خلال احتفالات يوم ماداراكا لعام 2026 في كينيا، حظي الكينيون بمشهد نادر، حيث قدّم طلاب من مناطق مختلفة في مقاطعة واجير رقصات وأغانٍ من الثقافة الصومالية. وكانت هذه المرة الأولى في تاريخ كينيا التي تُقام فيها الاحتفالات في هذه المقاطعة. كما كانت المرة الأولى التي يتعرّف فيها عدد كبير من الكينيين على مقاطعة واجير والثقافة الصومالية بعيداً عن إيستلي وبعيداً عن الصور النمطية الشائعة.
في كينيا، يُعرف المجتمع الصومالي في الغالب بمهاراته في مجال الأعمال، وأصبح اسمه مرتبطاً بمنطقة إيستلي، حيث يمارس معظم أفراده أنشطتهم التجارية. وإيستلي هي إحدى المناطق الواقعة في أطراف العاصمة نيروبي، وهي موطن للصوماليين من أصول كينية، إلى جانب عدد كبير من اللاجئين الذين أسهموا معاً في بناء محرك اقتصادي وفّر مصدراً لكسب العيش للعديد من الأسر. يشكّل الأشخاص من أصول صومالية غالبية سكان إيستلي، ولهذا السبب أطلق عليها عالم الأنثروبولوجيا البريطاني نيل كارير لقب "مقديشو الصغيرة". ومع ذلك، لا يقتصر وجود الصوماليين في كينيا على إيستلي، بل ينتشرون في مختلف أنحاء البلاد. وفي الآونة الأخيرة، ظهرت جهود من داخل المجتمع الصومالي وخارجه للتعريف بنمط الحياة الصومالي على نطاق أوسع. وتأتي هذه الجهود من أفراد ومن المجتمع ككل، وربما بهدف تسليط الضوء على مجتمع لطالما أسيء فهمه.

تُعد إيستلي واحدة من أكثر المراكز التجارية نشاطاً في شرق أفريقيا. حقوق الصورة: رويترز / توماس موكويا.
الثقافة والهوية والانتماء
في مقال كتبه عيسى حسين ونشرته صحيفة إيستلي فويس، وهي صحيفة تركز بشكل رئيسي على القضايا المتعلقة بالصوماليين، يذكر الكاتب كيف بدأت قرية بولا أدي، وهي قرية صغيرة غير معروفة في مقاطعة غاريسا، في استقبال السياح عام 2025، بهدف إتاحة الفرصة لهم للتعرف على الحياة البرية وكرم الضيافة، وتجربة جانب من الثقافة الصومالية التي كانوا يربطونها في السابق بإيستلي فقط. وقال زوار تحدثوا إلى الصحيفة إنهم خاضوا تجربة مغايرة للصور النمطية الشائعة وللفهم المحدود للمجتمع. ومن المبادرات الأخرى منظمة مجتمعية في إيستلي تُعرف باسم هورسيد. تأسست المجموعة في مايو 2018 بهدف الحفاظ على الثقافة الصومالية الغنية والحيوية وتعليمها والاحتفاء بها.
وفي مقابلة مع صحيفة إيستلي فويس، أوضح الشريك المؤسس محمد أمين عبد الرحمن أن مهمة المجموعة تتمثل في إلهام الشباب الصومالي للحفاظ على ثقافتهم والتمسك بها. وتضم عضوية المجموعة رجالًا ونساءً تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً. في البداية، كانت المجموعة تجتمع يومياً في قاعة إيستلي الاجتماعية لإجراء التدريبات، إلى جانب التدريب على تطوير المهارات في تحرير الفيديو والتصميم الجرافيكي. ومع مرور الوقت، افتتحت المجموعة فرعاً مماثلاً في مقاطعة واجير.
ولا يقتصر الاحتفاء بالثقافة الصومالية على إيستلي أو مقاطعات شمال شرق كينيا وحدها. ففي عام 2025، استضاف مركز تو ريفرز التجاري في نيروبي المهرجان الصومالي الثقافي السنوي الثالث. وكانت هذه فرصة مثالية لأشخاص من ثقافات مختلفة في كينيا للتعرف عن قرب على نمط الحياة الصومالي. كما خلق الصوماليون شعوراً بالانتماء والملكية الثقافية من خلال خوض مجالات مثل الكوميديا.
