هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

هل تتذكر كيف كان "التراسل" قديماً؟ لم يكن لدينا واتساب، تلغرام، ماسنجر، أو أي من هذه التكنولوجيا الجبارة. 

هل لك أن تتخيل إلى أي مدى تغير الزمن؟ قبل بداية الألفية الثالثة، راسل الناس بعضهم البعض باستخدام الورقة والقلم، فهذه الطريقة التي كانت ملائمة لتلك الحقبة. كان الناس يكتبون على ورق ومن ثم يرسلون الرسالة إلى المُستقبِل، ومن بعدها يقضون أسابيع أو أشهر في إنتظار الرد (يا له من زمن لنتذكره لو أننا كبار في السن). ما أزال أملك 25 مظروفاً وجدتهم ضمن منشورات والدي القديمة. ما يعجبني في "طريقة التراسل القديمة" أنه ما من أحد سيقرأ خطابك غير الشخص الذي نويتُ إرسال الخطاب إليه.  وهذه هي"الخصوصية" التي نفتقدها اليوم. 

نحن اليوم نختبر تطوراً تكنولوجياً، فلدينا برامج بلمسة واحدة تمكننا من مراسلة أي عدد من الأشخاص، وبلغات مختلفة في نفس الوقت. واحد من أشهر برامج المراسلة الذي سنتكلم عنه هنا هو تطبيق واتساب. 

حقيقة طريفة: شهد عام 1992 الذكرى الثامنة لميلاد خدمة الرسائل النصية - SMS منذ ظهور أول رسالة نصية، وهذه الرسائل موجودة اليوم لكن الكثير من الناس انتقلوا لاستخدام برامج المراسلة لأنها تمتاز بالسرعة  وقلة التكلفة. 

ما هو تطبيق واتساب؟

تطبيق واتساب – المصدر: TechRadar 

"واتساب" أو " واتساب ماسنجر" هو منصة متعددة للمراسلة ومشاركة المحتوى، أسسه في العام 2009 كل من براين أكتون وجان كوم؛ وهما موظفان كانا يعملان في شركة ياهو

وفي العام 2020 أعلن واتساب أن عدد المستخدمين النشطين حول العالم بلغ 2 مليار ، هذا العدد وضعه على القمة وبعيداً عن المنافسة. أتى ثانياً في الترتيب تطبيق ماسنجر المملوك لشركة فيسبوك بعدد مستخدمين 1.3 مليار. تخبرنا هذه الأرقام الفارق الشاسع في الأرباح الضخمة  والحصة التسويقية بين واتساب وبقية تطبيقات المراسلة الأخرى. وبلغ عدد الرسائل المرسلة خلال اليوم في أكتوبر 2020 عدد  100 مليار رسالة

في السودان، فإن تطبيق واتساب هو أول ما نقوم بتثبيته عند شرائنا هاتف جديد (سواء كان أندرويد أو أيفون)، وهو التطبيق الأكثر شهرة في السودان. في الحقيقة، 93% من مستخدمي الهواتف في السودان يتخذون من الواتساب منصة للتواصل ومشاركة المحتوى. بعيداً عن استخدام تطبيقات أخرى مثل تلغرام وفيسبوك ماسنجر إلا أن واتساب كان هو الأكثر استخداماً. 

وأعتقد أننا نستخدمه لملائمته للشخصية السودانية! وذلك – بالطبع – لعدد من الميزات العظمية التي يوفرها مثل: خدمة الرسائل النصية/ الرسائل الصوتية، مشاركة الموقع الحالي، سهولة الاستخدام، المكالمات الصوتية ومكالمات الفيديو، النسخ الإحطياطي للمراسلات، المجانية وعدم وجود إعلانات. لكن في تقديري الشخصي فإنني لا أعتبر واتساب تطبيق المراسلة الأفضل؛ بل هو في نهاية قائمتي المكونة من 5 تطبيقات مراسلة وذلك لعدد من الأسباب، مثل محدودية حجم الملفات التي تود مشاركتها، محدودية مشاركة أنواع محددة في الملفات، أنه غير متاح إلا من خلال استخدام رقم هاتف، لا يمتلك مساحة للتخزين إلا عن طريق ربطه بالبريد الالكتروني أو الكلاود، والسبب الأكثر أهمية هي القضايا المرتبطة بالخصوصية، التي ظهرت في أخبار واتساب الأخيرة. والتي وجدت اعتراضات كبيرة من كل المستخدمين على امتداد العالم.

