هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English


تحذير من المحتوى وإخلاء مسؤولية‌‌: ‌‌المحتوى التالي يتناول تجارب شخصية وحساسة. يمكنكم الاطلاع على إشعارنا التحريري‌‌ 

الكامل‌‌ ‌هنا‌.‌


الختانُ ليس مجرد ممارسة جسدية عابرة، بل هو تشويهٌ عميقٌ للروحِ يستقرُّ في الوجدان قبل أن يترك أثره على الجسد. وأنا واحدةٌ من أولئك اللائي حُفرت في أروقة أرواحهن جراحٌ لم تندمل، رغم مرور سبعة عشرعاماً على تلك اللحظة الفارقة.


​لقد كان الأثر النفسي أشدَّ إيلاماً وأعمقَ غوراً من الأثر الجسدي؛ إذ يرافقني باستمرار شعورٌ عارم بالنقص والتهميش، وإحساسٌ قسريّ بأنني جُرّدت من فطرتي وابتعدتُ عمن حولي من الفتيات. وما يزيد المرارةَ إيلاماً، هو أن والدتي ما زالت حتى هذه اللحظة مقتنعةً تمام الاقتناع بجدوى هذه الممارسة، وترى فيها رمزاً للطهارة والعفة، متجاهلةً حجم الخراب النفسي الذي ينجم عنها. إن هذا التشويه الروحي والوسم الجسدي الذي يطاردني قد صنع بداخلي يقيناً لا يتزعزع: سأكون الدرع الحامي لابنتي، ولن أسمح مطلقاً بأن تمرَّ بالتجربة المأساوية ذاتها، أو أن تتجرع المرارة التي عشتها.


​من هذا الوجع الذاتي تتبلور ضرورة كسر الصمت؛ فما جرى لي ليس حادثة فردية معزولة، بل هي صدى لأصوات ملايين الفتيات والنساء اللائي يواجهن هذا الانتهاك في صمتٍ ممتد، مما يستدعي تحويل السرد الفردي إلى مواجهة مجتمعية شاملة تُعرّي الجريمة وتفكك أسباب استمرارها.


الختانُ ليس مجرد ممارسة جسدية عابرة، بل هو تشويهٌ عميقٌ للروحِ يستقرُّ في الوجدان قبل أن يترك أثره على الجسد. المصدر: صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي


تعريف ختان الإناث وأشكاله والأرقام التاريخية والمقارنة الإقليمية


​تُعرّف منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية تشويه الأعضاء التناسلية للإناث بأنه كل ممارسة تشتمل على إزالة جزئية أو كليّة للأعضاء التناسلية الأنثوية الخارجية، أو أي إصابة أخرى لتلك الأعضاء لأسباب غير طبية. وتتدرج هذه الممارسة وفق التصنيف العالمي إلى أربعة أشكال رئيسية:


  1. ​النمط الأول (الختان/القطع الجزئي أو الكلي): إزالة جزء من البظر و/أو القلفة.
  2. ​النمط الثاني (الاستئصال): إزالة البظر والشفرين الصغيرين جزئياً أو كلياً، مع أو دون إزالة الشفرين الكبيرين.
  3. ​النمط الثالث (الختان الفرعوني/التضييق): قطع وتضييق الفتحة المهبلية وخياطتها، وإبقاء فتحة صغيرة جداً لمرور الدم، وهو النمط الأكثر قسوة وشيوعاً تاريخياً في السودان.
  4. ​النمط الرابع (الأشكال غير التصنيفية): كافة الإجراءات الضارة الأخرى لأغراض غير طبية مثل الوخز، أو الثقب، أو الكشط، أو الكوي.


​الأرقام والتواريخ والسياق التاريخي في السودان


​تُمثّل هذه الممارسة في السودان عُرفاً متجذراً؛ وتُشير البيانات المسحية التاريخية إلى أن نسبة الانتشار بين النساء والفتيات في الفئة العمرية 15-49 سنة بلغت 86.6% وفقاً للمسح العنقودي متعدد المؤشرات، حيث تُظهر الأرقام أن 80% تقريباً من اللائي خضعن للختان أُجري لهن الختان الفرعوني، وهو ما يُبرز قسوة النمط المتوارث عبر العقود.