ومن بين الكوميديين الصوماليين المعروفين نصرة يوسف، التي صنعت التاريخ باعتبارها أول كوميدية صومالية في كينيا. وتوظف نصرة في أسلوبها الكوميدي الكثير من عناصر الثقافة الصومالية، وتستخدم كوميديتها بين الحين والآخر للتطرق إلى الصور النمطية التي يواجهها المجتمع وتفنيدها. لكن نصرة ليست الوحيدة التي تستخدم الكوميديا لتسليط الضوء على المجتمع الصومالي. ففي مقال نشرته صحيفة إيستلي فويس عام 2024، وصف الكاتب عبد الرحمن خليفة نوعًا من الكوميديا اشتهر بين السكان باسم كوميديا «سوجو». وكتب خليفة أن كوميديا سوجو هي عبارة عن مشاهد تمثيلية يقدمها شبان صوماليون كينيون لا يجيد معظمهم اللغة الصومالية بطلاقة. ومن خلال هذه المشاهد، يحتفي الصوماليون بعناصر من ثقافتهم ونمط حياتهم، ويعبّرون عن تقديرهم لها.

مهرجان ثقافي سنوي يحتفي بالتراث الصومالي. المصدر: منظمو المهرجان الثقافي الصومالي.
روح الوحدة والتكاتف
في حين تحافظ هذه الأنواع من المبادرات على التراث وتعزز الشعور بالفخر، فإن روح المسؤولية الجماعية هذه تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من خشبة المسرح. فهي، في الواقع، تشكل الأساس للقوة الاقتصادية للمجتمع. ومن أكثر السمات التي تحظى بإعجاب المجتمع الصومالي، والتي ظل كثيرون يتساءلون بشأنها، الطريقة التي يحقق بها المجتمع الثروة. ووفقًا لعبد النور علي مهدي، تكمن الإجابة عن هذا السؤال في ثقافة التكاتف والوحدة لدى الصوماليين، والتي تمثل ركيزة مهمة من ركائز الحياة المجتمعية.
علي مهدي واحد من بين العديد من الشباب الصوماليين الذين تمكنوا، من خلال التعليم، من تحقيق إنجازات كبيرة ووضعوا مجتمعهم على الخريطة. وهو متخصص في تكنولوجيا التعليم، وصاحب فكرة تطبيق M-Lugha، وهو تطبيق يترجم المناهج الدراسية إلى اللغات المحلية، بما فيها اللغة الصومالية، للأطفال في شمال شرق كينيا الذين يواجهون حواجز لغوية.
وخلال ظهوره على قناة الشخصية التلفزيونية السابقة الدكتور كينغوري على يوتيوب، شرح علي مهدي النظام المجتمعي لدى الصوماليين وكيف يستخدمونه لدعم بعضهم بعضًا. فعلى سبيل المثال، أوضح خلال المقابلة أن مسؤولية كل فرد صومالي يحقق تقدمًا في حياته تتمثل في مد يد العون إلى من هم خلفه في عائلته أو عشيرته. كما أوضح علي مهدي أن لدى الصوماليين طرقًا لإقراض بعضهم بعضًا المال، واستخدام المجتمع أو العشيرة كضامن، بحيث إنه حتى إذا عجز المدين عن سداد القرض، تتدخل العشيرة لسداد المبلغ للدائن. ومن هنا يستمد نظام الحوالة جذوره، وهو نظام قائم على الثقة يساعد الأفراد على تحويل الأموال من شخص إلى آخر دون استخدام بنك.
وقد أصبح نظام الحوالة، إلى جانب الإقراض والاقتراض القائمين على الثقة، وسيلة مهمة للتغلب على العقبات، ولا سيما بالنسبة للاجئين الذين قد يرغبون في دخول مجال الأعمال، لكنهم لا يزالون يفتقرون إلى الوثائق اللازمة، وبالتالي يجدون أنفسهم محرومين من الوصول إلى المؤسسات المالية. وتطابقت إجابته مع ما ذكرته النائبة المعينة أمل خير هارون في مقابلة مع إذاعة Spice FM. وأوضحت هارون أن الصوماليين يجمعون الموارد معًا من خلال روابط الزواج والعشيرة والأسرة. وفي الحالات التي يصعب فيها الوصول إلى القروض والخدمات المصرفية بسبب نقص الوثائق، يعتمد الصوماليون على شبكات الحوالة، وهي نظام لتحويل الأموال قائم على الثقة وتُنظمه المساءلة العشائرية.

