هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

الخوارزمية: كيف تحولت بوابات العبور إلى حراس للذائقة؟

 

شهد المشهد الموسيقي تحولاً جذرياً؛ فبعد أن كانت شركات الإنتاج ومحطات الراديو هي بوابات العبور، أصبحت منصات البث الرقمي مثل "Spotify"، "Apple Music"، و"TikTok" هي العواصم الجديدة للتوزيع. فتجاوزت خوارزميات المنصات الموسيقية، من Spotify إلى TikTok، وظيفتها التنظيمية لتصبح مُشرّعاً عالمياً للذائقة الفنية.


وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى هذه الأدوات الرقمية بوصفها "قوة موجهة" تدفع نحو تجانس ثقافي يُقزِّم العمق لصالح الإيقاع السريع، تبرز في المقابل قصص مُلهمة للمقاومة والتكيف في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط. هذا المقال لا يقدم نقداً بقدر ما يوثق للحركات الفنية الواعية التي تستخدم ذات الأدوات الرقمية لانتزاع الفاعلية الفنية (Agency) وإعادة صياغة الهوية المحلية في قالب عالمي. إنه دليلنا لاستكشاف كيف يُعيد الفنانون في القرن الأفريقي والعالم العربي تعريف معنى النجاح الفني، مُحولين الإملاء الخوارزمي إلى جسر للوصول والانتشار.


شعارات سبوتيفاي وآبل ميوزك وتيك توك. المصدر: Dreamstime.com


أولاً: "الصوت العالمي" مقابل الأصالة: ضغط الخوارزميات نحو التجانس

 

إن الخوارزميات مصممة لخدمة الاستماع المُتكرّر والسريع، ما يخلق ضغطاً لتوحيد الإنتاج الموسيقي. فعندما تُعطي قوائم التشغيل (Playlists) العالمية الأولوية للأصوات واللغات الأكثر شيوعاً، يجد الفنان المحلي نفسه أمام خيارين صعبين: إما أن يُقدم تنازلات في هويته ليتلاءم مع معايير "الصوت العالمي“ المُتعارَف عليها كاستخدام إيقاعات البوب الأمريكية المُهندسة، أو يواجه خطر التهميش في زوايا المنصات الرقمية. ففي حين أن فنانين مثل "ويجز" و "مروان بابلو" نجحوا في ترسيخ "صوت الشارع المصري" بجرأة، فإن وصولهم إلى العالمية ارتبط بشكل وثيق باستخدامهم لإيقاعات الـ "808s" وطبقات إنتاج تتبع النمط العالمي للنوع (Genre) .هذا النجاح، رغم أهميته في إثبات حضور الصوت العربي، يضع ضغطاً هائلاً على الفنانين الصاعدين لاحقاً لتفضيل هذه القوالب المُعولَمة، وقد يفرض عليهم تخفيف حدة اللهجة المحلية أو تجنب المقامات الشرقية المعقدة ، لضمان أن تُصنّف أغنيتهم تلقائياً ضمن قائمة "Hip-Hop" عالمية بدلاً من أن تظل محصورة في قوائم "الموسيقى العربية المتخصصة (Niche Arabic) هذا الضغط يخلق بيئة تنافسية تُكافئ الطاعة الخوارزمية، ليس الأصالة.


جهاز Roland TR-808. المصدر: ويكيدبيديا


ثانياً: مذبحة المقدمات: كيف فكّك الإيقاع الفيروسي البناء الموسيقي؟

 

تُشكّل خوارزميات المنصات القصيرة مثل TikTok تحدياً بنيوياً لجوهر الأغنية نفسها. إذ أصبح النجاح الفيروسي يعتمد على ما يُسمى "أغنية الـ 30 ثانية"، حيث يجب أن يقدم المقطع الأكثر جاذبية من الأغنية في بدايتها لضمان عدم تمرير المستمع للمحتوى. هذا أدى إلى مذبحة للمقدمات الموسيقية الطويلة، التي هي جزء أساسي من تراث العديد من الأنواع الموسيقية التقليدية كالمقامات العربية أو إيقاعات الفولك الإفريقية . وكنتيجة، يتم تفكيك البناء الكلاسيكي للأغنية ليصبح عبارة عن سلسلة من "مقاطع فيروسية"  تابعة لقواعد الخوارزمية، مما يهدد العمق الفني لصالح الإيقاع السطحي.