 وحسب بيانات FGM Research Institute: الختان بين النساء في الفئة العمرية 45-49 عامًا تبلغ 91.8%، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 81.7% لدى أصغر فئة عمرية. وعلى الرغم من احتمال خضوع نسبة ضئيلة من النساء للختان بعد سن 15 عاماً، تشير البيانات إلى اتجاه نحو انخفاض معدلات الانتشار بين الشابات.


​تاريخياً، شهدت البلاد محاولات مبكرة للحد من الممارسة منذ أربعينيات القرن الماضي؛ حيث صَدر أول قانون يُحظر الختان الفرعوني في العام 1946 إبان الاستعمار البريطاني، لكنه واجه مناهضة مجتمعية شديدة تحولت إلى دفاع عن العرف. لقد تطورت ممارسة ختان الإناث في السودان عبر حقب زمنية طويلة، حيث تشير الدراسات إلى أن جذورها التاريخية تعود إلى حضارات وادي النيل القديمة، وهو ما يُفسر التسمية الشائعة للنمط الأقسى بـ الختان الفرعوني. وبمرور الزمن، تداخلت هذه الممارسة مع الموروثات الثقافية والاجتماعية التي ضمنت استمرارها كقاعدة مجتمعية يصعب كسرها. ومن أبرز العوامل الثقافية التي ساهمت في بقاء هذه العادة إلى الآن هو الاعتقاد السائد بربطها بمفاهيم الطهارة، والنظافة الشخصية، وكبح الرغبة الجنسية، فضلاً عن اعتبارها شرطاً أساسياً لضمان العفة والقبول من أجل الزواج.


وفي العديد من المجتمعات المحلية، ترسخ معتقد قائل بأن الفتاة غير المختونة تُعتبر ناقصة ويعتريها عيب كبير. كما شكلت الضغوط الاجتماعية المستمرة من قِبل كبار السن في العائلة، وعلى وجه الخصوص الجدات، عاملاً حاسماً في استمرار هذه الممارسة ونقلها عبر الأجيال، باعتبارها معياراً لابد منه للقبول والانتماء داخل المجموعة.

وعقب استقلال البلاد، استمرت الصراعات القانونية لأكثر من 70 عاماً من العراك بين العادات والقوانين، حتى تحول التوجه نحو التجريم الشامل والكامل لكافة الأشكال بموجب إقرار تعديل المادة (141) في 22 ابريل 2020.


رسم بياني يوضح اتجاهات انتشار ختان الاناث في السودان 2014. المصدر – بيانات معهد دراسات ختان النساء


​قراءة مقارنة بالأرقام: السودان ومصر


​تُعد كل من السودان ومصر من أكثر دول المنطقة تسجيلاً لعداوات الممارسة ومعدلات الانتشار الـعالية وفق التوثيق الميداني و الإحصائي:


• ​السودان: تبلغ نسبة الانتشار الإجمالية بين النساء (15-49 سنة) نحو %86.6، والنمط السائد تاريخياً هو النمط الثالث (الختان الفرعوني) بنسبة تزيد عن 80% من إجمالي الحالات. وعلى الرغم من حظره رسمياً عام 2020، إلا أن التحديات الأمنية والحروب تسببت في عرقلة إنفاذ القانون.


• ​مصر: تُسجّل مصر نسبة انتشار تبلغ نحو 87.2% بين النساء في ذات الفئة العمرية (15-49 سنة) وفق المسح الديموغرافي الصحي، إلا أن النمط السائد فيها هو النمط الأول والثاني. كما كشفت البيانات أن مصر قطعت شوطاً في تخفيض المعدلات بين الفتيات الأصغر سناً 15-19 سنة لتصل إلى نحو 70%، مع اتجاه صاعد نحو تجريم الممارسة قانونياً بعقوبات مشددة كشفتها التعديلات التشريعية لعام 2016 و2021، مقابل تحدي تطبيب الختان أي إجراؤه بواسطة كوادر طبية الذي يشكل النسبة الأكبر هناك.


​وتشير الدراسات التوثيقية حول لجوء السودانيين لمصر عقب حرب 2023 إلى تقاطع هذه المفاهيم، حيث تبين أن حركة النزوح أوجدت مساحة حماية مؤقتة للفتيات من المشرط، في حين لا تزال ضغوط الأسر الممتدة تلاحق بعض الفتيات حتى في دول  الجوار.


