هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

المقدمة


أصبحت القهوة، أو «الجبنة» كما تُعرف في السودان، جزءاً راسخاً من الحياة الاجتماعية وطقوس الضيافة في مناطق واسعة من البلاد، مع حضور خاص في شرق السودان، حيث ارتبطت بتقاليد اجتماعية وثقافية متوارثة، ولا سيما بين مجتمعات البجا. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن جذور القهوة تعود إلى جنوب غرب إثيوبيا، موطن نبات البن العربي، قبل أن تنتقل عبر البحر الأحمر إلى اليمن، حيث تطورت زراعتها وتجارتها وثقافة شربها وانتشرت لاحقاً عبر شبكات التجارة في منطقة البحر الأحمر. ولا تتوفر أدلة تاريخية كافية لتحديد متى دخلت القهوة السودان، ولكن موقع السودان على امتداد شبكات التجارة والتواصل في البحر الأحمر، إلى جانب قربه من إثيوبيا واليمن، يضع ثقافة القهوة السودانية ضمن تاريخ أوسع من التبادل التجاري والثقافي في المنطقة.


وبمرور الوقت، ترسخت للجبنة في شرق السودان طقوسها الخاصة، فأصبحت جزءاً من اللقاءات الاجتماعية والضيافة والمناسبات وجلسات النقاش والمصالحات. ولا يبدو أن القهوة كانت تاريخياً مشروباً محصوراً بفئة عمرية محددة؛ فالمصادر المعاصرة توثق حضورها بين أجيال مختلفة، بما في ذلك الشباب. وفي شرق السودان، ما تزال جلسات الجبنة تمثل مساحة للتجمع والتواصل الاجتماعي، وهو ما يظهر في استمرار حضورها في الحياة اليومية وفي المقاهي والتجمعات التي يرتادها الشباب والكبار على حد سواء. وكان الشاي هو المشروب السائد، لكن التحول الكبير بدأ في العقود الأخيرة، حيث أصبحت القهوة السودانية تنافس الشاي وتتفوق عليه، خاصةً بين الشباب، الذين وجدوا فيها ملاذاً للهدوء، ومجالاً للتعبير عن الذات والانتماء للثقافة الأصيلة.


الجَبَنة السودانية ليست فقط مشروباً، بل تراثاً شفوياً ملموساً، يختلط فيه الدخان العطِر بالبخور، ويتشابك صوت المدقّ بأهازيج الفناجين، لتُصنع تجربة جماعية تمتد من مطابخ البيوت إلى ساحات المدن، ومن جلسات الصوفية إلى حفلات الزفاف، ومن فنجان بكري يُرتشف مع بركة الصباح، إلى الخدر الذي يُختم به مجلس السمر في عمق الليل.


صورة تدلل على حب الافارقة للقهوة – المصدر : ويكيبيديا 


لكن هذه الصورة الثقافية الزاهية للقهوة السودانية، وجدت نفسها في مواجهة قاسية مع واقع الحرب. فمنذ اندلاع النزاع الدموي في أبريل 2023، تراجعت بشكل كبير واردات البن التي تعتمد عليها البلاد في تحضير الجبنة، خصوصاً من أوغندا وإثيوبيا. كانت أوغندا لوحدها تصدّر إلى السودان أكثر من مليون كيس من البن سنويا (60 كغم للكيس)، وهو ما يمثل حوالي 20% من صادراتها من القهوة، قبل أن تهبط الكمية إلى 7,700 كيس فقط في أبريل 2024، أي انخفاض بنسبة 80.5% مقارنة بالعام السابق.   


بحسب بيانات Trading Economics، فقد استورد السودان حوالي 64 ألف طن من القهوة في عام 2023، منها 51 ألف طن من أوغندا، لكن هذه الأرقام تواجه اليوم خطر الانهيار بفعل الحرب، حيث أدت الاضطرابات إلى ارتفاع تكلفة النقل والتأمين، وتعطيل الموانئ، إضافة إلى انهيار العملة المحلية.


