هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

كان الأدب من أكثر الركائز الثقافية تضررًا خلال حكم نظام الإنقاذ، مع انتشار الرقابة والحظر والاضطهاد لممثليه.

الأستاذ أحمد الفضل أحمد وُلد في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة وسط السّودان في خمسينيات القرن الماضي. عاش بها  ومازال يسكن بها و هي تسكنه. تشبّع الأستاذ أحمد الفضل بقراءة قصص الأطفال، ثم الحكايات الشعبيّة والأحاجي التي كانت تضجّ بها البلد على لسان (الحبوبات)، لذا فقد إمتلأ بحب القصة والقراءة والحكي وانبلَج داخله حب وانجذاب ناحية المكتبة. لكن الانعطافة الكبرى في حياته المعرفية كانت عندما انضم لمعهد التربية (بخت الرضا)، كان هذا من قبيل الصدفة، لأنه عندما استحق الدخول للثانوية أُصْدِر قرار وزاري بأن لا يزيد عمر التلميذ الداخل للمدرسة الثانوية عن سبعة عشر عاماً وكان هذا في عهد الديكتاتورية الأولى، وكان يزيد عن هذا العمر بشهور قليلة، فشلت محاولات التحاقه بالثانوية فكان دخوله لبخت الرضا إكمالاً للمسيرة التعليمية له وكان هذا قدر غير راضٍ عنه هو في ذلك الوقت. 

خارج متجر لالقرطاسية.  المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

مكتبة بخت الرضا أكبر مكتبة بعد مكتبة جامعة الخرطوم، وكان لها الأثر الكبير في اتجاهه الأدبي. بعد ذلك توسعت مداركه بتلقف الإصدارات الأدبية التي كانت تأتي من مصر ولبنان وغيرهما، وكان ذلك ذَخيرة حيّة للتزوّد بالمعارف والتعلّم وسلوك دروب الفن. 

في السنوات الأخيرة له في بخت الرضا وقبيل تخرجه بدأ الكتابة فكتب قصة فازت في المسابقة الأدبية بالمركز الثالث في منتصف الستينيات. رغم سذاجة هذه القصة كما يقول هو، وكان هذا مؤشر واضح للموهبة الفزّة الفطريّة وحافز للاستمرار، إلى أن تلمذ على كبار الكتّاب مثل نجيب محفوظ وكان هو المؤثر الأكبر بتطور المعمار الروائي لديه. بدأ تجريب الكتابة وأرسل واحدة من قصصه (البحث عن آخر) إلى مجلة تسمى “هنا امدرمان” وهي خاصة بالاذاعة والتلفزيون وكانت مليئة بضروب الفنون والثقافة. تم نشر هذه القصة بعد ارسالها مباشرة وتتابعت الكتابة وانهمرت في هذه المجلة. توالت الكتابات في الملحقات الثقافيّة وقتها التي تلحق بالصحف مثل (الزمان) و(السودان الجديد) و(الرأي العام) وبعض المجلات العربية مثل (الدوحة) و(الرافد) و(الشرق الاسط) و(مجلة الأضواء) التي كانت تنشرها السّفارة السّودانية بواشنطن، ترجمت له العديد من الأعمال إلى اللغة الإنجليزية. 

 

 مطبعة الجزيرة. لمصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

بجانب عمله كمعلم يعمل أحمد الفضل متعاون كمعدّ ومقدّم في إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة، عمله كمعلّم في بيئات السّودان المختلفة كالجنوب والوسط والغرب وخارج السودان كاليمن، غذته بكل التيارات الأدبية، فأصبح منفتح على كل القراءات والمجتمعات. وعمل أيضاً كمحكّم في لجنة التّحكيم لجائزة الطيّب صالح الأدبية بالسودان لثلاث دورات متباعدة لتمكنّه في مجال النقد الأدبي.

