هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

في غرفة ضيقة بأحد أحياء كمبالا، ينعكس ضوء شاشة الحاسوب الأزرق على وجه مرتضى أحمد المنهك، بينما تفوح رائحة القهوة القديمة في الأرجاء، ممزوجةً بصوت المروحة البطيء. تحيط به دفاتر مفتوحة وأوراق متناثرة، بعضها ملطخ بالحبر، وأخرى تحمل صوراً وتقارير عن الحرب في السودان. تكسر إشعارات هاتفه الخافتة صمت الغرفة كل بضع دقائق؛ فكل رسالة تمثل قصة جديدة تنتظر التوثيق. في هذا الركن وُلدت فكرة “دروب”، منصة رقمية صمدت أمام فوضى الحرب والنسيان، معبّرة عن إرادة رجل اختار المبادرة رغم التحديات الجسدية والنفسية.


يجلس مرتضى على كرسيه الأسود، وأصابعه تضغط على مفاتيح لوحة المفاتيح الباردة وهو يكتب عن موجة نزوح جديدة في غرب كردفان. تحمل كل كلمة إحساساً عميقاً بالمسؤولية وإصراراً على كسر الصمت الذي تفرضه دوامة العنف في البلاد. يقول بصوت هادئ لكنه مشحون بالعزم: "قد أكون بعيداً جسدياً عن وطني، لكنني قريب منه بحواسي الصحفية. كل قصة أكتبها تجعلني أشعر وكأنني هناك، وسط الناس الذين يواجهون الدمار اليومي."


يجلس مرتضى على كرسيه وأصابعه تضغط على لوحة المفاتيح الباردة وهو يكتب عن موجة نزوح جديدة في غرب كردفان. تصوير المؤلف.


بين الخرطوم والزنازين: رحلة صحفي رفض الصمت


يعمل مرتضى أحمد، البالغ من العمر 36 عاماً، في الصحافة منذ عام 2013، متنقلاً بين صحف ومنصات مثل الأهرام اليوم، الراكوبة، وسكاي نيوز عربية. لم يكن طريقه سهلاً؛ فبين عامي 2013 و2023 واجه مضايقات واعتقالات وتهديدات بسبب تقارير كشفت جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان.


قبل اندلاع الحرب، تعرّض للاعتقال أربع مرات، وواجه 13 بلاغاً كيدياً، وتلقى تهديدات مستمرة بالقتل. في عام 2014، اعتُقل لأول مرة أثناء تغطيته لتظاهرة في الخرطوم. وفي العام نفسه، تم استدعاؤه من قبل وزير النفط السوداني على خلفية تقرير عن رفع دعم الوقود. استمرت الاستدعاءات القانونية، 13 قضية خلال عشر سنوات، وفي عام 2018 اعتُقل مرة أخرى مع مجموعة من الصحفيين أثناء تغطيتهم احتجاجات أمام البرلمان السوداني.


يقول مرتضى: "الوجود في الزنازين لم يكن اختباراً جسدياً فقط، بل امتحاناً للروح. كل ضربة، وكل تهديد، جعلني أرى الصحافة كواجب إنساني قبل أن تكون مهنة". زادت إعاقته الجسدية من ضعفه في ظل القمع، لكنها لم تكسر عزيمته. أضاف "جسدي محدود، لكن عقلي بلا حدود. وهذا ما يجعل الصحافة مسؤولية تجاه من لا صوت لهم."


وفقاً لأمانة حرية الصحفيين في بداية عام 2025، تم توثيق أكثر من 110 انتهاكات ضد الصحفيين خلال العام الماضي وحده. ومنذ اندلاع الحرب في السودان، سُجّل أكثر من 520 حادثة، من بينها 77 تهديداً مباشراً، 32 منها استهدفت صحفيات. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل إنها تعكس واقع الصحفيين الذين يواجهون مخاطر يومية، وغالباً ما يكونون عالقين بين الانتهاكات والخوف من الموت أو السجن.


المنفى كمساحة للحرية والعمل المستقل


مع اندلاع الحرب، أصبح العمل كصحفي داخل السودان شبه مستحيل. اضطر مرتضى إلى الفرار إلى كمبالا، حيث تحوّل المنفى إلى مساحة جديدة للحرية والعمل المستقل. هناك أسّس منصة "دروب" لتغطية الحرب والنزوح وانتهاكات حقوق الإنسان، محوّلاً غرفته الصغيرة إلى مركز إعلامي مصغّر للكتابة والتحرير والنشر والتوثيق، بينما تمتزج أصوات المروحة وإشعارات الهاتف ونقرات لوحة المفاتيح بإيقاع يومه.


حول مرتضى غرفته الصغيرة إلى مركز إعلامي مصغّر للكتابة والتحرير والنشر والتوثيق. تصوير المؤلف.


يقول أحد المتابعين من غرب كردفان (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية): "ننتظر دائماً تقارير دروب. ينشرون ما لا تستطيع وسائل الإعلام الأخرى الوصول إليه. إنها نافذتنا إلى الحقيقة في كردفان بعد اختفاء معظم المنصات الإعلامية."


وتضيف اللاجئة السودانية سارة آدم في معسكر كيرياندونغو: "قصص دروب جعلتني أشعر بأنني ما زلت متصلة بالسودان، وفهمت الحرب من خلال أصوات الناس الذين يعيشونها فعلياً."