أمام هذا الواقع، لجأ الكثيرون في السودان إلى ابتكار بدائل للقهوة، منها تحميص نوى البلح أو القمح، فقط للاحتفاظ بطقس الجبنة حتى وإن غاب البن الأصلي. وبينما غابت القهوة من الأسواق، لم تغب من الروح، وبقيت الجبنة تُحضر في خيام النزوح، وتُسكب على حكايات الألم والتشظّي، كشكل من أشكال المقاومة اليومية، واستدعاء لذاكرة الوطن وسط الضياع.


القهوة السودانية كجزء من الحياة اليومية


في السودان، لا تُشرب القهوة لمجرد احتياج بيولوجي أو عادة منبه صباحية؛ بل تُرتشف ببطء كما لو كانت نشيداً للروح. الجبنة ليست فقط مشروباً، بل هي سيدة المزاج، ومركز الونسة. تُحضر بمهارة متوارثة، وتُقدم في جلسات تُحاط بالبخور، وتُغلف بطبقات من التقاليد، في صورة تُمثّل جوهر الحياة الاجتماعية السودانية. تُعد المرأة، لا سيما الأمهات أو الفتيات الصغيرات في الأسرة، الراعي الأول لطقس القهوة في البيوت، حيث تتولى تحضيرها بكل خطواتها الدقيقة التي تتمثل في:


  • تحميص البن على نار هادئة في قلاية مصنوعة من الألمنيوم أو الحديد معدة خصيصا لتحميص البن.

قلاية الجبنة –المصدر صحيفة مداميك


  • بعد أن يأخذ البن اللون البني القريب للسواد يتم وضعه في صحن من السعف حتى يبرد ثم يطحن بالفندك، وهو وعاء خشبي لسحن و تنعيم حبات البن، تصاحبه يد الفندك التي تطن بها حبات البن.


صحن من السعف تبرد فيه حبات القهوة – المصدر: بينترست


  • يوضع الفحم في كانون الفحم وهو موقد صغير الحجم توضع فيه الجبانة أو الدلة.
  • بعد غليان الماء في الجبانة  تضاف القهوة مع التوابل من زنجبيل، قرفة، هيل، حتى لحظة غليانها داخل الشرقرق، التي تمنح القهوة السودانية نكهتها الترابية الأصيلة.
  • بعد غليان الجبنة توضع في فوهة الجبانة لحاء اشجار النخيل او الدوم لتصفيتها من البن الخشن يسمى المصفى،  بعدها توضع  الجبانة على الوقاية وهي مقعد من القماش الملون أو الحديد المزين.


Sudan customs صورة للشرقرق موضوع على الكانون – المصدر: فيسبوك


تحيط بهذا الطقس أدوات لها قيمتها الرمزية والجمالية: القلاية لتحميص البن، الفندك ومدقه لطحنه بإيقاع موسيقي، والليفة المصنوعة من لحاء النخيل لتصفية القهوة. تجلس الأسرة أو الأصدقاء في دائرة صغيرة، على البنابر الخشبية المنسوجة بالحبال الملونة، ويتبادلون فناجين القهوة الصغيرة، مع الفشار والبلح وربما بعض المكسرات، يتوسطهم مبخر صغير تفوح منه رائحة بخور الجاولي والمِستِكة.


يشرب السودانيون الجَبْنَة  في ثلاث مراحل تُعيد إناء القهوة إلى النار بين كل مرة وأخرى. الأولى تُدعى البكري وهي الأقوى نكهة، تليها التني، وأخيراً البركة التي يختم بها المجلس في إشارة رمزية للرضى والاكتمال. في شرق السودان، عند قبائل البجا، تُسمى المرحلة الأخيرة الخدر تيمناً ببركة سيدنا الخضر عليه السلام.


