هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

منذ فجر التاريخ، ارتبط الجسد الإنساني بالرموز والمعاني التي تتجاوز حدوده البيولوجية لتصبح تعبيراً عن الهوية والانتماء والجمال. فقد شكّلت الممارسات الجسدية في مختلف الثقافات، مثل الوشم والندوب والتزيين، جزءاً أصيلاً من الطقوس الاجتماعية والدينية والجمالية. وفي السودان، برزت ظاهرتان بارزتان في هذا السياق: الشلوخ ودق الشلوفة (الشفاه)، وهما علامتان جسديتان حفرتا مكانتهما العميقة في الذاكرة الشعبية، حيث كانتا تمثلان معياراً للجمال، ورمزاً للهوية والانتماء القبلي، بل وأحياناً وسيلة للحماية الروحية من قوى الشر بحسب المعتقدات القديمة.


الشلوخ كانت تمثل معياراً للجمال ورمزاً للهوية والانتماء القبلي. المصدر: صحيفة العرب


إن دراسة هذه الطقوس ليست مجرد توثيق لعادة مندثرة، بل هي محاولة لفهم التحولات الثقافية والاجتماعية العميقة التي عاشها المجتمع السوداني، من التمسك بالتراث والرمزية إلى الانفتاح على معايير جمالية وصحية جديدة فرضها التعليم والعولمة والتمدن. كما أن لهذه الظواهر بعداً أنثروبولوجياً يتيح مقارنتها بممارسات مشابهة في مجتمعات أفريقية أخرى، فضلاً عن بعدها الجندري الذي يكشف كيف شكّل الجسد الأنثوي والذكري ساحة للتعبير عن قيم المجتمع وأدواره.


دق الشلوفة هي عادة سودانية جمالية قديمة. المصدر: Africa 101 Last Tribes


الجذور التاريخية والجمالية


البدايات والرمزية


تُعد الشلوخ ودق الشلوفة من أقدم الممارسات الجمالية والاجتماعية التي عرفها السودان، إذ تشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أن بداياتها تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وتحديداً إلى ما يقارب القرن الخامس الميلادي، حين كانت ممالك النوبة ومروي تمارس أشكالاً من التزيين الجسدي عبر الوشم والندوب كجزء من الطقوس الدينية والاجتماعية. وقد استمرت هذه العادات في الانتشار حتى القرن التاسع عشر، حيث أصبحت أكثر وضوحاً وتمايزاً في مناطق السودان المختلفة، خاصة مع تعمّق الهويات القبلية.


في تلك الحقبة، لم تكن الشلوخ مجرد خطوط محفورة على الوجه، بل كانت بطاقة تعريف اجتماعية وثقافية. إذ كان شكلها وموقعها يختلفان من قبيلة إلى أخرى: فقبيلة الجعليين مثلاً عُرفت بالخطوط العمودية الثلاثة على الخدين، بينما فضلت بعض قبائل النوبة الرسوم الأفقية أو المتقاطعة. وتشير بعض الإحصاءات غير الرسمية إلى أن ما يزيد على 70% من النساء في شمال السودان حتى منتصف القرن العشرين كن يحملن هذه العلامات على وجوههن، في حين لم تكن نسبتها لدى الرجال تتجاوز 40% بسبب تغير معايير الرجولة والشجاعة مع مرور الزمن.


أما من الناحية الرمزية، فقد ارتبطت الشلوخ ودق الشلوفة بأبعاد متعددة: فهي أولاً تعبير عن الجمال، حيث كان الوجه المشلوخ أو الشفاه المزينة باللون الداكن يعدّ أكثر جاذبية. وهي ثانياً رمز للانتماء القبلي الذي يميز الفرد وسط الجماعة، وثالثاً وسيلة للحماية من الأرواح الشريرة بحسب المعتقدات القديمة. وفي السياق نفسه، عُدّ دق الشلوفة طقساً نسائياً بامتياز؛ إذ كان إجراؤه للفتيات يتزامن غالباً مع مرحلة البلوغ كإشارة إلى اكتمال الأنوثة واستعدادها للزواج. وبالنسبة لدق الشلوفة فقد اختلفت أنماطه بين المجتمعات، إذ قد تُدَق الشلوفة السفلى فقط في بعض المناطق، بينما في مناطق أخرى تُدق الشلوفة العليا والسفلى معاً لإبراز جمالية الفم وإضفاء رمزية أكبر على اكتمال ملامح الأنوثة.


