كُتِبَ هذا المقال بالتعاون مع الدكتورة خنساء طه.
في منطقة جبل نيوكا السكنية، الواقعة على ضفاف نهر بحر الجبل في جوبا، عاصمة جنوب السودان، أحدث دول العالم استقلالاً، تشاركنا فلور جادا، وهي مزارعة جنوب سودانية تبلغ من العمر 53 عاماً وتقيم بالقرب من النهر، معاناتها اليومية. تقول جادا: «بعد كل عاصفة مطرية، تأتي النفايات البلاستيكية من أماكن بعيدة لتغطي سطح النهر، ومع ارتفاع منسوب المياه يحمل النهر هذه البلاستيكات لتتكدس في أطراف فناء منزلي».
لكنها ليست الوحيدة التي لاحظت هذه الظاهرة. حيث يُثير هذا المشهد مخاوف كبيرة بشأن مستقبل النهر، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مصدر هذه النفايات البلاستيكية، وكيف يمكن احتواء هذا التدفق قبل أن يتحول النهر إلى نهر من البلاستيك.

نهر بحر الجبل مثقل بالأكياس البلاستيكية. الصورة مقدّمة من آدم إبراهيم وبطرس نيكولا بازيا. جوبا، جنوب السودان
وخلال حديثنا معها، شاركتنا جادا المزيد عن الصعوبات التي تواجهها في الزراعة بسبب التلوث البلاستيكي. تقول: «أقوم بري حقلي مباشرة من النهر باستخدام حاويات ري خاصة، وفي كل مرة ينسد أنبوب الري بقطعة بلاستيك، ما يطيل وقت العملية لأنني أضطر للتوقف وإزالة البلاستيك من الداخل».
ومنذ الاستقلال في عام 2011، شهدت جوبا نمواً سكانياً سريعاً، ومع انتشار المستوطنات العشوائية وضعف البنية التحتية، أصبحت تدفقات البلاستيك غير مُدارة. وتستعيد جادا ذكرياتها قائلة: «لم يكن الوضع هكذا في الماضي؛ فقد كان الناس يعيشون حياة بسيطة، ولم تكن ثقافة الإهمال في التعامل مع النفايات موجودة».
التكلفة الخفية: قياس حجم كارثة البلاستيك في جوبا
حتى مطلع عام 2025، يضم جنوب السودان نحو 12 مصنعاً لتعبئة المياه، تنتج مجتمعة قرابة مليوني زجاجة بلاستيكية، وتوفر فرص عمل لنحو 6,000 شخص في العاصمة. وتشكل أكثر من 70% من هذه المنتجات عبوات بلاستيكية أحادية الاستخدام، ما يشكل تهديداً مباشراً للحياة المائية، وصحة الإنسان، وسبل العيش.
وبحسب أبراهام ماكوتش، وهو ناشط بيئي جنوب سوداني وعضو في جمعية جنوب السودان للحفاظ على البيئة، وهي منظمة مجتمع مدني تُعنى بحماية البيئة من خلال إصلاح السياسات، وإشراك المجتمعات، والبحث البيئي، فإن تركيز الجمعية ينصبّ على التلوث البلاستيكي، وإزالة الغابات، والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وفي نقاط بالغة الأهمية تتعلق بالحياة المائية، وكيف يؤدي البلاستيك إلى انسداد مجرى النهر وإلحاق أضرار بالنظم البيئية المائية تتجاوز مجرد التشوه البصري، يوضح ماكوتش قائلاً: «تُعد منطقة السدود أكبر مناطق تراكم البلاستيك والزجاجات القادمة من مدينة جوبا، وهذا يشكل مشكلة للكائنات المائية التي تعيش في النهر، ويؤدي بلا شك إلى انخفاض نسبة الأكسجين، وفقدان العناصر الغذائية، وعرقلة وصول الضوء إلى قاع النهر».
في ظل هذا المستوى من تضرر سبل العيش، يشارك فيليب لادو، وهو شاب جنوب سوداني يعمل صياداً مبتدئاً في ميناء الأسماك بمدينة جوبا، لمحة عن معاناته اليومية قائلاً: "تتلف شباكي مرات عديدة، وبعد انتظار طويل، لا نجد سوى الزجاجات والأكياس عالقة فيها، مما أثر سلباً على دخلنا". وينعكس هذا الأثر الاقتصادي على حياتهم كصيادين، مما يضطرهم إلى العمل في وظائف مؤقتة لتأمين لقمة العيش، الأمر الذي يهدد أسلوب حياة متجذراً بعمق في علاقتهم بالنهر.

