الفن والحزن والمساحة الخاصة وكل شيء بينهما، يتنقل في التجارب العملية الفنية والمساحة التي يُصنع فيها الفن، متبعًا المجموعة الأولى من الفنانين المقيمين في مركز"32 درجة شرقًا" الجديد في كابالاجالا، كمبالا. سرد هذه المقالة من وجهة نظر ريبيكا خامالا، إحدى الفنانات، وهي تأخذنا عبر عملية الإبداع الخاصة بها إلى تفاعلاتها مع الفنانين الآخرين المقيمين في المركز وعملهم. للاطلاع على المقال الأول، اضغط هنا.
استوديو 2: تعلم التنفس مرة أخرى
"يحتاج كل شخص إلى قضاء يوم واحد لوحده بعيداً عن كل شئ. يوم يفصل فيه المرء الماضي عن المستقبل عمداً. يمكن للوظيفة والأسرة وأصحاب العمل والأصدقاء أن يعيشوا يومًا ما بدوننا، وإذا سمح لنا غرورنا بالإعتراف، يمكن أن يعيشوا إلى الأبد في غيابنا. كل شخص يستحق يومًا لا يواجه فيه أي مشاكل، أو يبحث عن حلول لها، يحتاج كل واحد منا إلى الإنسحاب من الإهتمامات التي لن تنسحب منا أبداً."
مايا أنجيلو، لم أكن سآخذ شيئًا من أجل رحلتي الآن
طوال طفولتي، كنت مقتنعة بكذبة مفادها أنه يمكننا الحصول على كل وقت الراحة الذي أردناه عندما نكبر، لذلك دفعنا أنفسنا إلى أقصى الحدود للوصول إلى مرحلة البلوغ الموعودة، فقط لنجد ساحات معارك أكبر تنتظرنا حيث بالكاد نستطيع إلتقاط أنفاسنا.
لقد تشاجرت مع نفسي بعد شهر من الإقامة الفنية بشأن أخذ إجازة لأرتاح. كثيرًا ما ألوم نفسي على الإستلقاء دون أي ارتباطات نشطة، بغض النظر عن حاجتي الواضحة إلى فترة راحة. لقد كنت أعاني من إحساسي بعدم الكفاءة ولكني كنت بحاجة إلى إجازة لترتيب ذهني قبل العودة إلى حياتي كإنسان بالغ. استمر السعي لأكثر من شهر إلى أن وصلت حد "... ye nfa ki؟" والتي تعني (ولكن ما الذي أدفع نفسي للموت من أجله؟). حينها تذكّرت تأملات زميلتي الفنانة بيرونغي كاوويا حول العناية بالذات: أن الراحة ليست شيئاً يجب أن نكسبه عبر الإرهاق، بل هي جزء ضروري من التعافي، واستعادة التوازن، ومن كوننا بشراً في المقام الأول.
في مجتمع تُساوى فيه قيمة الفرد بمدى إنتاجيته وتُقاس الإنتاجية بمدى العمل الجاد، تصبح حياة الشخص البالغ فخًا بالتدريج؛ الأهداف، والجداول الزمنية، والمواعيد النهائية للمهام هي الرمال المتحركة التي نجد أنفسنا نغرق فيها. عندما عدت إلى 32 درجة شرقًا، كان الاستوديو الخاص بي بجوار بيرونجي. كان الاستوديو الخاص بها والاستوديو الخاص بي يشبهان الضريح، مما أثار ذعر بعض الضيوف أثناء إقامة المركز فعالية الاستديو المفتوح.
كنا نعمل بالألياف النباتية، ونتنقل في الأجزاء العاصفة من أرواحنا مثل حزني وصدمة عائلتها. لقد تأثرت بعمل بيرونجي بعدة طرق، وقد أثرت ممارساتها الفنية على وتر حساس بداخلي. طورت بيرونجي كاوويا، وهي فنانة بريطانية أوغندية علمت نفسها بنفسها ممارساتها الفنية العلاجية بمرور الوقت، وركزت حرفتها في المقام الأول على صحتها العقلية ورفاهيتها وصحة الآخرين.
أعادت فترات متعاقبة من القلق والإكتئاب بيرونجي إلى شخصيتها الإبداعية بعد سنوات من الشعور بالفشل بسبب وجودها في بيئة عمل سامة. بدأت في ممارسة التصوير الذاتي، واستكشفت فن الكولاج باستخدام الطباعة الأفريقية، كوسيلة لإجراء محادثات مع نفسها. وأيضاً كوسيلة لجمع شتات نفسها وقبول جميع هوياتها، وتجهيز نفسها للمشاركة بشكل أفضل في حوار حول الصحة العقلية والأنوثة الافريقية.
بعد أن نشأت في جنوب شرق لندن، لم تر بيرونجي الكثير من النساء مثلها أثناء نشأتها. بسبب ذلك، ابتكرت صورًا لنساء سوداوات لتمكن نفسها من إقامة صلة، مستوحاة من النساء في الشتات الأفريقي. في تصويرها، كانت تعكس نفسها، وتعمل على تذكيرها بضرورة الإعتناء بنفسها. تعمل بيرونجي في مجال الكولاج والرسم والنحت، وقد اهتمت بفنون الأداء والحركة، وخاصة الرقص.