أنواع وأشكال الشلوخ


تعددت أنماط الشلوخ باختلاف القبائل والمناطق، وتنوّعت بين الرجال والنساء، كما حملت دلالات جمالية واجتماعية ودينية:


أولاً: الشلوخ عند الرجال


  1. ∙ المطارق: ثلاثة خطوط عمودية رأسية على جانبي الخدين. عُرفت بها قبائل الجعليين والعبدلاب، وسُمّيت أيضاً "مطارق الشيخ" لارتباطها بأتباع الشيخ إدريس ود الأرباب.
  2. ∙ درب الطير (أو عكاز ود حسونة): على شكل الحرف (T) الإنجليزي، بخط عمودي يتقاطع مع خط أفقي قصير. اشتهر في مناطق أم ضوا بان، وكان علامة على القوة والانتماء الديني.
  3. ∙ النقرابي: شلوخ تشبه الصليب (✚)، بخط عمودي يتوسطه خط أفقي، انتشرت بين بعض قبائل وادي النيل.
  4. ∙ الشلوخ الشايقية: ثلاثة خطوط أفقية متوازية تمتد من جانب الفم حتى نهاية الخد، وأحياناً أربعة. عُرف بها رجال ونساء الشايقية على حد سواء.
  5. ∙ شلوخ العرج : على شكل الرقم (7) أو (8) أو الحرف (N)، ارتبطت بأتباع الشيخ مصطفى الفادني، وسادت في منطقة البطانة.


شلوخ درب الطير التي كانت علامة على القوة والانتماء الديني. المصدر: الجريدة


ثانياً: الشلوخ عند النساء


  1. ∙ المطارق النسائية: مثل المطارق الرجالية، لكنها أكثر دقة وجمالية، وغالباً تُصبغ باللون الأخضر أو الأسود لتضفي بهاءً على الوجه.
  2. ∙ المطارق مع العارض: ثلاثة خطوط رأسية يتوسطها خط أفقي (أو أكثر)، فتبدو مثل السلم. يُسمى هذا النوع أحياناً "وجع القليب".
  3. ∙ الرشيم: خط قصير مائل يُرسم بعناية على الخدين، يشبه الحرف (T) الصغير. كان من أكثر الشلوخ النسائية جاذبية وجمالاً.
  4. ∙ درب الطير النسائي: يوضع بعناية بخط قصير في منتصف الخد، مشابه لما عند الرجال لكن أكثر نعومة.


ثالثاً: الشلوخ العلاجية (الفصود)


استُخدمت لأغراض طبية مثل علاج أمراض العيون (بوضع شقوق صغيرة قرب المداغات على جانبي العين)، أو لعلاج الصداع (فصدات على الرأس)، أو أمراض البطن.

مع مرور الزمن، تحولت بعض هذه العلامات إلى مظهر جمالي وزينة إضافية، خاصة عند النساء.

أما الشلوخ في جبال النوبة اشتهرت بتنوعها الكبير، حيث كانت تُستخدم لتمييز الانتماء القبلي وسط عشرات المجموعات العرقية.

عند النساء النوبيات، انتشرت الشلوخ القصيرة على جانبي الوجه أو على الذراعين والبطن، وكانت تُعتبر دليلاً على الجمال والأنوثة، إضافةً إلى كونها علامة للتمايز القبلي.


تختلف الشلوخ باختلاف القبائل السودانية. المصدر: إريك لافورج


طقوس الممارسة: من الشلوخ إلى دق الشلوفة


كانت ممارسة الشلوخ في السودان تتم عبر طقوس دقيقة تحمل طابعاً احتفالياً واجتماعياً. تبدأ العملية باستخدام أدوات بدائية مثل الموس الحاد أو السكين الصغيرة، حيث يُرسم النمط المطلوب على الوجه ثم يُنفّذ الشق وفقاً للتقليد المتعارف عليه داخل القبيلة. غالباً ما كان ذلك يتم في سن الطفولة المبكرة، ما بين 7 و10 سنوات، لضمان التئام الجرح بشكل أفضل، ولإدماج الطفل منذ الصغر في هوية الجماعة.