الفرق بين القهوة السودانية والقهوة الإثيوبية: نكهات الجوار وطقوس التميّز


عند الحديث عن القهوة أو الجبنة في السودان، لا يمكن تجاهل علاقتها الوثيقة بجارتها إثيوبيا، مهد البن الأول ومنبعه الأسطوري. فالروابط الجغرافية والتاريخية بين البلدين انعكست على تقاليد القهوة، فظهرت أوجه تشابه في الطقوس والأدوات، مع فروق دقيقة في التفاصيل تصنع لكل جبنة نكهتها الثقافية الخاصة.


في كل من السودان وإثيوبيا، تُستخدم الجبانة الفخارية كمركز لتحضير القهوة، ويُعطى لتحميص البن وطحنه يدوياً أمام الحضور أهمية كبرى، ليس فقط لجودة النكهة، بل لما يمنحه هذا الطقس من دفء اجتماعي وروحانية عالية. لكن الاختلاف الجوهري يكمن في فلسفة النكهة: فبينما تميل القهوة السودانية إلى إضافة التوابل مثل الزنجبيل والهيل والقرنفل، بحثاً عن نكهة دافئة ومتنوعة، تفضل القهوة الإثيوبية إبراز طعم البن الصافي، الذي يعكس تنوع التربة والمناخ في مزارع البن الحبشي، وتظهر فيه نكهات الفواكه والزهور والتوت بدرجات مختلفة من الحموضة والنعومة.


الطقوس الإثيوبية أكثر رسمية وتنظيماً، تُعرف باسم حفل البونا، وهو طقس كامل يتطلب تحميص الحبوب أمام الضيوف، وطحنها يدوياً، وغليها في إبريق الجبنة، ثم تقديمها في ثلاث جولات: أبول للاحتفال، تونا للحوار العميق، وبركة للخاتمة المفعمة بالتقدير والرضى. تُرافق القهوة بالبخور والفشار، ويُعد قبول الدعوة لحضور البونا رمزاً عميقاً لاحترام المضيف.


أما في السودان، فالطقوس أكثر عفوية وألفة، حيث تُجهز الجبنة في البيوت أو المجالس، سواء بوجود ضيوف أو لا. الجلسات أكثر مرونة، وأحياناً تمتد لساعات من الونسة والضحك، بلا حاجة لتسلسل صارم في التقديم. الجبنة السودانية تُشرب جماعياً بروح المشاركة، وغالباً ما يتم تحضيرها من البن الإثيوبي نفسه، وهو ما يمنحها أصالتها، لكن يُضاف إليه ما يميز المزاج السوداني: بهارات، بخور، موسيقى، وأحياناً أشعار.


الطقوس الاثيوبية في شرب القهوة – المصدر: Ethiopians Bunna


الجبنة في المناسبات الاجتماعية: نسيج العلاقات ومرآة الكرم


في السودان، لا تُعد الجبنة طقساً منزلياً عابراً فحسب، بل تُقام لأجلها المجالس، وتُبنى حولها اللقاءات، وتُنسج عبرها العلاقات. إنها حاضرة في كل المناسبات تقريباً، من لحظات الفرح وحتى أوقات الحزن، ومن الجلسات العائلية اليومية إلى التجمعات الكبرى، لتكون الجبنة بمثابة خيطٍ ثقافيٍّ ناعمٍ يربط الناس ببعضهم البعض ويعزز قيم التضامن والضيافة.


في الأفراح والاحتفالات

خلال حفلات الزواج والجرتق، تتصدر الجبنة المشهد كرمز للكرم والجمال الاجتماعي. تُعدها النساء في فناء البيت أو في ركن خاص داخل القاعة، حيث يتوافد الأقرباء والجيران لتبادل التهاني وتناول القهوة المصحوبة بالبلح والمكسرات والبخور. في هذه المناسبات، تتجاوز القهوة دورها كمشروب، لتصبح أداة من أدوات الزينة المجتمعية، وشاهداً على الفرح الجماعي.