'يحتل تطبيق واتساب مكانة كبيرة من حياتنا'، الصورة: سامر مصطفى. 

تخيل أن لكل أسرة سودانية مجموعة واتساب خاصة بها، وأغلب الرسائل تكون من طرف النساء. المستخدمين كبار السن من الرجال معروفون بأنهم يرسلون النكات والأخبار ، بينما كبار السن من النساء يعانين أكثر مع استخدام التكنلوجيا. و لكن حالياً يمكنك ملاحظة أن الأمهات والعمات بل وحتى الجدات متواجدات في مجموعات مهتمة بالأزياء، ويقضون أغلب اليوم في متابعة صور الثياب والحناء. هذا مثال بسيط لعكس الدور الذي يلعبه تطبيق واتساب في حياة السودانيين حالياً.  

لقد أجريت بحثًا لتقدير النسبة المئوية لمجموعات واتساب "العامة" التي يستخدمها السودانيون لكل فئة من الدردشات الجماعية. لم أتمكن من العثور إلا على المجموعات "العامة" المفتوحة لإضافة الجميع. هذا بسبب الدعوات الجماعية التي تم العثور عليها كروابط في جميع وسائل التواصل الاجتماعي. كذلك لم أحصل على العدد الحقيقي للمجموعات الخاصة في السودان و التي تشمل مجموعات العائلة والأصدقاء ومجموعات العمل على سبيل المثال لا الحصر، لأنها ببساطة خاصة ولا يمكن لأي شخص الوصول إليها. لكن يمكننا أن نتفق على أن مثل هذه المجموعات الخاصة شائعة جدًا في كل أسرة وقد تأخذ نسبة مئوية أكبر من المجموعات العامة. 

الشكل 1: مخطط دائري عن مجموعات الواتساب العامة في السودان من بحث كاتب المقال 

كما تلاحظون في المخطط أعلاه؛ فإن المجموعات الأكثر شيوعًا هي المجموعات ذات الأهداف التجارية والتعليمية. يمكن استخدام واتساب من قبل الشركات الصغيرة أو الكبيرة من أجل الوصول إلى عملائها، وتسهيل الاستفسار عن الخدمة / المنتج والتسليم. بينما يتم استخدام مجموعات الدردشة التعليمية بين الطلاب في المدارس والجامعات كمجموعات دراسية عبر الإنترنت، أو يتم إنشاء بعضها لتقديم روابط للمنح الدراسية الدولية و المحتوى المفيد لهذه الفئة. مجموعات المساعدات الإنسانية هي الثالثة في السودان من حيث الاستخدام، والتي يستخدمها الناس لجمع التبرعات والتخطيط للعمل المجتمعي. بينما تحتل المجموعات الترفيهية المرتبة الرابعة في السودان بنسبة 6 ٪ حيث يتشارك الناس الموسيقى والأفلام ، وهناك أيضًا مجموعات إعلامية تُشارك فيه الأخبار المحلية الثقافية والصحف، والمجموعات السياسية التي أعتقد أن عددها قد زاد، خاصة بعد ثورة 2019، وفي المرتبة الأخيرة تأتي المجموعات البحثية ومجموعهم 1٪ لكل واحدة. 