لم تكن العملية مجرد فعل جسدي، بل طقس اجتماعي يُشارك فيه الأهل والجيران. كانت تُنشد الأهازيج وتُقدَّم التهاني بعد اكتمال التشليخ، حيث يُنظر إلى الطفل الذي تحمّل الألم على أنه بلغ درجة من القوة والشجاعة تؤهله للانتماء الحقيقي إلى قبيلته.


أما من الناحية الجندرية، فقد حملت الممارسة دلالات مختلفة بين الرجال والنساء. بالنسبة للنساء، كان التشليخ معياراً للجمال لا غنى عنه، إذ تُرفض الفتاة غير المشلّخة في بعض المجتمعات القبلية من الزواج، أو تُعتبر أقل منزلة من غيرها. أما بالنسبة للرجال، فكان يُنظر إلى الشلوخ كرمز للشجاعة والرجولة، لكنه بدأ بالانحسار بينهم أسرع من النساء مع منتصف القرن العشرين نتيجة لتغير معايير الرجولة الحديثة.


وتصف بعض الشهادات الحية التجربة بأنها امتحان للتحمل: إذ تروي امرأة ستينية أنها أصيبت بالحمى عدة أيام بعد التشليخ، لكنها اعتُبرت بعد ذلك مكتملة الأنوثة ومهيأة للزواج والإنجاب، ما يعكس البعد الاجتماعي والإنساني العميق وراء هذه الممارسة.


على غرار الشلوخ، كانت دق الشلوفة تمثل طقساً جمالياً واجتماعياً مميزاً في المجتمع السوداني، لكنه اقتصر بشكل أساسي على النساء. تبدأ العملية بثقب الشفة السفلى باستخدام إبرة أو أداة حادة صغيرة، ثم يُغرس في مكان الثقب مسحوق أسود يعرف باسم الآتي وهو مزيج من السخام وبعض النباتات المحلية، ليمنح الشفة لوناً داكناً دائماً. وغالباً ما كانت هذه العملية تُجرى للفتيات في مرحلة المراهقة، تحديداً ما بين 12 و15 سنة، باعتبارها رمزاً لاكتمال الأنوثة وتهيئة للزواج.


كان دق الشلوفة مناسبة اجتماعية لا تقل احتفالية عن الشلوخ؛ إذ تُصاحبها أهازيج نسائية، وغالباً ما تُذبح الذبائح احتفاءً بالفتيات اللاتي أُنجزت لهن العملية. وتُذكر بعض الشهادات الشفاهية أن الفتاة التي تُدق لها الشلوفة كانت تُغنى لها الأغاني الشعبية وتُمدح بجمالها الجديد، ليصبح لون شفتيها علامة تمييز بين قريناتها.


يحمل هذا الطقس بعداً جندرياً واضحاً؛ فبينما ارتبطت الشلوخ بالرجال والنساء على حد سواء، ظل دق الشلوفة طقساً نسائياً خالصاً، يُعتبر فيه اللون الداكن للشفة علامة جاذبية كبرى. بل إن بعض المجتمعات كانت ترى أن الفتاة غير المشلّخة أو غير مُشلوفة  لا تكتمل أنوثتها، وقد تواجه صعوبة في الزواج، ما يعكس مكانة هذه العلامة في معايير الجمال التقليدية.

ورغم الألم الحاد الناتج عن دق الشلوفة  حيث يتطلب الثقب أياماً من التورم والنزيف  كانت الفتيات يتباهين بتحمل العملية باعتبارها دليلاً على صلابتهن وقدرتهن على مواجهة مصاعب الحياة الزوجية والأمومة مستقبلاً. هكذا تحول الجسد إلى ساحة تُنقش عليها قيم المجتمع وتُختبر عبرها معايير القوة والجمال.