في العزاء والمجالس

تُحضر الجبنة أيضاً في مجالس العزاء، حيث تتجمع النسوة لتواسي أهل الفقيد، وتعمل القهوة هنا كوسيلة لتخفيف الحزن، وخلق مساحة للونس والتواصل وسط الألم. وتُعد القهوة علامة احترام للحاضرين، إذ لا يُترك المعزون دون ضيافة تُناسب المقام.


الجبنة في العزاء- المصدر: فيسبوك صفحة محمد العارف 


في الجلسات اليومية

في الحياة اليومية، بعد الظهر أو في المساء، تُعد الجبنة وسط الأسرة أو بين الجيران، في جلسة حميمة يُطلق عليها السودانيون قعدة الجبنة. يتجمع فيها الأحبة لتبادل الأخبار، الحديث عن شؤون الحياة، أو حتى "الشمارات".


ضيافة الضيوف

إذا جاء ضيف في وقت غير متوقع، تُعد الجبنة خصيصا له، حتى وإن كانت قد أُعدّت قبل قليل. إعادة التحضير علامة على التقدير، فالضيف يستحق قهوته الخاصة، المعدّة بنية الكرم. وتُعتبر هذه المبادرة تجليا لأسمى معاني الضيافة السودانية.


صورة للمة النساء حول الجبنة –المصدر: محمد عماد


المجتمع الصوفي وحلقات الذكر


في الزوايا الصوفية المتصلة بالطرق التقليدية، تُعدّ الجبنة مشروباً رمزياً في كل حلقات الذكر والتجمعات الروحية. يُحمَّص البن على نار هادئة في الكنان، ثم يُدقّ في الفَندك مع إيقاع التنتنة، ويُضاف إليه توابل مثل الزنجبيل والهيل. يُغلى بعدها في إناء الجبابنة، ثم يُسكب في فناجين صغيرة بعد تصفيته .


تشبّع هذه القعدة الروحانية مفاهيم الانسجام والتواصل والصفاء، فلا يُنظر إليها كمشروب فحسب، بل كممارسة احتفالية يتشارك فيها الحاضرون الروح والجسد. من شرق السودان إلى العاصمة والريف، تُعدّ الجبنة جزءاً لا يتجزّأ من الحياة اليومية، ويعد تقديمها للضيف من أعلى درجات الاحترام.


يُحرص على صناعة الجبنة بأنواع محددة تُرضي مزاج كل فئة: بكر الجبنة، تليها التني  ثم التلوة، وتُرافقها أهازيج مثل: "يا يمة تلتلي الجبنة اكشحي التلوة" .


في الزوايا الصوفية، تُدار الجلسات على أيدي كبار السن أو امرأة تُعرف باسم ست الجبنة، وغالباً تُجهز التوابل والنكهات حسب نية الخلوة الروحية وليس فقط للتعطير. يقول أحد خلفاء الطرائق: "القهوة هي بداية كل شيء عندنا. نبدأ بها الذكر، ونختم بها المجلس، وفي كل مرة نغرس قيمة المحبة فيها."


ويشير الباحث د. أحمد الصافي إلى أن إعداد الجبنة يترافق مع تلاوة التهليلات، مما يمنحها بعداً تأملياً وروحانياً يعزز السلام والنقاء الداخلي.


حلقات الذكر عند الصوفية – المصدر: مداميك من أي أف بي


الجَبَنة كأداة سلام: تجربة نساء كردفان



في جنوب كردفان، شكّلت القهوة وسيلة فعّالة لبناء السلام بين المجتمعات المنقسمة. ضمن مشروع نفذته منظمة Search for Common Ground بالتعاون مع مجموعات نسائية محلية مثل رؤية، استخدمت النساء جلسات القهوة كمساحة حوار غير رسمية لتقريب وجهات النظر، وبناء الثقة بين النازحين والعائدين، خاصة في المناطق التي شهدت صراعات ممتدة.