ألياف الموز على قطعة قماش من اللحاء جزء من تركيب هرمي لبيرونجي كاوويا. المصدر: المؤلفة
أثناء إقامتها، صنعت بيرونجي لوحة ثلاثية من صور شخصية بعنوان "راحة في الزمان والمكان" (الماضي والحاضر والمستقبل)، باستخدام اللوبوغو (قماش اللحاء)، والباياي (ألياف الموز)، لمعالجة وتصور والتخلص من صدمات الماضي. كانت لوحة الألوان خاصتها هي تلك التي نشأت معها، وهي ذات نسيج غني وأهمية ثقافية في أوغندا.
أفكار مسبقة لقماش اللحاء "اللوبوغو"
لقد حظيت بشرف التحدث مع بيرونجي في مناسبات لا حصر لها، حيث شاركنا تجاربنا الشخصية ووجهات نظرنا حول الحياة والفن ومشاريعنا. وبما أننا كنا نعمل باللوبوغو، تحدثنا كثيرًا حول هذا الموضوع حيث شاركت تقديري الجديد للمادة. لقد نشأتُ مع أفكار مسبقة مفادها أن اللوبوغو هو مادة غير مفضلة بسبب إرتباطه بالسحر والموت. وعلى الرغم من أنني تعاملت معه فنيًا، إلا أنني طورت تصورًا جديدًا تمامًا له بعد تجربة وفاة أختي بشكل وثيق.
أثناء دفن أختي الكبرى، طلبت أمي شراء بطانيات وأحضرت جزء من ثوبها "القومسيس" لتغطية جسد ابنتها. وعندما سألتها عن سبب قيامها بذلك، قالت من أجل إبقائها دافئة. وأوضحت لي أن قماش اللحاء يؤدي نفس الوظيفة. تقليدياً، تم استخدام اللوبوغو ككفن بسبب طبيعته السميكة والثابتة، فضلاً عن خصائصه في التحنيط.
لعب اللوبوغو دوراً كبيراً في توديع الأحباء حيث تم دفنهم في مثواهم الأرضي الأخير. كان الأمر يتعلق أيضًا بتعزية أمي التي دفنت ابنتها. حيث أفصحت لي أنها شعرت ببعض الراحة عندما علمت أن ابنتها كانت مغطاة جيداً ولم تُترك بمفردها في البرد. أصبح اللوبوغو الآن مادة للعناية والإهتمام من وجهة نظري. مادة للراحة في المثوى الاخير، وحماية الذكريات الثمينة، ونهاية حياة واستمرار حياة أخرى.

صورة للوبوغو المصدر: ريبيكا خامالا
في الكولاج الأول، تصور بيرونجي نفسها الغاضبة وهي تجلس خلف درع، مصورة القوى التي أرست أسس المراقبة الذاتية. إنها تستخدم اللوبوغو ككفن مجازي لتدفن ماضيها بعناية، حيث تتبعت آثار المكان الذي تعلمت فيه إسكات نفسها حتى تتمكن من خلق مساحة لسماع أفكارها ومواساة نفسها في الماضي.

من الماضي: بيرونجي، أنتي (لستي) في حالة هستيرية. المصدر بيرونجي كاوويا
الكولاج الثاني هو تمثيل لذاتها الحالية. إمرأة تعترف بإستمرارية التعافي وتعطي الأولوية لرفاهيتها، وتتعلم كثيرًا من ماضيها.

من الحاضر: عليكي أن تعملي بجهد مضاعف للتعافي. المصدر: بيرونجي كاووويا
في الكولاج الثالث، تتخيل بيرونجي ذات البال المرتاح نفسها في المستقبل على أنها فخورة وقوية، وتعيش حلمها وتساعد الآخرين على الحلم بصوت عالٍ. تصورها القطعة وهي ترقص وتتحرك نحو نبات الموز المثمر. لقد أحببت بشكل خاص مدى نجاحها في إنشاء هذه الحركة من خلال الإستفادة من مزيج الألوان والملمس الذي تتميز به ألياف الموز، على النقيض من قماش اللحاء الأسود.

من المستقبل: حلقي يا بيرونجي، حلقي. المصدر: بيرونجي كاوويا
المعرض
عرضت بيرونجي الكولاج الثلاثي في معرض نجابالا السنوي في صالة ماكيريري الفنية. إلى جانب إقامة مساحة للراحة، حيث تم تشجيع الناس على الراحة كجزء من المعرض، قامت بتوسيع هذه التجربة إلى الاستوديو الخاص بها، حيث دعت الضيوف للراحة في مساحة هرمية مصنوعة من اللوبوغو.
كان من المثير للإهتمام أن أكون تحت المادة على عكس مجرد مشاهدتها من مسافة بعيدة. قامت بيرونجي بتنظيم الاستوديو الخاص بها لإستيعاب أجواء الراحة. وإلى جانب الهرم كانت هناك نباتات تجعل المكان هادئًا. داخل الهرم، كان الضوء من الكوة يتلألأ عبر الألياف مما جعلني أبتسم وذكرني بمباهج الحياة الصغيرة مثل اللون والضوء.

من داخل الهرم. المصدر: ريبيكا خامالا
لذلك عندما كنت أحارب نفسي من أجل الراحة، تذكرت ذلك. لقد فقدت للتو جزءًا كبيرًا من نفسي، ولم يكن العالم سينهار لمجرد أنني اخترت البقاء في السرير ومشاهدة الدراما الكورية. قضيت شهرين من الراحة فقط. وتأخذ الراحة أشكالًا عديدة، ولا يتعلق الأمر دائمًا بالتوقف. يتعلق الأمر بفعل الأشياء التي تمنحنا الحياة. التعافي رحلة مستمرة. لذا بدلاً من الإنخراط في المقارنة الذاتية، ماذا عن القليل من التعاطف مع الذات؟