 

ثالثاً: تحويل الخوارزمية إلى جسر: الهوية الإفريقية تنتصر بالسامبلز

 

على الرغم من هيمنة الخوارزميات، فإنها ليست قوة غير قابلة للمقاومة؛ بل يمكن تحويلها إلى سلاح مضاد. يكمن التحدي الإبداعي الأكبر للفنان في القدرة على تحقيق "التوطين الرقمي"، أي دمج "الصوت المحلي" الأصيل مع "الصياغة العالمية" المُتطلبة، وذلك بالاستخدام الماهر لـ السامبلز أي العينات الصوتية. هذه الاستراتيجية الفنية تُعد هندسة عكسية للخوارزمية.

 

المقاومة الإبداعية عابرة للثقافات الإقليمية و استجابات الفنانين


في العالم العربي يظهر هذا بوضوح في أعمال منتجين يعتمدون على أخذ عينات من موسيقى أم كلثوم أو الأغاني الشعبية القديمة، وإعادة توظيفها في إيقاعات التراب المعاصر ،كما في أعمال "نيرك" فى العراق و شبجديد والناظر فى فلسطين .


في شمال وجنوب أفريقيا نرى تنوعاً أوسع، فمن دمج نغمات الراي الجزائري/المغربي في قوالب الأفرو-تراب الحديثة كما في اعمال "دراغانوف" و "طوطو ، وصولاً إلى الجنوب عبر إحياء تراث الجاز الإثيوبي (Ethio-Jazz) عبر السامبلز في الهيب هوب العالمي، وصولاً إلى محاولات فنانو "الطرب الحديث" (Modern Taarab) في تنزانيا الذين يدمجون الآلات السواحلية الكلاسيكية ضمن إنتاج عصري. هذا التكتيك يضمن خلق صوت مُلفِت محلياً ومقبول عالمياً، ويحول المنصات الرقمية إلى قنوات لنقل إرث ثقافي بصيغة عصرية.


ملك الجاز الاثيوبي الراحل جيتاتشو ميكوريا. المصدر: نيويورك تايمز

 

وضح جيمي هود، من خلال مقابلته معي، وهو صحفي مصري مؤثر في المشهد العربي، أن هناك تأثيراً كبيراً جداً للخوارزميات ومنصات البث الرقمي وظهور فكرة دورة شهرة الفنان، وهي لحظات شهرة قصيرة أنتجتها الخوارزمية. تجعل الفنان يسعى بسرعة لتحقيق النجاح الرقمي وتكرار نفس المعادلة، وبهذا الشكل نبعد عن التجريب والتنوع والاستكشاف وتقديم منتج مختلف. كما أوضح أن هناك فنانين معروفين يجرون هذه التجربة، وشركات إنتاج عربية وعالمية تضغط على الفنانين ليكونوا في تيار معين ويحققوا الربح والنجاح. كما أوضح أن صيغة (Format) الأغنية تصمم لتنجح في تيك توك عن طريق اللعب على الهوك والجمل بطريقة معينة، وتوزيع الأغنية أصبح محبباً للمنصة لتحقق النجاح الرقمي.


أصبح لدينا فنان ممكن أن ينجح ويحقق ملايين من المشاهدات، لكنه لا يظهر في حفلات، فهو فنان استوديو، ناجح في عمل الأغنية وتسجيلها وصناعتها، لكن ليس ناجحاً في أن يغنيها لايف. نجد ناس مشهورين جداً لا يغنون لايف ولا يظهرون في حفلات، فالخوارزمية أنتجت أن هناك أشخاصاً على الإنترنت لكن ليسوا موجودين كفنانين أو مغنين، بل هم مجرد جزء من بلاي ليست يتم فيها اختيار أغانٍ مثالية للمناسبات المختلفة، فأنت مجرد شخص صانع صوت للفرحة، صانع صوت لتيك توك، لكن ليس صانع أغنية تعيش في وجدان الناس، تغنى حياً ويحبها الناس. وهذا النوع يزداد، وهو الفنان الذي يعمل من أجل الخوارزمية.

 

أوضح المخ، من خلال مقابلته معي، وهو فنان مصرى صاعد في مجال الصوت الإلكتروني الشعبي “أرى أن فكرة الثلاثين ثانية الآن هي المرحلة التي يتجه فيها السوق نحو جعل الأغاني دقيقة وأربعين ثانية أو دقيقتين، وأصبح المستمع يشعر بالملل من الأغاني الطويلة".


أكد لي أن سوق المغني ليس بالضرورة متطابقاً مع السوق العام التجاري، بمعنى أدق، سواء كنت فناناً أو تعمل في الصناعة، فإن موجة من الأمور الجديدة تمر بك كل عشر سنوات أو كل عقد، وأن الفنان يجب أن تكون واعياً بفنه جيداً ليستطيع أن يقول إن هذا يناسبني أم لا. هناك أنواع تظهر وأنواع تختفي. هذا يعني أن بعض الأساليب الموسيقية أو الفنية تنشأ وتنتشر بسرعة بفضل الخوارزميات الرقمية، ثم تتلاشى لصالح أخرى أكثر جاذبية للمنصات مثل تيك توك. في سياق النجاح الرقمي، يؤكد ذلك دور الخوارزميات في تشكيل المشهد الفني دون التركيز على الاستمرارية.