كانت النساء يجتمعن في مجموعات صغيرة لشرب الجبنة وتبادل القصص والخبرات، ما وفّر بيئة طبيعية لبدء النقاشات حول التعايش وحل النزاعات. لاحقاً، تطورت هذه اللقاءات إلى مبادرات مجتمعية تشمل دعماً اقتصادياً، وتدريباً على حل النزاعات، وقيادة محلية للنساء في مجتمعاتهن. المشروع ساهم في تمكين النساء من لعب أدوار قيادية في مجتمعات ما بعد النزاع، وكانت الجبنة هي المدخل البسيط نحو الحوار. هذه التجربة تُظهر كيف يمكن لطقس يومي مثل القهوة أن يتحوّل إلى أداة للسلام الاجتماعي.


خرافات القهوة وقراءة الفنجان


رغم بساطتها الظاهرة، فإن لفنجان القهوة في الثقافة السودانية عمقاً مدهشاً من المعاني، والجبنة ليست مجرد مشروب، بل مرآة تُقرأ فيها الأسرار، وتُنسج حولها الحكايات والمعتقدات. بين عبق البخور وصوت المدق، تهمس فناجين القهوة بأحاديث مختلفة، في مزيج فريد من الطقوس الشعبية والرموز الروحية، حيث تلتقي الحياة اليومية بالخرافة.


في مجالس النساء خاصة، لا تزال قراءة الفنجان تقليداً يمارس بعد الانتهاء من شرب القهوة. تُقلب الفنجان على فمه ليُصفّى، ثم يُعاد فتحه لتقرأ فيه امرأة ذات دراية ما تراه من خطوط وأشكال: "في فنجانك طريق طويل"، "هنا طيارة... في سفر قريب"، "دي عين حاسدة... لازم تبخري"، "قلبين متقابلين... في زواج جاي". لا أحد يسأل عن صحة هذه التفسيرات، لكنها تُروى وتُتداول بينهن، محمولة على رائحة القهوة وبخورها.


يُعتقد إن من تُجيد قراءة الفنجان تكون عرافة،  أي لديها بصيرة تتجاوز المألوف. وقد تُدعى خصيصاً إلى الجلسات لتقرأ فناجين الحاضرات، فتتحول الجلسة من ونسة إلى حلقة خرافات، تملؤها الدهشة والضحك والتأويلات المتناثرة.


رمي الودع – المصدر: Décoration


وتنتشر في الثقافة الشعبية بعض المعتقدات المرتبطة بالقهوة، منها أن فنجان الصباح يُيسر الرزق ويجلب الهدوء الداخلي، وأن من لا تُقدَّم له القهوة عند الضيافة غير مرغوب فيه، وأن من يرفض الجبنة يكون "راسه بلا كيف" أي لا يعرف كيف يستمتع بالجبنة. في بعض المجتمعات، مثل البجا، يُضرب المدقّ صباحاً حتى وإن لم يكن هناك بن في البيت، فقط حتى لا يُقال إنهم معدمون، إيمانا بأن صوت تحضير القهوة يعني الكفاية والكرم.


وفي بعض الطقوس الروحانية مثل جلسات الزار، تُصبح القهوة أداة اتصال بالعالم الاخر، تُحمّص على الفحم، وتُقرأ الأدخنة المتصاعدة منها كأنها رسائل من الأسياد، ويُرافق تحضيرها إيقاعات غنائية وترديدات مثل: "البن البن تتنوا... يلا يا أسياد افرحوا"، ليغدو طقس الجبنة حينها مسرحاً شعبياً مفعماً بالرموز.


هكذا يتجاوز فنجان الجبنة دوره كوسيلة ارتشاف، ليصبح حاملاً للغموض، وللأماني، وللرغبة في معرفة ما يخفيه الغد. وبين الحقيقة والأسطورة، تظل القهوة السودانية مجالاً حيّاً لتمثّلات الثقافة الشعبية، وذاكرة حية لما يؤمن به الناس ويأملون فيه.