الذاكرة الشعبية والمقارنات الأفريقية


في ذاكرة السودانيين، تُعتبر الشلوخ ودق الشلوفة أكثر من مجرد مظهر خارجي؛ بل هي محاور لحكايات الطفولة والمقاومة والهوية. تقول زينب، امرأة عمرها حوالي 60 عاماً، إنها خضعت لعملية الشلوخ في سن سبع سنوات ونصف، ولا تزال تتذكر تفاصيل الألم، وكيف أن العملية تمت بموس بعد دهن الوجه بمادة جيرية للتعقيم، وقُطّع الوجه إلى ثلاثة خطوط طولية من أسفل العين إلى الذقن، وهو النمط المعروف لدى قبيلة الدناقلة. لكنها تؤكد أنهم لم يسمعوا بأحد مات بسبب الشلوخ .


تُضيف زينب أن المجتمع كان يُعطي للشلوخ مزايا اجتماعية، فالمشلّخة تُعامل بأنوثة كاملة، ويُغنى لها الأشعار وتُعتبر ذات شرف واسم في القبيلة، بينما المرأة التي لا تحمل هذه العلامات كانت تُسمى محلياً المرهاة وتُوضع في مكانة اجتماعية أدنى . كما أن اختلاف أنماط الشلوخ مكّن الناس من معرفة قبيلة الشخص بمجرد النظر إليه، ما جعلها وسيلة قوية للتمايز القبلي. ومع مرور الزمن، بدأت هذه الطقوس بالاندثار، واقتصرت ممارستها على المناطق الريفية النائية.


ولم تكن هذه الممارسات حكراً على السودان، بل تشترك فيها مجتمعات أفريقية أخرى. ففي قبائل المورسي والسوري بإثيوبيا، تُمارس عادة تثقيب الشفاه وتوسيعها باستخدام ألواح الطين أو الخشب، وهي ممارسة تبدأ عادة عند الفتيات في سن 15-16 عاماً كرمز للجمال وشرط للزواج. كذلك توجد ممارسات مشابهة لدى قبائل في جنوب السودان مثل Toposa وKichepo، لكنها آخذة في التراجع بفعل التغيرات الاجتماعية والتأثيرات الخارجية.


ورغم اختلاف التفاصيل، فإن القاسم المشترك بين هذه الممارسات هو البعد الرمزي المرتبط بالهوية والجمال، حيث يُنظر إلى الألم والتحمل باعتباره جزءاً من إثبات النضج والشجاعة، وهو ما يتوافق مع روايات النساء السودانيات عن معاناة ما بعد الشلوخ. أما الفروق فتكمن في الرمزية: ففي إثيوبيا ترتبط اللوحات بالجمال والمهور، بينما في السودان تجمع الشلوخ بين الجمال، الهوية القبلية، والحماية من الأرواح الشريرة.


نساء قبيلة المرسي يضعن الأقراص في شفاههن السفلية، وكلما كبر حجم القرص زاد جمال المرأة وزادت فرصتها في الزواج. المصدر: فيسبوك


التحولات والاندثار


بداية التراجع وتغير المعايير


مع منتصف القرن العشرين، بدأت ظاهرتا الشلوخ ودق الشلوفة في الانحسار التدريجي بعد أن ظلتا لعقود طويلة من أبرز علامات الجمال والهوية في السودان. فقد أدت التحولات الاجتماعية الكبرى إلى إعادة تشكيل الذائقة الجمالية، إذ لم تعد الفتاة المشلّخة أو المشلوفة تحظى بنفس المكانة التي كانت تتمتع بها في الماضي. بل على العكس، أصبحت هذه العلامات تُنظر إليها أحياناً كتشويه للوجه، خاصة مع انتشار الصور والنماذج الجمالية العالمية عبر الإعلام والتعليم الحديث.


تؤكد بعض الدراسات أن التراجع بدأ بوضوح في المدن الكبرى مثل الخرطوم وأم درمان منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث لعب التعليم والتمدن دوراً أساسياً في تغيير قناعات الأجيال الشابة. ومع بداية التسعينيات، كانت غالبية الأسر المتعلمة قد هجرت هذه الطقوس نهائياً، معتبرة إياها من مخلفات الماضي. وفي المقابل، استمر وجودها في القرى والأرياف النائية حيث ظل تأثير الإعلام والتعليم أقل وضوحاً.


