات البلاستيكية، في وقت تعاني فيه المدن الكبرى مثل نيروبي ومومباسا من انسداد مجاري تصريف المياه، التي تنقل كميات هائلة من المخلفات إلى الأنهار ومنها إلى المحيط. وتؤكد الدراسات أن السلاحف البحرية والأسماك وأشجار المانغروف تتعرض لأضرار مباشرة جراء هذا التلوث، بينما تتكرر في المدن حالات فيضان شبكات التصريف بسبب تراكم النفايات البلاستيكية.


في مواجهة هذه الأزمة، شهدت كينيا خلال العقدين الماضيين نشوء حركات إبداعية متزايدة. فما بدأ كمبادرات فردية للبقاء في الأحياء منخفضة الدخل، تطور تدريجياً إلى اقتصاد إبداعي منظم يحظى باعتراف عالمي. واليوم، تعمل مؤسسات اجتماعية وفنانون كينيون على تحويل الشباشب البلاستيكية المستعملة، والبلاستيك أحادي الاستخدام، والنفايات العضوية إلى أعمال فنية راقية، ومنتجات استهلاكية، ومواد إنشائية.


يستعرض هذا التقرير، من منظور كلي، كيف يسهم التدوير الإبداعي في معالجة أزمة إدارة النفايات في كينيا، وتغيير نظرة المجتمع إلى المخلفات، وخلق فرص عمل، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على محدودية الاعتماد على الفن وحده لمعالجة أزمة تلوث ممنهجة تتطلب مشاركة أوسع من مختلف أصحاب المصلحة.


حجم الأزمة: عنق الزجاجة في إدارة النفايات بكينيا


وفقاً للهيئة الوطنية لإدارة البيئة، تنتج كينيا ما يُقدر بنحو 8 ملايين طن من النفايات الصلبة سنوياً. وتتحمل المدن العبء الأكبر، إذ تنتج العاصمة نيروبي وحدها نحو 2400 طن من النفايات الصلبة يومياً. ورغم هذا الحجم الهائل، فإن نحو 45% فقط من النفايات البلاستيكية في المناطق الحضرية يتم إعادة تدويرها أو إعادة استخدامها أو تحويلها إلى منتجات جديدة، بينما يخضع أقل من 10% من إجمالي النفايات الصلبة على مستوى البلاد لأي شكل من أشكال إعادة التدوير الرسمية، بحسب ما أُعلن خلال المؤتمر الحادي عشر للمحيطات الذي اختُتم مؤخراً في مدينة مومباسا.


جلسة من فعاليات المؤتمر الحادي عشر للمحيطات في مومباسا، كينيا.


وتترتب على هذا العجز آثار بيئية خطيرة، إذ تُحرق النفايات غير المجمعة في مكبات مفتوحة مثل داندورا في نيروبي وكيباراني في مومباسا، مطلقة انبعاثات ضارة في البيئة. وفي الوقت نفسه، تجرف الأنهار ملايين الأطنان من النفايات نحو البحر، حيث ينقل نهر آثي كميات كبيرة من التلوث البلاستيكي الحضري إلى المحيط الهندي. ولا يهدد هذا التدفق الحياة البحرية فحسب، بل ينعكس أيضاً سلباً على السياحة الساحلية، مما يعرّض النظم البيئية وسبل عيش المجتمعات المحلية للخطر.


ورغم أن إعادة الاستخدام الإبداعية والتدوير الصناعي يقدمان مسارين مختلفين للحد من النفايات، فإن قادة القطاع البيئي يدعون بشكل متزايد إلى إصلاحات هيكلية تُحمّل الشركات المصنعة مسؤولية منتجاتها، مع تمكين المجتمعات المحلية في الوقت نفسه. وقد شكّل هذا التوجه أحد المحاور الرئيسية للمؤتمر الحادي عشر للمحيطات في مومباسا، حيث شددت جويس غاشوجي-واويرو، الرئيسة التنفيذية لمنظمة مسؤولية منتجي مواد التغليف، على ضرورة إرساء اقتصاد دائري منظم.


قائمة المتحدثين، يتقدمهم جويس غاشوجي-واويرو، الرئيسة التنفيذية لمنظمة PAKPRO، خلال المؤتمر الحادي عشر للمحيطات.