طقس الزار. المصدر: التغيير  


الخاتمة: القهوة ذاكرة سودانية لا تبرد


من الشرق السوداني إلى عواصم المهجر، ومن جلسات الصوفية إلى زوايا البيوت البسيطة، ظلت الجَبَنة السودانية أكثر من مجرد مشروب. إنها طقس اجتماعي، ذاكرة جمعية، وأداة للتعبير عن الهوية والانتماء. امتدت من حفلات الفرح إلى مجالس العزاء، ومن مقاهي الشارع إلى مبادرات السلام، وحتى مجالس الغربة، حاملة في رائحتها ما يشبه الوطن المصغّر.

في زمن الحرب، حين انقطعت الطرق وتراجعت واردات البن، استمر طقس الجبنة في خيام النزوح وعلى أطراف المدن المنكوبة، كأداة للصمود واستدعاء الحياة اليومية رغم كل شيء. وفي كردفان، تحوّلت الجبنة إلى مساحة حوار اجتماعي نسائي، استخدمتها النساء كوسيلة لبناء السلام بين المجتمعات المتنازعة، مؤكدات أن القهوة يمكن أن تكون أداة تقارب لا مجرد عادة.


وفي المهجر، لم تغب الجبنة عن تفاصيل الحياة. حملها السودانيون معهم كما يحملون صور أحبائهم، وراحوا يخلقون من جلساتها متنفسًا للهروب من الغربة إلى حضن الوطن. تُحضّر على الفحم في شرفات ضيقة، وتوزع فناجينها في تجمعات الجالية، وتصبح بذلك وسيلة لإعادة خلق المكان الأول، حيث الونس والروائح المألوفة والحديث العفوي. إنها اللحظة التي يعيد فيها المغترب ترتيب ذاكرته، ويستعيد تفاصيل كانت ستضيع لولا فنجان قهوة أُعدّ كما يجب.


الجبنة السودانية، بما تحمله من أصالة وروح، أثبتت أنها أكثر من مجرد طقس ثقافي. إنها مساحة للحياة، وأداة للتعبير، ووسيلة للبقاء. في السودان أو خارجه، في السلم أو الحرب، في البيت أو الشارع، في الخلوات أو مجالس الشمارات، تظل الجبنة حاضرة  شاهدة على تغير الزمان، وصامدة كدليل على استمرارية الإنسان السوداني في التشبث بما يربطه بجذوره.

وما دامت الجبنة تُعدّ وتُرتشف، فهناك دائماً خيط دافئ يربط السوداني بأرضه، ويمنحه لحظة هدوء في عالم لا يهدأ.


براءة محمد

براءة محمد طالبة بقسم الاقتصاد القياسي و الإحصاء الاجتماعي بجامعة الخرطوم، مهتمة بالشؤون الاقتصادية وتحليل البيانات. تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي في مجال النمذجة الاقتصادية وتحليل البيانات والبحث العلمي. تشارك براءة في مبادرات تعليمية، حيث تكتب مقالات تسلط الضوء على التحديات الاقتصادية والتعليمية في أمدرمان. تعمل كمدربة في برامج Microsoft Office، وتدرس علم البيانات ومقدمة في تحليل البيانات في Mentor Mat، بالإضافة إلى دورها كـ Tutor في منصة Filo حيث تساعد الطلاب والمهنيين على تطوير مهاراتهم التحليلية. تمتد خبراتها إلى الإدارة المالية وصناعة المحتوى، مع تركيز خاص على تمكين المرأة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في السودان. من خلال سرد القصص والتحليل المستند إلى البيانات، تسعى براءة لإحداث تأثير إيجابي وزيادة الوعي بالقضايا الهامة في مجتمعها.