التطوع والاستقلالية: مقاومة بلا تمويل


على عكس العديد من المنصات في المنفى، تعمل "دروب" بالكامل على أساس تطوعي دون دعم مؤسسي أو تمويل خارجي. يوضح مرتضى: "أسست المنصة بشكل تطوعي لأننا نؤمن أن الصحافة يجب أن تبقى بعيدة عن السيطرة السياسية والمالية. المنصة شكل من أشكال المقاومة."


يدير المنصة يومياً، معتمداً على مساعدة متقطعة من زملاء لسد الفجوة المعلوماتية التي خلّفها انهيار القطاع الإعلامي في السودان. وسط حرارة الغرفة، وأزيز المروحة، وإشعارات الهاتف المتواصلة، يجد مرتضى دافعاً للاستمرار رغم الإرهاق الجسدي والنفسي.


الصحافة كسلاح ضد النسيان


تجري "دروب" تحققاً يومياً من الشائعات المرتبطة بالنزوح والنزاعات المحلية، وتحذّر المجتمعات من الانخراط في خطاب الكراهية أو انتشار الأمراض قبل أن تتمكن وسائل الإعلام التقليدية من تغطيتها، مع تركيز خاص على المناطق المهمّشة التي تفتقر تماماً إلى تغطية مستقلة.


حصل مرتضى على جائزة CFI (الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام) لأفضل تغطية للحرب، تقديراً لالتزامه بالاستقلالية والحقيقة. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة: ارتفاع تكلفة الإنترنت، انقطاع الكهرباء، التضليل الإعلامي، صعوبة التواصل مع المصادر، والتهديدات الأمنية.


أسّس مرتضى منصة "دروب" لتغطية الحرب والنزوح وانتهاكات حقوق الإنسان لنشر الحقيقة. مصدر الصورة: مرتضى أحمد.


يقول: "أحياناً أنتظر أياماً وأنا أحدّق في هاتفي، منتظراً أن يعيد أحد المصادر في جنوب كردفان خدمة ستارلينك حتى أتمكن من كتابة قصة كان يمكن أن تُدفن لولا ذلك."


تستقطب المنصة ما بين 20 إلى 25 ألف قارئ يومياً عبر موقعها الإلكتروني وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك قناة نشطة على يوتيوب تنشر تقارير قصيرة ومقابلات وتحليلات وأخباراً. وفي المناطق ذات الإنترنت الضعيف مثل كردفان ودارفور والنيل الأزرق، تعتمد "دروب" على شبكات واتساب وتلغرام، حيث يعيد المتطوعون والقراء توزيع الروابط والمقاطع الصوتية يدوياً لضمان وصول المعلومات إلى المجتمعات رغم تحديات الاتصال.


ورغم توسعها، لا تزال المخاطر قائمة. تلقى مرتضى تحذيرات متكررة من جهات أمنية سودانية وأشخاص مجهولين بسبب تقاريره حول الانتهاكات. كما تعرّضت صفحات المنصة للاختراق مراراً، ما اضطر الفريق لاستخدام روابط بديلة. وتلقى كذلك تهديدات مباشرة بالقتل عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي حتى وقت إعداد هذا التقرير.


الإعاقة كعدسة… والرؤية كقوة


لم يرَ مرتضى أحمد إعاقته يوماً كقيد، بل اعتبرها عدسة يرى بها العالم بصدق أكبر، ودافعاً لكتابة ما يعجز الآخرون عن قوله.


"أكتب عن المهمّشين بطريقة مختلفة لأنني أنتمي إليهم معنىً لا شكلاً فقط."


كل اعتقال وكل تهديد زاد من إصراره على قول الحقيقة. ومن خلال "دروب"، يواصل تثبيت حضوره في الإعلام السوداني، صانعاً مساحة للكرامة في زمن تتلاشى فيه القيم والحدود.


لم يرَ مرتضى أحمد إعاقته يوماً كقيد، بل اعتبرها عدسة يرى بها العالم بصدق أكبر. تصوير المؤلف.


يقول المتدرب في المنصة محمد أحمد: "مرتضى يعلّمنا كيف نعيش الصحافة، لا أن نمارسها فقط. رؤيته، وعمله رغم الإعاقة والمنفى، تجعلنا ندرك أن الصحافة أكثر من مهنة. إنها رسالة مقدسة."


في اليوم الأخير قبل إعداد تقرير، جلس مرتضى على شرفته، يستشعر نسيم المساء يتسلل إلى الغرفة الضيقة، ويصغي إلى أصوات الشارع البعيدة، ويتأمل الأفق فوق كمبالا. يقول: "المنفى مساحة جديدة لاكتشاف أساليب التعبير. الصحافة وسيلة للبقاء الإنساني قبل أن تكون مهنة. ما دام هناك ظلم، سيكون هناك من يكتب ضده."


غرفته الصغيرة، ودفاتره، وحاسوبه المحمول، جميعها تقف شاهدة على أن الإصرار قادر على أن يصنع صوتاً وسط الصمت، وأن المنفى قد يكون بداية لحرية جديدة.


محمد ود الساك

محمد ود الساك صحفي سوداني ومقدّم برامج ومنتج ثقافي، يقيم حاليًا لاجئًا في أوغندا. يعمل عند تقاطع السرد البصري والتفاعل المجتمعي. أنجز أعمالًا توثّق تجارب اللاجئين السودانيين والشباب والذاكرة الثقافية، وكتب مواد صحفية إنسانية تناولت قضايا الصراع والفن والاقتصاد والمجتمع في السودان.