وتُمثل المنظمة أكثر من أربعة آلاف جهة تصنيع ومالك علامات تجارية، وتتمثل مهمتها في ضمان إدارة مواد التغليف الاستهلاكية بصورة سليمة ومنع وصولها إلى النظم البيئية البحرية بعد التخلص منها. وترى غاشوجي-واويرو أن الخطاب المتعلق بالتلوث البلاستيكي في المحيطات بحاجة إلى تغيير جذري، إذ ينبغي التوقف عن النظر إلى المجتمعات الساحلية والهامشية بوصفها ضحايا ينتظرون حملات التنظيف الخارجية، والاعتراف بها بدلاً من ذلك باعتبارها القوة العاملة الأكثر قدرة وكفاءة لمعالجة المشكلة.


وقالت خلال كلمتها: "كل قطعة بلاستيك تصل إلى محيطاتنا مرت عبر أيدي شخص ما. والسؤال الذي يجب أن يبقينا مستيقظين ليس ما إذا كانت تلك الأيدي قادرة على إيقافها، بل ما إذا كنا نحن مستعدين أخيراً للاستثمار فيها."


وأضافت أن حجم الرهانات كبير للغاية، مشيرة إلى أن كينيا تنتج نحو 2400 طن من النفايات البلاستيكية يومياً، بينما يخسر الصيادون الكينيون ما يقارب 3.2 مليار شلن سنوياً بسبب التلوث البحري، دون احتساب الخسائر الغذائية والاجتماعية والثقافية المتراكمة التي تتحملها المجتمعات الساحلية.


وأوضحت غاشوجي-واويرو أن الاستجابات التقليدية، المتمثلة في وصول المنظمات لتنظيف المناطق ثم مغادرتها، أثبتت محدوديتها، لأن الأنهار تعيد حمل النفايات نفسها في الموسم التالي. فالتلوث، بحسب رأيها، لا يُهزم بحملات التنظيف وحدها، وإنما بإصلاح الأنظمة التي تنتجه، بقيادة الأشخاص الذين يعيشون داخل هذه البيئات.


ولهذا ركزت منظمة مسؤولية منتجي مواد التغليف على تحويل استعادة النفايات إلى نشاط اقتصادي مجدٍ على المستوى المحلي. فمن خلال إنشاء شبكة من الوكلاء تمتد عبر المقاطعات الكينية السبع والأربعين، تعمل المنظمة على تنظيم عمليات جمع النفايات وفرزها وتجميعها، ودمج مئات جامعي النفايات غير الرسميين في سلسلة قيمة منظمة، بما يحول العبء البيئي إلى مصدر دخل مستدام.


دراسة حالة: كيف تحول أوشن سول الأحذية إلى أعمال فنية


يُعد مشروع أوشن سول أحد أبرز نماذج هذا النظام الإبداعي المنظم، إذ يركز على إعادة تدوير الشباشب البلاستيكية، وهي من أكثر المنتجات انتشاراً وصعوبة في التحلل. وبعد التخلص منها، تحملها التيارات البحرية لتتراكم بالآلاف على سواحل شرق أفريقيا.


ويعالج المشروع هذه المشكلة عبر تنظيم حملات تنظيف للشواطئ تقودها مبادرات مجتمعية مثل أوشن ماماز. ووفقاً لجو مواكيريمبا من أوشن سول، تسهم المنظمة في تنظيف السواحل، وحماية مواقع تعشيش السلاحف، ومنع وصول نحو طن واحد من النفايات البلاستيكية إلى البيئة البحرية أسبوعياً، إلى جانب جمع وإعادة تدوير نحو 50 طناً من الشباشب سنوياً.


وأوضح مواكيريمبا خلال مقابلة أن رحلة تحويل هذه النفايات إلى منحوتات فنية تمر بعدة مراحل دقيقة. ففي كل أسبوع، تجمع الفرق الشباشب التي تقذفها الأمواج إلى الشواطئ والمجاري المائية، ثم تُغسل جيداً وتُفرز حسب اللون والكثافة استعداداً لإعادة استخدامها.


بعد ذلك، يلصق الحرفيون القطع فوق بعضها بألوان متباينة، ثم تُضغط داخل مكابس ميكانيكية لتشكيل كتل كثيفة من المطاط الصناعي. ومن هذه الكتل، ينحت الفنانون باستخدام السكاكين وأدوات النحت التقليدية أشكالاً مستوحاة من الحياة البرية الكينية، مثل الزرافات والفيلة والسلاحف البحرية. وفي المرحلة الأخيرة، تُصقل المنحوتات وتُنعّم حوافها وتُبرز طبقات الألوان الطبيعية الناتجة عن تراكم الشباشب.