​الأبعاد الصحية والجيلية


​تتسبب عملية الختان في مضاعفات صحية جسيمة ومباشرة، تشمل النزيف الحاد، والصدمة المؤلمة، والالتهابات البولية والرحمية المزمنة. وعلى المدى الطويل، تُعاني النساء من آثارٍ كارثية تمتد إلى صحتهن الجنسية والإنجابية. ​تؤكد تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان والدراسات الطبية الخاصة بمضاعفات الختان أن النساء المتزوجات يواجهن صعوبات بالغة، تشمل الألم المستمر أثناء العلاقة الحميمة، وتعسر الولادة، وتشكل النسيج الندبي الذي يزيد من خطر التمزقات المهبلية ونزيف ما بعد الولادة. هذا التعدي لا يقتصر على الضرر البدني فحسب، بل يمس بصورة مباشرة حق المرأة الأصيل في ملكية جسدها والتحكم في صحتها الإنجابية واتخاذ قراراتها المستقلة.


قراءة رقمية واستقصائية في اتجاهات 194 سيدة سودانية


لإضفاء بُعد ميداني موثق وفهم تباين الممارسة عبر مناطق البلاد المختلفة، استند هذا المقال إلى مسح استقصائي ميداني تم إجراؤه خصيصاً لهذا الغرض، حيث تم جمع البيانات عبر استمارات رقمية (Google Forms) ووُزّعت بعناية عبر مجموعات نسائية متخصصة على منصتي فيسبوك وواتساب لضمان الوصول إلى شرائح متنوعة من النساء السودانيات بمختلف بيئاتهن. شملت العينة التحليلية 194 سيدة سودانية تتراوح أعمارُهن بين 18 و65 عاماً فما فوق، وقُسّمت البيانات بدقة حسب البيئة الجغرافية (إقليم الوسط، إقليم الشمال، إقليم الشرق، إقليم الغرب، وإقليم الجنوب) لفحص مدى انتشار ختان الإناث ومعدلات التقبل والإقبال عليه، وجاءت النتائج الرقمية والنسب المئوية محددة كالتالي:


​خريطة الانتشار الإقليمي ونسب الخضوع للختان:


  1. ​إقليم الوسط (بما في ذلك ولاية الجزيرة والنيل الأبيض): صرّحت 92.3% من المستجيبات المنتميات لهذا الإقليم بأنهن خضعن للختان في طفولتهن، مع سيطرة تامة للنمط الثالث (الفرعوني)، حيث يُعد الإقليم من أعلى المناطق إقبالاً على تطبيب الختان عبر الكوادر الطبية.
  2. ​إقليم الشمال (الولاية الشمالية وولاية نهر النيل): بلغت نسبة الخضوع للممارسة بين المستجيبات 94.1%، وتُظهر البيانات هنا ترسباً عميقاً للتقاليد حيث تُعتبر الممارسة طقساً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وغالباً ما تقترن بضغوط صارمة من الأسر الممتدة.
  3. ​إقليم الشرق (ولاية كسلا، القضارف، والبحر الأحمر): سجلت النسبة في هذا الإقليم 85.6% من المستجيبات اللاتي أقررن بخضوعهن للختان، وتتميز هذه المنطقة تاريخياً بانتشار ممارسات مرتبطة بـ إعادة الختان (العدل) بعد الولادة.
  4. ​إقليم الغرب (ولايات دارفور وكردفان): أظهرت البيانات تراجعاً نسبياً مقارنة بالشمال والوسط، حيث بلغت نسبة الخضوع بين المستجيبات في إقليم الغرب 68.4%، مع تفاوت واضح بين المجتمعات الحضرية والريفية واعتماد أكبر على القابلات التقليديات.
  5. ​إقليم جنوب السودان والمنطقة الجنوبية (النيل الأزرق وجنوب كردفان): بلغت نسبة الخضوع للممارسة بين المستجيبات في هذه القطاعات الجغرافية 54.2%، وهي النسبة الأقل في العينة، مما يعكس تبايناً ثقافياً واجتماعياً يجعل الممارسة أقل انتشاراً مقارنة ببقية الأقاليم.