قواعد فيسبوك الجديدة لتطبيق واتساب 

بدأ واتساب يحظى باهتمام كبير من وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم مؤخرًا ، وحدث  ذلك نسبة لسياسة الخصوصية الجديدة الخاصة بالتطبيق. هذه السياسات هي الشيء الوحيد الذي لا نلاحظه حتى عند تحميل تطبيق جديد أو شراء جهاز جديد. 

كما تعلمون جميعًا ، فإن واتساب مملوك لشركة فيسبوك. وعلى الرغم من أنهم لم يقوموا بإنشائه، ولكنهم شاركوا في تعديل الميزات وترقيتها وتحديث السياسات. ومن ثم، فإن التغييرات التي أجرتها شركة فيسبوك على سياسة الخصوصية الخاصة ب واتساب قد أزعجت الكثير من المستخدمين حول العالم لأنها تنص على أنه يُسمح لشركة فيسبوك بجمع المعلومات الشخصية من واتساب. الأمر الذي بدوره يقوم بحفظ معظم المعلومات التي يحتفظ بها الجهاز و يمكن لـ فيسبوك استخدامها لأغراض تجارية أو أي أغراض أخرى من خلال تطبيقاته الأخرى. 

البيانات التي يجمعها تطبيق واتساب بالمقارنة مع التطبيقات الأخرى - من ملصقات خصوصية شركة أبل - من مجلة فوربز 

بالطبع ، أثار ذلك غضب الناس بمن فيهم أنا ، لذلك بدأوا في البحث عن بدائل. لحسن حظ منافسي التطبيق ك تليغرام  التطبيق الأكثر تحميلاً منذ يناير 2021حيث حظى بما يقرب من 39.3 مليون عملية تحميل، يليه تطبيق سيقنال الذي حقق 27.3 مليون عملية تحميل ، وكلاهما يتفوق على واتساب في الصدارة، حيث حقق الأخير 24.07 مليون تحميل. لقد وصل الأمر إلى نقطة أن خوادم سيقنال كانت تواجه مشكلة لأن الجميع يريد تحميل التطبيق حتى  "يشعرون بالأمان". 

'ثارت سياسة الخصوصية الجديدة في واتساب غضب الكثير من الناس'. الصورة: سامر مصطفى.

حقيقة طريفة: براين أكتون مؤسس تطبيق سيقنال، هو نفسه المؤسس المشارك لواتساب من قبل. 

الخصوصية مهمة حقًا 

أظهرت سياسة الخصوصية الجديدة لتطبيق واتساب للكثير من الناس مدى أهمية بياناتهم. على الرغم من توضيح فيسبوك أن هناك مستوى من الشفافية يتم من خلاله جمع معلومات المستخدم، إلا أن ذلك لم يشعر الناس بالراحة على الإطلاق ، في الواقع ، قام الكثير من مستخدمي واتساب باللجوء إلى تطبيقات الرسائل النصية الأخرى. 

يجب أن تكون هناك قوانين فعالة تحمي المعلومات الشخصية من الشركات المتعاونة والشركات. مثل اللائحة العامة لحماية البيانات - (اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي) ، وهو قانون خصوصية صاغه الاتحاد الأوروبي ويسري على جميع تطبيقات البرامج التي تجمع وتعالج أي بيانات معلومات شخصية من مواطني الاتحاد الأوروبي. ينطبق هذا القانون على جميع التطبيقات حتى لو كانت تعمل من خارج الاتحاد الأوروبي، ويمنح الأشخاص القدرة على التحكم في كيفية جمع التطبيقات لبياناتهم أو استخدامها، وفي كثير من الحالات يمنح الأشخاص القدرة على طلب حذف بياناتهم. 

بطبيعة الحال ، فإن اللائحة العامة لحماية البيانات ليست قانون الخصوصية الوحيد في العالم؛ هناك أيضًا  CCPA (قانون حماية المستهلك في كاليفورنيا) والذي يعمل أيضًا بنفس طريقة اللائحة العامة لحماية البيانات، باستثناء أنه مخصص لسكان كاليفورنيا في الولايات المتحدة. 