قارب الصيد الخاص بفيليب عالق وسط النفايات البلاستيكية في النهر. الصورة مقدّمة من بطرس نقولا وآدم إبراهيم. نهر بحر الجبل، جوبا، جنوب السودان
ومن منظور صحي، يوضح ماكوتش قائلاً: "الزجاجات البلاستيكية لا ينبغي استخدامها مرة أخرى بعد الغرض الأصلي منها؛ بل يجب إعادة تدويرها. فهي مادة تساعد على حفظ الميكروبات والجراثيم، وكل ما ينقل الأمراض". وجاء حديثه هذا في سياق انتقاده لإعادة استخدام الزجاجات من قبل التجار، ولا سيما النساء العاملات في المشاريع الصغيرة اللواتي يعاودن استخدامها لبيع الزيوت والعصائر والمشروبات الكحولية المصنعة محلياً. في المقابل، يعتقد البعض أن إعادة استخدامها أكثر صحة ويقلل من الضرر البيئي، وهذا اعتقاد خاطئ تماماً.
أصوات محلية، عمل محلي: حماية التراث من البلاستيك
"لا تزال منظمة "أنقذوا النيل" في عامها الأول من العمل... خلال حملة تنظيف يوم البيئة العالمي 2025 في منطقة هونغ كونغ، حي عمارات، بجوبا، شارك أكثر من 20 متطوعاً وأزلنا ما يقارب 300 كيلوغرام من النفايات البلاستيكية من الشوارع." هذا ما قاله ماكور ماجينغ، مؤسس منظمة "أنقذوا النيل"، وهي منظمة غير ربحية شعبية مقرها جوبا، تُعنى بحماية نهر النيل من التلوث البلاستيكي.

تلوث البلاستيك على طول ضفاف النهر حيث يعمل الصيادون. الصورة من صور بطرس نيكولا وآدم إبراهيم. نهر بحر الجبل، جوبا، جنوب السودان
وتعتمد المنظمة في عملها على حملات التنظيف، وتعبئة الشباب، وحملات التوعية العامة. وفي مقابلة عبر الإنترنت، أوضح لنا النسبة التي ذكرها، مُقارناً بين حجم الجهود المبذولة وحجم الأزمة. وأضاف ماجينج: "بالمقارنة، يُقدّر متوسط إنتاج النفايات اليومي في جوبا بنحو 0.42 كيلوغرام للفرد، أي ما مجموعه حوالي 336 طناً يومياً لسكان يبلغ عددهم 800 ألف نسمة. ونظراً لأن البلاستيك يُشكّل حوالي 73% من هذه النفايات، فإن المدينة تُنتج ما يقارب 245 طناً من النفايات البلاستيكية يومياً. ورغم أن جهودنا الحالية كنقطة انطلاق متواضعة مقارنةً بإجمالي إنتاج النفايات في المدينة، إلا أنها بالغة الأهمية لمعالجة هذه المشكلة البيئية المُلحة".
وفي خضم هذا الحراك الشبابي، ظهر بطل آخر في طريقنا أثناء إعداد هذا التقرير. مؤسسة إيدن، التي تأسست عام 2019، وهي منظمة وطنية غير ربحية تعمل من أجل تحقيق الاستدامة البيئية في جنوب السودان. وتركّز برامجها الرئيسية على تدريب طلاب الجامعات والمهنيين الشباب على القيادة البيئية، وإدارة النفايات، والحفاظ على التراث الثقافي. ومن بين أنشطتها الأخيرة برنامج YouthEco Lab، وهو مبادرة تهدف إلى تمكين الشباب من تطوير خطط فعّالة للحفاظ على البيئة.