معدلات انتشار الختان حسب الاقاليم :سهى عبدالرحمن


​مؤشرات الرضى الشخصي ورضى الأزواج:


  1. ​عدم الرضى الشخصي: أبدت 86.2% من إجمالي المستجيبات (167 سيدة) رفضهن التام واستياءهن العميق من تعرضهن للختان، معتبرات إياه تعدياً غاشماً على سلامة أجسادهن وانتهاكاً لحقوقهن الأساسية.
  2. ​رأي الأزواج (العلاقة الحميمة): من بين المستجيبات المتزوجات (البالغ عددهن 142 سيدة)، أكدت 71.1% منهن أن أزواجهن لم يبدوا أي تفضيل أو إعجاب بهذا الإجراء، بل اعتبره نحو 58% من الأزواج سبباً رئيسياً في تعقيد العلاقة الحميمة وتوليد آلام مزمنة تمنع التواصل الطبيعي، بينما أكدت 19.7% فقط أن أزواجهن يفضلون الممارسة استناداً لموروثات ثقافية قديمة، في حين أبدى الباقون حياداً.


​حماية الأجيال القادمة وموقف الأمومة:


  1. ​كشف الاستبيان عن تحول جيلي حاد؛ حيث أعلنت 81.4% من المستجيبات (تصريحات الأمهات والشابات) رفضهن القاطع لإخضاع بناتهن مستقبلاً لأي شكل من أشكال الختان لحمايتهن من المعاناة التاريخية ذاتها.
  2. ​في المقابل، كشفت البيانات أن 12.4% من الأمهات ما زلن مترددات ويقعن تحت ضغط مباشر من الجدات والأسر الممتدة، بينما أقرت 6.2% فقط بنيتهن الاستمرار في توريث العرف المجتمعي لبناتهن.


رسم بياني يوضخ موقف الامهات من الختان مع غلبة الرافضين. المصدر: سهى عبدالرحمن


​التمييز المجتمعي (السلبي والإيجابي):


  1. ​التمييز السلبي والصدمات: صرّحت 92.8% من ضحايا الختان في العينة بتعرضهن لمضاعفات صحية ونفسية مباشرة (تنوعت بين الآلام المزمنة وصعوبات الولادة). وعلاوة على ذلك، أفادت 43.8% منهن بتعرضهن لأنواع قاسية من التنمر اللفظي والتمييز الأسري أو المجتمعي، سواء بسبب الآثار الجسدية الظاهرة أو عند محاولتهن كسر العرف ورفض ختان بناتهن.
  2. ​التمييز الإيجابي والدعم المجتمعي: أظهرت البيانات أن 28.5% من المستجيبات (لا سيما في المدن الكبرى) وجدن دوائر دعم وتضامن مجتمعي إيجابي من بعض المحيطين والناشطين، مما وفر لهن مظلة حماية معنوية خففت من وطأة الضغوط التقليدية الرافضة لرفض الختان.


 رسم بياني يوضح تلقي الدعم المجتمعي من عدمه مع غلبة عدم وجود دعم. المصدر: سهى عبد الرحمن 


​شهادات واقعية خلف الأرقام والإحصائيات الجافة


​تختبئ خلف الأرقام والإحصائيات حكايات نساء وجدن أنفسهن في مواجهة آلام جسدية ونفسية لا تُنسى، وجراح ممتدة تُعيد الحرب والضغوط المجتمعية فتحها يومياً. هذه شهادات واقعية تعكس اتساع العنف الممارس ضد النساء، من غرف الولادة، إلى بيوت الزوجية، وحتى أروقة القبالة والتفكير المجتمعي الراسخ:


•       ​ت. م: العنف المبالغ والتمييز داخل بيت الزوجية:

تزوّجت ت. م وهي تظن أن الانتقال إلى حياة جديدة سيمنحها الأمان والاستقرار، لكنها سرعان ما اصطدمت بأسرة زوجها. فبعد فترة قصيرة من الزواج، وعقب تسرب الخبر داخل المحيط العائلي المقرب بأنها خضعت للختان في طفولتها، تحوّلت معاملة أهل زوجها كلياً؛ فلم تتوقف السخرية اليومية، بل تعرضت للشتم المباشر والتمييز والتنمر على جسدها. باتت تُعامل وكأنها تحمل عيباً جلبته معها، ليتحول بيتها إلى ساحة من الضغط النفسي الذي انتزع منها حقها الطبيعي في الشعور بالكرامة والقبول.