وإلى جانب التعليم، ساهمت الهجرة الداخلية والخارجية في تسريع الانحسار، إذ حمل السودانيون الذين استقروا في المدن أو الخارج صورة جديدة عن الجمال أكثر انسجاماً مع المعايير الحديثة. كما أن تحذيرات الأطباء من المخاطر الصحية مثل العدوى والنزيف ساهمت في إقناع كثير من الأسر بالتخلي عن هذه الممارسات. وهكذا، تحول ما كان في السابق رمزاً للفخر والانتماء إلى عبء اجتماعي ونفسي لدى بعض الأفراد، خاصة الأجيال الشابة.


وإلى جانب كل ذلك، فقد واجهت هذه الممارسات ضغطاً اجتماعياً متزايداً، حيث أصبح من يُمارسها عُرضة للانتقاد أو السخرية أحياناً في البيئات الحضرية. ومع مرور الوقت، أصبح التوتر بين قيمتها التراثية وخطورتها الصحية هو السمة الأبرز في الجدل الدائر حولها، مما دفع بالمجتمع إلى التخلي عنها تدريجياً والاحتفاظ بها فقط كذكرى من الماضي.


بين التراث والمخاطر الصحية


رغم القيمة الرمزية التي حملتها الشلوخ ودق الشلوفة لعقود طويلة، إلا أن المخاطر الصحية المرتبطة بها جعلت الكثيرين يعيدون النظر في استمرارها. واحدة من القصص المؤثرة هي حكاية رقية من ولاية نهر النيل، التي روتها إحدى الجارات: في ثمانينيات القرن الماضي خضعت رقية لعملية الشلوخ في قريتها، لكنها أصيبت بعد أيام قليلة بمرض الكزاز (التتانوس) نتيجة لاستخدام أدوات غير معقمة. استمرت معاناتها لأسابيع، حيث أصيبت بتشنجات شديدة كادت تودي بحياتها، ولم تتعافَ إلا بعد رحلة علاج طويلة. أصبحت هذه الحادثة مثالاً حياً في المجتمع المحلي على خطورة هذه الطقوس، ورسالة تحذير دفعت الكثير من الأسر في المنطقة للتراجع عن ممارستها.


المواقف المجتمعية الحالية


تكشف المواقف المجتمعية الراهنة عن انقسام واضح بين الأجيال حول الشلوخ ودق الشلوفة. فبينما يرى كبار السن فيها رمزاً للهوية والتراث وزينة الماضي  التي تثير فيهم الحنين إلى أيام الطفولة والشباب، تميل الأجيال الشابة إلى رفضها بشكل قاطع، معتبرة إياها تشويهاً للجسد لا يتناسب مع معايير الجمال الحديثة.


ولفهم هذا التباين بشكل أعمق، نفذتُ استبياناً هاتفياً في يوليو 2025 شمل 57 مشاركاً ومشاركة من خلفيات اجتماعية وتعليمية متنوعة، وذلك بهدف رصد المواقف الحالية تجاه هذه الطقوس. توزعت العينة العمرية على النحو الآتي: 62% من فئة الشباب (18–35 سنة)، و26% من الفئة المتوسطة (36–50 سنة)، و12% من كبار السن (51 سنة فأكثر)، ما يعكس حضوراً أكبر للأصوات الشابة. جاءت النتائج كاشفة عن التحوّل الجذري في النظرة تجاه الشلوخ ودق الشلوفة، حيث رأى 81% من المشاركين أن السبب الرئيسي وراء اندثار هذه الطقوس يعود إلى المخاطر الصحية والألم المصاحب لها، بينما اعتبر 9% أن التعليم والتمدن لعبا الدور الأهم في تراجعها، وأشار 6% إلى أن العولمة ووسائل الإعلام ساهمت في تغيير الذائقة الجمالية، في حين أرجع 4% الأمر إلى تأثيرات الهجرة الداخلية والخارجية. هذه النتائج أكدت أن العوامل الصحية كانت الأكثر حسماً، في حين جاءت بقية العوامل مكملة لتسريع اندثار هذه الممارسات وتحويلها إلى جزء من الذاكرة الثقافية أكثر من كونها واقعاً معاشاً.