ويجسد الحرفي براينت موهانجي الأثر الاجتماعي لهذا المشروع، إذ نشأ في أحد الأحياء العشوائية في نيروبي وسط دائرة من الفقر والجريمة. ويقول: "أنقذني أوشن سول من الجريمة، ومنحني مسؤولية جديدة."


واليوم، وهو أب لستة أطفال، يدافع عن الصناعات الإبداعية باعتبارها مصدر رزق حقيقي في ظل ندرة الوظائف الرسمية، مضيفاً: "ليست الوظائف الرسمية هي الطريق الوحيد عندما ترتفع معدلات البطالة. فالشغف والإخلاص للحرفة يمكن أن يفتحا أبواباً أخرى."


براينت موهانجي، أحد الحرفيين في Ocean Sole، في نيروبي.


وأشار مواكيريمبا في ختام حديثه إلى أن المؤسسة نجحت أيضاً في إغلاق دورة إنتاجها بالكامل، إذ تُفرم بقايا المطاط الناتجة عن عملية النحت وتُعاد الاستفادة منها في تصنيع فرش عازلة تُوزع على اللاجئين في شمال كينيا، في مثال عملي على تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري.


معضلة التوسع: هل يمكن للإبداع وحده حل الأزمة؟


تقدم هذه التجربة الصناعية إجابة واضحة على سؤال جوهري: هل تستطيع إعادة الاستخدام الإبداعية وحدها حل أزمة النفايات في كينيا؟


الإجابة هي: لا.


فعلى الرغم من أن مشاريع إعادة التدوير الإبداعية تؤدي دوراً مهماً في تغيير التصورات المجتمعية وجذب الاهتمام العالمي، فإن نموذج الإنتاج الحرفي لا يمكنه استيعاب آلاف الأطنان من النفايات التي تُنتج يومياً. ومن هنا، تنقل غاشوجي-واويرو مسؤولية الأزمة من الفنانين والمبادرات المحلية إلى الشركات المنتجة نفسها.


ومن خلال مطالبة أكثر من أربعة آلاف شركة ممثلة في منظمة مسؤولية منتجي مواد التغليف بتطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR)، ينتقل النقاش من الاحتفاء بالمبادرات المحلية المحدودة إلى فرض مساءلة مؤسسية إلزامية عند مصدر الإنتاج.


كومة من الشباشب البلاستيكية المستعملة داخل مقر إنتاج Ocean Sole في نيروبي.


ولمواكبة أزمة تنتج عنها ثمانية ملايين طن من النفايات سنوياً، لا بد أن تنتقل الحلول من الحرف اليدوية عالية القيمة إلى نماذج تجارية واسعة النطاق. ويُظهر نموذج منظمة مسؤولية منتجي مواد التغليف أن المحرك الحقيقي للتغيير يكمن في تحويل الجهود المجتمعية غير الرسمية إلى مشروعات قابلة للاستثمار، عبر دعم جامعي النفايات والتعاونيات الشبابية بآليات مالية رسمية مثل التقييم الائتماني، واتفاقيات شراء مضمونة، والتمويل الجماعي، بما يجعل استعادة النفايات سلسلة قيمة صناعية مستدامة.


وباختصار، فإن الفن الإبداعي يؤدي دوراً مهماً في كشف الأزمة وتحفيز المجتمع على مواجهتها، لكن البنية التحتية التجارية المنظمة والاستثمارات المؤسسية هي التي تحول هذا النجاح المحلي إلى حل وطني قابل للتوسع.


ختاماً، يبرهن نمو قطاع الفن المعاد تدويره وإعادة التدوير الإبداعية في كينيا على إمكانية تغيير نظرة المجتمع إلى النفايات، وتحويل رمز للتلوث إلى مصدر للفخر والدخل. غير أن حماية البيئة الكينية على المدى الطويل تتطلب أن تكون هذه المبادرات بوابة لتحفيز قطاعات التصنيع والسياسة والصناعة على الاستثمار في اقتصاد دائري واسع النطاق.


إدوين أوستن

إدوين أوستن صحفي ومراسل دولي كيني، معروف بسرده المؤثر الذي يجمع بين الفن والإعلام والمناصرة. بخلفية قوية في مجالات السياسة والاستدامة والدبلوماسية، يقدّم رؤى عميقة وواضحة حول القضايا المعقدة.