•       ​ع. ح: ويلات شرق الجزيرة وقسوة الطلاق المبكر:

من قلب شرق الجزيرة، خرجت ع. ح من تجربة زواج لم تدم سوى شهرين ونصف. لم تشفع لها مشاعرها ولا محاولاتها لبناء أسرة، إذ قرر زوجها الانفصال عنها بشكل مفاجئ وبأبشع الطرق. لم يكتفِ بإيقاف الزواج، بل برر طلاقه بعبارات قاسية ومهينة، متعللاً بأنها مشوهة ولا تصلح لتكون زوجة بسبب آثار الختان. تُرِكت ع. ح لمواجهة وصمة الطلاق المبكر في مجتمع محلي يرمي اللوم دائماً على المرأة، لتتحمل هي وحدها تبعات ممارسة قسرية فُرِضت عليها عندما كانت طفلة لا تملك من أمرها شيئاً.


•       ​ب. م: معركة الولادة بين شق العجان والعملية القيصرية:

عندما وصلت ب. م إلى أعتاب الأمومة، تحولت لحظة الانتظار السعيدة إلى معركة قاسية بين الحياة والموت داخل غرفة الولادة. نتيجة للأنسجة الندبية الصلبة المتكونة جراء الختان الشديد الذي تعرضت له صغيراً، واجهت الكوادر الطبية انسداداً وتعقيداً شديدين في خروج الجنين. لم يستجب جسدها حتى لإجراء شق العجان الذي لُجِئ إليه كحل أخير لتسهيل الولادة الطبيعية؛ فالأنسجة لم تكن قابلة للتمدد. وبعد ساعات طويلة من الألم الإضافي والإجهاد المعنوي والجسدي، اضطر الأطباء لإدخالها فوراً إلى غرفة العمليات لإجراء ولادة قيصرية إنقاذيه لها ولجنينها.


•       ​إ. ح: اعترافات قابلة من الحلفايا وراء كواليس الخوف والمال:

في منطقة الحلفايا ببحري، تروي إ. ح وهي قابلة سابقة شهادتها حول عقود من الممارسة. تقرّ إ. ح بأنها قامت بختان أكثر من 40 فتاة من خلفيات وأعراق مختلفة بالمنطقة، معتبرة ذلك مصدر رزق وتقليداً معتاداً. لكن نقطة التحول في حياتها جاءت عندما عارض والد إحدى الفتيات ختان ابنته بشدة، وقام بالتوجه إلى الشرطة وفتح بلاغ جنائي ضدها وضد والدة الفتاة. تمت محاكمتها وصدر حكم بالسجن، لكنها استطاعت تفادي العقوبة بدفع غرامة مالية. وتكشف إ. ح أن القضية أُغلِقت وتم تسويتها بعد تدخل أحد أفراد الأمن، الذي اكُتشفت لاحقاً أنه تقاسم مبلغ الغرامة والتعويض مع والد الفتاة نفسه. كانت تلك الحادثة، بما رافقها من خوف وملاحقة واكتشاف للابتزاز المالي، السبب المباشر لإقلاعها النهائي عن ممارسة الختان.


•       ​م. م: قلق بعمر 25 عاماً وقرع طبول الزفاف:

تبلغ م. م من العمر 25 عاماً، وتستعد لمراسم زفافها المقررة بعد شهرين فقط. ولكن بدلاً من أن تعيش مشاعر الفرح والتطلع للمستقبل، تسيطر عليها حالة عارمة من الخوف والقلق القهري. تخشى م. م من اللحظة التي سيكتشف فيها زوجها آثار الختان، ويتملكها رعب دائم من أن يُعاملها بعدم القبول أو أن تتعرض للرفض والنفور كما سمعت في حكايات نساء أخريات. هذا الخوف الهادئ تحول إلى كابوس يفسد عليها فرحة الاستعداد للزواج.


•       ​أ. م: صوت التقاليد الراسخة في ولاية نهر النيل:

في إحدى قرى ولاية نهر النيل، تقف أ. م وهي أم لثلاث فتيات أكبرهن في السابعة عشرة من عمرها في الموقف المضاد تماماً. تتحدث أ. م بانتخاء وفخر عن قيامها بختان بناتها الثلاث جميعاً، مؤكدة أن هذا هو السائد والمتفق عليه بين جميع أسر القرية. ترى أ. م وفق المنظور المحلي السائد لديهم أن الفتاة غير المختونة تُعتبر غير قابلة للزواج وتواجه العار الاجتماعي. وتضيف بتأكيد جازم أنه حتى لو نجت الفتاة من الختان في طفولتها، فإن أهل الزوج يقومون بإخضاعها للختان مباشرة عقب ولادتها الأولى بالاتفاق مع القابلة، لضمان استمرار العرف المتوارث.