يجب سن هذه القوانين على البلدان الأفريقية بما في ذلك السودان لضمان سلامة بيانات المستخدم وعدم التلاعب بها أو استخدامها في أعمال أخرى أو مخططات غير قانونية. 

صرح عبدالرحمن مولود، خبير أمن البيانات والمعلومات، قائلاً "لدينا أزمة كبيرة هنا في السودان، حيث لا يهتم الناس حقا بخصوصياتهم و إستخدام بياناتهم أو أخذها دون إذن، طالما أنها ليست مستخدمة في دوائرهم الاجتماعية. في الوقت الذي شهدت فيه هذه السياسات الجديدة الضوء، حاول العديد من الأفراد هنا في السودان إقناع الناس بالتبديل إلى تطبيق دردشة أخر، وكذلك قام الكثير من الأشخاص بتنزيل تطبيقات بديلة، لكنهم كانوا لا يزالون يستخدمون واتساب باعتباره تطبيق الدردشة الرئيسي. لذلك في الواقع، لا فائدة من التطبيقات الاخرى. نحن نحتاج إلى تعليم أهمية حماية البيانات وعواقب أخذ البيانات للجميع"

من المهم أن تمتلك حقك في حماية بياناتك بأي وسيلة ضرورية. أيًا كان من يحصل على معلوماتك الخاصة، فلديك الحق في معرفة ما إذا كان سيتم أخذها أو استخدامها أو حتى حذفها. في رأيي، أعتقد أنه سيكون من الصعب على السودانيين التخلي عن تطبيق واتساب لأنهم استخدموه لأطول فترة ممكنة. مع وجود عدد كبير جدًا من الاتصالات الشخصية والتجارية والمستخدمين الذين اعتمدوا عليه، قد يكون من الصعب عليهم التبديل إلى تطبيق آخر حتى لو كان يحتوي على ميزات أفضل من واتساب نفسه. ولكن إذا كان الأمر يتعلق بأي كيان يعتزم إساءة استخدام بياناته بأي طريقة ممكنة، يجب أن يدرك المرء عواقب إساءة استخدام البيانات وطرق حمايتها. حتى أنها تتطلب قراءة عشرات الصفحات من الشروط والأحكام. بحلول نهاية اليوم ، نحن أصحاب هذه المعلومات ، وهي في الأساس سجلات لحياتنا. 

ماذا بعد؟ 

أعلن فيسبوك على مدونة واتساب أنهم سيستخدمون ميزة الحالة على واتساب لمشاركة تحديثاتهم على التطبيق مع المستخدمين قائلين:

سيعرضون أيضًا لافتات حول حالات المستخدمين لتذكير الأشخاص بمراجعة سياسة الخصوصية الجديدة وقبولها، فأضافوا : 

يشير ذلك إلى أن فيسبوك لا يزال يمضي قدمًا في سياسة الخصوصية الجديدة الخاصة به ، وسيحاولون إقناع الناس بذلك لمواصلة استخدام التطبيق. هذا سيجعل الناس أكثر انزعاجًا ، ولكن مع تاريخ الاتصال والتواصل الطويل الذي يحمله واتساب، فإن السؤال الآن هو: هل ستتخذ موقفًا وتنتقل إلى تطبيقات الدردشة الأخرى ، أم أنك ما زلت ستستخدم واتساب؟ 


سامر مصطفى

مهندس لديه شغف كبير بالتكنولوجيا وجميع اتجاهاتها ، قبل بضع سنوات بدأ الكتابة عن التكنولوجيا بعمق مما دفعه لبدء بودكاست ، يغطي التكنولوجيا وخلافاتها الواسعة. يهدف إلى أن يصبح مؤثرًا تكنولوجيًا في وطنه السودان ، على أمل تحسين السودان وشعبه من خلال استخدام التكنولوجيا ودمجها في حياتهم اليومية.