يرى كثير من كبار السن أن الشلوخ ودق الشلوفة لم يكونا مجرد عادات، بل رموزاً للجمال والأصالة. يروي الحاج زكريا، أحد كبار السن في شمال السودان، أنه ما لفت نظره في زوجته الراحلة قديماً لم يكن فصاحتها أو زيها فقط، بل شلوخها العميقة التي كانت تزين وجهها وتجعلها على حد وصفه  أجمل نساء القبيلة النسبة لجيله

وقد وثّقت الأشعار السودانية التراثية حضور الشلوخ ودق الشلوفة كرموز جمالية بارزة في الخيال الشعبي. حيث لم تكن مجرد ممارسات جسدية صامتة، بل حُيكت حولها القصائد وتغنّى بها الشعراء، وصارت من مفردات الغزل السوداني القديم. فقد كان وجه الفتاة المشلّخة يُشبَّه بخطوط السيوف، وتُمدح في الأشعار تلك العلامات، كما قال أحد الشعراء في وصف محبوبته:


شلخك دكري وحاجبك هلالاً هلّا

وشوفتك ترفع البى السنين بتقّلا.


وفي الدوبيت الشعبي جاء:


قولي لي بت عبيد قلبا شجيع انحلة

 ومن عيدا معاك بقت الكراع منشلة

دي الشلاخة أجمل من دكاكر السلة

باركيه اتباركوا عليك في شان الله


جاءت أغنية "يا جميل يا سادة" للفنان الكبير حسن عطية في أربعينيات القرن الماضي لتُحدث تحوّلاً حقيقياً في معايير الجمال، إذ غنّى فيها لفتاة غير مشلوخة، في رسالة توعوية مبطّنة ترفض القوالب القديمة وتدعو إلى جمال طبيعي لا يحتاج إلى الندوب أو الوشم. وقد اعتبرها كثيرون آنذاك بداية ثورة ناعمة ضد الشلوخ في الخيال الشعبي.


ومع امتداد موجات الحداثة واحتكاك المجتمع السوداني بالثقافات العالمية، بدأ دق الشلوفة هو الآخر في الانحسار، إذ صارت الشفاه الحمراء اللامعة التي تزيّنها مساحيق التجميل هي المعيار الجديد للجمال، وتحول ما كان يومًا رمزًا للأنوثة والهوية إلى أثر تراثي يروى في ذاكرة الأجيال.


إن طقوس الشلوخ ودق الشلوفة لم تكن مجرد علامات محفورة على الجسد، بل كانت انعكاساً لثقافة كاملة شكّلت هوية المجتمع السوداني عبر قرون طويلة. واليوم، ورغم اندثار هذه الممارسات أمام معايير الجمال الحديثة والتحذيرات الصحية، فإنها لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية والأدب والغناء كرموز لجماليات الماضي وطقوسه. هذا التباين بين الاندثار والحنين يكشف عن الصراع الدائم بين التراث والتحولات الاجتماعية، وعن حاجة الأجيال الجديدة إلى إعادة قراءة هذه الرموز في سياقها التاريخي والأنثروبولوجي، لا كعادات قابلة للاستمرار، بل كجزء من سردية الهوية السودانية. وهكذا، تظل الشلوخ ودق الشلوفة شاهداً على قدرة الجسد الإنساني أن يكون مرآةً للجمال والهوية والمقاومة، في الماضي والحاضر على السواء.


وصال بخيت

درست وصال في جامعة أم درمان الإسلامية في كلية الآداب قسم اللغة العربية، وتعمل حالياً مدرسة للغة العربية في مدينة أم درمان وهي صاحبة سلسلة التفوق في اللغة العربية التي تهدف إلى تبسيط المفاهيم وتعزيز قدرات الطلاب اللغوية. في أواخر التسعينيات تولت منصب أمينة المرأة بولاية الخرطوم كما عملت محررة في صحيفة الأسبوع حيث اكتسبت تجربة ثرية في العمل الإعلامي والمجتمعي.