​أثر الحرب والنزوح: بين ضغوط البيئة الجديدة ومخاطر الإفلات


​أدت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 إلى انهيار كلي وجزئي في بنية الرعاية الصحية وشبكات الدعم المجتمعي، مما خلق بيئة هشة زادت من المخاطر المحيطة بالفتيات والنساء. وفي ظل غياب الرقابة وفقدان الأسر لأمانها الاقتصادي والاجتماعي داخل مخيمات ومناطق النزوح، عادت بعض الممارسات الضارة للواجهة كميكانيزمات توكيد للمفاهيم التقليدية أو نتيجة لغياب مؤسسات الاستجابة والحماية.


​ولفهم الأبعاد الميدانية الدقيقة لهذا الأثر، قمت بعمل استبيان استقصائي شمل 79 سيدة نازحة ومهاجرة (توزعن بين 47 سيدة نازحة داخلياً و32 سيدة مهاجرة إلى مصر) عن تحولات حادة تعكسها حركة السكان بين ضغوط المجتمعات المستضيفة وصرامة القوانين في مهجر اللجوء:


  1. ​نازحات الداخل (تأثير البيئة المحلية وضغوط القرى المستضيفة): من إجمالي 47 سيدة نازحة تضمنتهم العينة (توزعن بواقع 27 سيدة نزحن من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة، و13 إلى ولاية نهر النيل، و6 إلى القضارف، وسيدة واحدة إلى بورتسودان)، أثبتت المعايشة الميدانية تأثراً بالغاً بالبيئة الجديدة؛ حيث اضطرت 12 سيدة (منهن 9 سيدات في الجزيرة و3 في نهر النيل) إلى إخضاع بناتهن للختان رغم قناعاتهن الشخصية السابقة. جاء هذا التراجع تحت ضغط مباشر من سيدات القرى والمجتمعات المستضيفة التي تعتبر العرف مقدساً، وتزرع الخوف في نفوس الأمهات بأن عدم الختان يجلب العار الاجتماعي ويُقصي الفتاة من محيطها، وهو ما يثبت كيف تستغل البيئات التقليدية هشاشة النزوح لإعادة إنتاج الممارسات القسرية.


رسم بياني يوضح كيف تتعامل نازحات الداخل مع الضعوط المجتمعية والرضوخ. المصدر: سهى عبدالرحمن


2.​ مهاجرات مصر (أثر القانون والصدمة الإيجابية للوعي): في المقابل، قدمت عينة المهاجرات إلى مصر (البالغ عددهن 32 سيدة) نموذجاً مغايراً تماماً يعكس أثر البيئة القانونية الحاضنة؛ حيث أكدت 17 سيدة منهن أنهن كنّ في أصلهّن محملات بموروثات وتقاليد تدفعهن لختان بناتهن، إلا أنهن تراجعن تماماً عن الفكرة وفضلن حماية بناتهن بعد اطلاعهن على الصرامة البالغة للقانون المصري وعقوباته الجنائية الرادعة ضد ممارسي الختان وأطبائه. أما بقية العينة (15 سيدة)، فقد أكدن أنهن بطبيعتهن كنّ رافضات للختان مسبقاً، واعتبرن اللجوء مساحة تنفس آمنة عززت من قدرتهن على حماية أجساد بناتهن بعيداً عن ضغوط الأسر الممتدة في السودان.


​وثقت تقارير إعلامية وحقوقية، مثل ما نشرته صحيفة التغيير وموقع سودانايل ونقله موقع مشاوير نيوز، كيف ساهمت حالة السيولة الأمنيّة والنزوح القسري في تنشيط الانتهاكات ذات الطابع الأسري بما فيها الختان، نتيجة تراجع الدور التوعوي ومراكز الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما تناولت منصات مثل منصة العلوم الاجتماعية في العمل الإنساني وموقع المنصة الآثار الممتدة للنزوح على الفتيات السودانيات حتى في دول الجوار مثل مصر، حيث تتقاطع ضغوط مجتمعات اللجوء مع التحديات الصحية والنفسية السابقة.


​الواقع القانوني والمؤسسي


العام 2020 بـ تعديل المادة 141 من قانون العقوبات لتجريم ختان الإناث وفرض عقوبات سالبة للحرية تصل إلى السجن 3 سنوات وتغريم الجناة، وهي الخطوة التي رحبت بها منظمة اليونيسف والأمم المتحدة على نطاق واسع.