لقد سهّلت الهواتف الذكية الاستماع إلى الموسيقى، لكنها غيّرت ذوق الناس. المصدر: BGR


ما الذي يعنيه هذا للمشهد الموسيقي اليوم؟


هذا المشهد الرقمي يثير تساؤلات محورية حول مستقبل الموسيقى العربية. أولاً، أصبحت ذائقة الجمهور سريعة ومُعلّبة، تتغذى بما "تقترحه" الخوارزمية بدلاً من ما "يكتشفه "الفرد، مما يهدد التنوع الموسيقي الغني ويقوده نحو تجانس ذوقي عالمي.


وهنا سأطرح السؤال لماذا يجب على الجمهور أن يهتم بالتشكيل الخوارزمي للموسيقى؟


الأمر ببساطة يتعلق بالحفاظ على تنوع تجربتك السمعية ومستقبلك الثقافي. عندما تسيطر الخوارزميات على ما تسمعه، فإنها لا تروج لـلموسيقى الجيدة، بل تروج لـلموسيقى الأكثر طاعة للقواعد. هذا يؤدي إلى فقر سمعي يهدد هوية الموسيقى التقليدية. فاهتمامك هو صراع لضمان وصول تجارب فنية عميقة ومتنوعة إليك، ومنع تحول ذائقتك الجماعية إلى صيغة إيقاعية واحدة مكررة عالمياً.


ثانياً، باتت فرصة الفنانين للوصول أوسع من أي وقت مضى، لكن المنافسة أشرس؛ والفوز ليس دائماً للأكثر موهبة، بل للأكثر ملاءمة للقالب الخوارزمي. إذا كنت تهتم بالعمق الثقافي، فإن فاعليتك تبدأ من ضغطة زر. لا تكتفِ بما تقترحه عليك الخوارزمية في قائمة التشغيل الأولى؛ ابحث يدوياً عن فناني الأنواع المهددة. ادعم الفنان عبر الاستماع إلى أغانيه الكاملة وتجنب التركيز على الجزء "الفيروسي" فقط. الأهم، قم بإنشاء ومشاركة "قوائم تشغيل التراث الحديث" الخاصة بك لتكون قوة دفع مُضادة للخوارزمية.


يجب عليك استخدام الخوارزميات لدعم العمق الثقافي للموسيقى. المصدر: Intent Solutions


ثالثاً، تقع على المؤسسات الثقافية مسؤولية أكبر لدعم ورعاية الأصوات التراثية والأساليب الفنية التي قد لا تنجح خوارزمياً، عبر سياسات ثقافية مضادة لهذا الاستعمار الرقمي لدعم الأصالة. كما يمكن للموسيقيين انتزاع فاعليتهم عبر استخدام أدوات مثل مقاطع التيك توك أو (Reels) ليس لإنتاج فن سريع، بل كـطُعم رقمي للترويج الواعي والمكثف لأجزاء من إيقاعاتهم الأصيلة، مما يدفع الجمهور للاستماع للعمل الكامل في النهاية. و يجب التركيز على جودة الصوت والمحتوى المرئي والقصص السردية المرتبطة بالجذور الثقافية. فكلما كان العمل متفرداً وعالي الجودة، كلما زادت مقاومته لتيار التجانس، وزاد احتمال رفعه من قبل الجمهور الذي يبحث عن العمق.

 

في الختام، المنصات الموسيقية هي أدوات قوية تعكس منطق العصر الرقمي الذي يفضل الانتشار قبل الأصالة. يكمن التحدي الأكبر للفنان في أن يثبت أن الهوية المحلية يمكن أن تكون القوة الدافعة للانتشار، وليس مجرد عائق أمام العولمة، وأن الذكاء الخوارزمي يجب أن يُخدم الروح الفنية.


رضا المر

رضا المر كاتب وصحفي مصري متخصص في مجال الموسيقى. وُلد عام 1999 في مدينة كفر الدوار، وتتناول أعماله تقاطعات التراث المصري والصوت المعاصر وثقافة الشباب. منذ عام 2020، يغطي رضا المشهد الموسيقي البديل وأعمال الفنانين الصاعدين والتراث الموسيقي في المنطقة لصالح منصات ومجلات فنية متخصصة. كما يدير مدونة تُعنى بتاريخ الموسيقى المصرية وتأثيرها الاجتماعي، تعبيرًا عن إيمانه بالموسيقى كجسر يربط بين التراث والتعبير الحديث.