يساعد خبير تكنولوجيا التعليم عبد النور علي مهدي في تذليل حواجز اللغة في تطبيق M-Lugha. المصدر: عبد النور
التعليم كأداة للتمكين
في حين كان الابتكار إحدى الطرق التي استخدمها الصوماليون لمواجهة التحديات التي يواجهونها، فقد اعتمد عدد كبير منهم أيضًا على التعليم. مثّل عدن دواله دائرة غاريسا تاونشيب في الجمعية الوطنية لأربع دورات متتالية، قبل أن يتدرج في الحكومة ليصل إلى منصبه الحالي وزيراً للصحة.
أما أمينة محمد، وهي وزيرة سابقة تولت حقائب الرياضة والتعليم والشؤون الخارجية، وكانت في وقت من الأوقات مرشحة كينيا لرئاسة مفوضية الاتحاد الأفريقي، فتحمل درجة الماجستير في القانون من جامعة كييف، وغالبًا ما تعزو نجاحها إلى إصرار والديها على الحصول على تعليم جيد.
أما أحمد نصير عبد الله، الذي شغل سابقًا منصب عميد كلية القانون في جامعة نيروبي، فيمتلك الآن مكتب المحاماة الخاص به، كما شارك في تأسيس بنك بريمير (الصومال). وهذه مجرد أمثلة قليلة من الأسماء. كما استفاد المجتمع من الجهود التي بذلتها الحكومة لتحقيق تكافؤ الفرص لهم. فعلى سبيل المثال، أشادت هارون، في المقابلة مع إذاعة Spice FM، بصندوق المعادلة الذي أُقر بموجب دستور عام 2010، والذي وجّه، وفقاً لها، الموارد إلى المناطق المهمشة مثل شمال كينيا، حيث تعيش نسبة كبيرة من السكان الصوماليين. ومع ذلك، وبينما تسلط هذه الشبكات المالية المبتكرة وقصص النجاح الفردية الضوء على روح قوية من الصمود، فإنها تمثل أيضاً حلولاً بديلة حيوية للتغلب على العقبات النظامية.
الطريق لا يزال طويلاً
بالنسبة إلى اللاجئين على وجه الخصوص، لم تختفِ الأجزاء الأكثر صعوبة من الحياة، ولا سيما بسبب التحديات المتعلقة بالحصول على الوثائق الرسمية اللازمة، وهو ما يحرمهم لاحقاً من الوصول إلى خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم. ومع ذلك، ففي أماكن مثل إيستلي، افتتح صوماليون من أصول كينية تلقوا تعليماً جيداً عيادات تقدم خدماتها حتى للاجئين الذين يفتقرون إلى وثائق الهوية اللازمة.

تواصل المجتمعات في داداب والمناطق المحيطة بها بناء سبل عيشها. (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين - صامويل أوتيينو)
لكن العديد من التحديات لا تزال قائمة رغم الابتكار والروابط المجتمعية الوثيقة. وقد حاولت الحكومة وضع تدابير للمساعدة على دمج اللاجئين في المجتمع الكيني بوتيرة أسرع. ومن بين هذه الخطط خطة شريكة (Shirika). وعلى الرغم من الفوائد المقترحة لهذه الخطة، لا يزال اللاجئون متشككين بشأنها، ويتساءلون عما إذا كانت ستُحدث تغييراً حقيقياً.
كما لا يزال الصوماليون من أصول كينية يواجهون التهميش، ولا سيما في المنطقة الشمالية الشرقية من كينيا، حيث كان التطور بطيئاً، فضلاً عن تعرضهم لصور نمطية ضارة، مثل تلك التي تربطهم بالإرهاب. ومع ذلك، فإن قصة المجتمع الصومالي تتجاوز بكثير الصور النمطية والتهميش؛ فهي قصة صمود وحياة جماعية تقوم على مبادئ وقيم راسخة منذ زمن طويل، تنتقل من جيل إلى آخر.