جلسة تدريب برنامج «YouthEco-Lab» في يومه الأول. الصورة مقدّمة من مؤسسة إيدن. مركز Scenius Hub، جوبا، جنوب السودان
وكانت من بين المشاركات ديانا روبرت، طالبة تبلغ من العمر 22 عاماً في جامعة جوبا، كلية التنمية الريفية ودراسات المجتمع. وخلال حديثها معنا، شاركتنا رؤيتها حول تأثير التلوث على اندثار التراث الثقافي، قائلة: «عندما ننظر إلى العديد من الطقوس القبلية الأساسية، مثل طقوس قبيلة الشلك لاختيار ملك جديد، نجد أنها ترتبط مباشرة بالنهر باعتباره الموقع الرئيسي للاحتفال. لذلك، يشارك الشباب في هذه التدريبات ليس فقط للحفاظ على النهر والبيئة، بل أيضاً لحماية الثقافة والهوية التي يحملونها».
شلل السياسات في جوبا وهيمنة الشركات
ورغم الجهود الدؤوبة التي تبذلها منظمات المجتمع المدني مثل جمعية جنوب السودان للحفاظ على البيئة، ومبادرة أنقذوا النيل، ومؤسسة إيدن، فإن غياب الدعم الحكومي الشامل لا يزال يعرقل التقدم. وفي هذا السياق، يوضح ماكور ماجينغ الطبيعة المتشابكة لهذه الإخفاقات المؤسسية قائلاً: «هناك عدة عوائق منهجية تحد من عملنا. أولاً، ضعف البنية التحتية لإدارة النفايات على المستوى الوطني، مع غياب نظام رسمي لإعادة التدوير أو جمع البلاستيك. ثانياً، لا تزال السياسات الحكومية المتعلقة بحماية البيئة في مراحلها الأولى. وأخيراً، تسهم بعض الممارسات التجارية، مثل بيع البلاستيك الرخيص أحادي الاستخدام دون تحمّل مسؤولية التخلص منه، في تفاقم المشكلة».
من جانبه، انتقد ماكوتش هذا التفاعس الرسمي قائلاً: «الدور الأساسي للحكومة يتمثل في المماطلة في صياغة قانون لحماية البيئة. إن غياب هذا الإطار التشريعي يسمح للمصانع، وخاصة تلك الواقعة على ضفاف النهر، بالعمل دون رقابة كافية». وأضاف أن هناك شركة إعادة تدوير خاصة تتولى معالجة النفايات، لكن في أوغندا، ما يسلط الضوء على نقص البنية التحتية لإعادة التدوير في جوبا واعتمادها على حلول خارجية.
مسارات نحو نيلٍ مستدام
على الرغم من التحديات الهيكلية العميقة، فإن معركة جوبا ضد النفايات البلاستيكية تقدم دروساً مهمة في مسارات الحلول المستدامة. ويؤكد ماكوتش أن «مكافحة التلوث البلاستيكي تتطلب سياسات وخططاً بديلة، من بينها تقليل الاعتماد على مصانع تعبئة المياه وربط شبكات الأنابيب بالمحطات الرئيسية لتصل إلى المناطق السكنية». ومن شأن هذا التحول أن يعالج جذور المشكلة، لا سيما أن جنوب السودان، منذ تأسيسه، لا يمتلك حتى الآن شبكة مياه مركزية تعتمد على الأنابيب.
وتوفر المنظمات المجتمعية، مثل مبادرة «أنقذوا النيل»، نموذجاً عملياً قابلاً للتطبيق. ويشير ماكور ماجينغ إلى ذلك قائلاً: «من خلال إظهار أن مجموعات صغيرة من المواطنين الملتزمين يمكنها تقليل كمية البلاستيك قبل وصولها إلى النهر، فإننا نقدم نموذجاً يمكن لمجتمعات أخرى تبنيه». ويسهم هذا النهج القاعدي في تعزيز الإحساس بالملكية والمسؤولية على المستوى المحلي.
وعلى الصعيد الوطني، تحمل هذه الجهود المجتمعية رسالة قوية لصانعي السياسات، وفقاً لرؤية ماجينغ، إذ يقول: «يُظهر نهجنا لصانعي القرار أن الحلول لا يجب أن تنتظر إنشاء بنى تحتية ضخمة»، مضيفاً: «فالعمل المجتمعي يمكن أن يكمل التشريعات، ويعزز الامتثال، ويخلق طلباً عاماً على تحسين إدارة النفايات».

امرأة تحمل مواد بلاستيكية في جوالها، بينما تقوم أخرى بملء زجاجات بلاستيكية بالوقود في حي جبل نيوكا، جوبا، جنوب السودان. الصورة من تصوير بطرس نيكولا وآدم إبراهيم
وفي الوقت الذي يترقب فيه العالم، وخصوصاً جنوب السودان، التوصل إلى معاهدة الأمم المتحدة بشأن البلاستيك، تبرز هذه الحركات المجتمعية قيمة المشاركة الشعبية، وتؤكد أن الالتزامات الوطنية لا تنجح ضمن الاتفاقيات العالمية إلا بدعم المجتمع المحلي.
وبينما تواصل جادا روتينها اليومي على ضفة النهر، ويواصل لادو الصيد من قاربه الصغير، فإنهما لا يريان البلاستيك فقط، بل يلاحظان أيضاً تنامي مشاركة الشباب في حملات التنظيف. إنه تداخل بين المعاناة الفردية والعمل المجتمعي المتنامي، يجسد طبيعة الصراع المعقد الذي تخوضه جوبا. ويحمل هذا التداخل أملاً في تغيير مستدام، ويدعو إلى تحرك أوسع من الحكومات والشركات على حد سواء.
ومع التطلع إلى المستقبل، يبقى مصير نهر بحر الجبل وهوية جوبا مرهونين بتحقيق تناغم حاسم بين أطر سياسات قوية ومبادرات مجتمعية مستمرة، بما يضمن أن يظل هذا المجرى المائي الحيوي نظيفاً ونابضاً بالحياة للأجيال القادمة.