​وحول هذا الوجه القانوني، تروي الأستاذة وفاء المعز، المحامية والحقوقية التي تدير مكتبها القانوني بمنطقة أم درمان الثورة، القراءة الميدانية للتشريعات السودانية وتقول:

من الناحية التشريعية المُجردة، يُعد تعديل المادة (141) من قانون العقوبات السوداني لسنة 1991 (المُعدَّل في 2020) مكسباً حقوقياً صريحاً؛ حيث جُرِّم فعل بتر أو تشويه الأعضاء التناسلية للأنثى باعتباره جناية تعاقَب بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات مع الغرامة، مع إمكانية إغلاق المستشفى أو المركز الصحي وإلغاء ترخيص القابلة أو الطبيب الممارس وفقاً للفقرة (2) من ذات المادة.


​ولكن، القانون على الورق شيء، والتطبيق الميداني في أوقات النزاعات المسلحة شيء آخر تماماً. من داخل مكتبنا هنا في أم درمان الثورة، نلمس كيف أدى تعطل النظام القضائي وتوقف أقسام الشرطة وآليات تلقي البلاغات إبان الحرب إلى فتح ثغرة عميقة نفذ منها ممارسو هذه الجريمة. الختان يُصنف قانوناً كجريمة مخفية تقع داخل أسوار الأسرة المغلقة برضا الأولياء، مما يجعل الوصول للبيّنة صعباً أساساً، ومع توقف أجهزة الشكاوى الرسمية وسقوط آليات الحماية العاجلة، تحولت المادة 141 إلى نصّ معطَّل يعوزه النفاذ، وعادت الممارسة تُمارَس في الخفاء تحت غطاء الإفلات التام من العقاب.

​

​المبادرات المجتمعية والحلول


​على الرغم من ظروف الحرب القاسية وتدهور البيئة المؤسسية، تُواصل المجموعات النسوية والناشطون الميدانيون والكوادر الصحية جهودهم لمناهضة الختان داخل مراكز الإيواء ومناطق النزوح. وتعمل هذه الشبكات على تقديم التوعية الفردية والأسرية والدعم النفسي للفتيات.


​تُجسد الورش التدريبية والمبادرات الشريكة، مثل برنامج سودان خالٍ من ختان الإناث الموثق عبر منصات حقوقية مثل خطوة برس، أهمية دعم آليات الحماية الشعبية المستندة إلى المجتمعات المحلية والنازحين أنفسهم لحظر الممارسة ومنع التعرض للفتيات في فترات الأزمات.


تُواصل المجموعات النسوية والناشطون الميدانيون والكوادر الصحية جهودهم لمناهضة الختان داخل مراكز الإيواء ومناطق النزوح. المصدر: صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان


​الخاتمة


​أعود إلى نقطة البداية، إلى نسختي الأولى قبل سبعة عشرعاماً؛ لستُ مجرد رقم في قائمة الضحايا، بل صوتٌ يتجاوز الندوب ليصنع التغيير ويقود المواجهة. إن التعافي الحقيقي من تشويه الروح والجسد لا يبدأ إلا برفض الصمت المطلق، وتحويل الوجع الفردي إلى جدار حماية منيع يقي الأجيال القادمة شرور هذا الفخ الثقافي الموروث.


​إن جسد المرأة السودانية الذي أنهكته قسوة التقاليد وصدمات الحروب والنزوح لا يكتفي بالأوراق والتشريعات المكتوبة؛ بل يستحق إرادة مجتمعية وسياسية جازمة ترفع صوت الحياة والكرامة فوق كل اصطفاف تقليدي، وتضع سلامة وحق الفتيات في صدارة الأولويات الوطنية والإنسانية، لعلنا نغلق للأبد أبواب الماضي ونفتح لنسائنا أفقاً بلا جراح.


سهى عبدالرحمن،

سهى عبد الرحمن، خريجة علم النفس من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ومرشدة نفسية مستقلة، مهتمة بالقضايا الإنسانية والاجتماعية. تسعى من خلال كتاباتها وتساؤلاتها إلى تسليط الضوء على أبعاد التجربة الإنسانية في سياقات الحرب والتغيير والثقافة، مؤمنة بأهمية الوعي النفسي كركيزة لبناء مجتمع أكثر تماسكًا ورحمة.