 وكما يقول الأستاذ أحمد الفضل: “إن الإنسان لايبدع من فراغ بل من قراءات متعددة وتجارب”. 

 مطبعة الجزيرة. المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

 في منتصف السبعينات، انضم الى رابطة الجزيرة للآداب والفنون التي أنشئت في أوائل السبعينيات بمدينة ودمدني وكان لذلك دور كبير في احتكاكه بالمثقفين والأدباء بحضور الندوات واللّيالِي الأدبيّة والمهرجانات. هذه الرابطة اهتمت بجميع ضروب الفن من قصة وشعر ومسرح ونقد وفن تشكيلي وغيرها من الفنون. فكل من التحقوا برابطة الجزيرة صار لهم شأن في الساحة الأدبيّة بل وأسهموا في قيام المهرجانات الثقافية، مثل مهرجان الإبداع الثقافي الأول بالإقليم الأوسط بالسودان في بداية الثمانينات. فكان له صدى واسع في جميع أنحاء السودان وشمل البحوث والدراسات والفن التشكيلي والتراث والندوات العلمية ونهضة المسرح، هذا المهرجان عمّقَ كل وتَائر الثقافة ومفرداتها وإقامة ركائز ثقافيّة واضحة، فمن توصيات هذا المهرجان مايعرف الآن بقصر الثقافة بمدينة ود مدني. 

الرقابة خلال حكم الإنقاذ 

 استمر الأستاذ أحمد الفضل في الكتابة والنشر بالمجلّات والصحف وكان من الصعب في تلك الآونة تجميع مجموعة قصصية أو ديوان شعر. فكان هنالك مؤسّسة حكوميّة وحيدة تُعنى بالطبع والنشر هي (دار النشر في جامعة الخرطوم) وكان هنالك دور نشر تجاريّة لكنها لم تكن مهتمّة بالبحث عن الإبداع نظراً لصعوبة وصول المبدع الى دار النشر في ذلك الوقت، ولم يكن الكاتب يهتم برهق كيفيّة طباعة كتاب. توقفت المجلاّت والملحقات الثقافية في عهد الإنقاذ التي دمّرت المشروع الثقافي كله الذي بدأ في النهوض، فحجبت كثير من الأقلام الهامّة والكتابات الواعدة. كان النشر أسهل للمبدعين في المهجر فتسهلت لهم الطباعة في مطابع مصر وسوريا وغيرها، ولم تكن طباعة الكتاب من أولويات السودان، فالحكومات لا تنتج ثقافة لكن الحكومات تساهم وتساعد في إنتاج الثقافة. ولم تكن الإنقاذ من أولوياتها نشر الثقافة، بل ساعدت وبشكل مقصود وممنهج لتدميرها وتحجيمها. 

سودان بوكشوب: يباع هنا كتب لكتاب سودانيين.  المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

حجبت الحكومة المشهد الثقافي في السودان عن التيّارات الثقافيّة الواردة في خلال ثلاثين سنة من كتب ومجلّات -مثل مجلة (الهلال) التي كانت تأتي للسودان في ازمنة سابقة. فوضعت الإنقاذ عراقيل كثيرة لسيل الثقافة الوارد ومحلية الكاتب والمثقف. يقول الأستاذ أحمد الفضل أن القراءات في عهد المؤتمر الوطني كانت كالجريمة، فمعظم الكتابات كانت تُقرأ في الخفاء بتسريب الإصدارات من بعض الدول، والتعرّض للمضايقات والإنتهاكات بأنواع مختلفة لمثقفين في رابطة الجزيرة للآداب والفنون، كإلغاء الندوات مثلاً. إن التربية الثقافيّة ضعيفة وليست ذات أفق في السودان، فلا يجد هذا الكاتب مُعِين يعينه، إضافة لزهد الإنسان السوداني، وعدم تفرغه للكتابة لعدم وجود مناخ ملائم للكتابة. 

لدى أستاذ أحمد الفضل أربعة إصدارات منها ثلاث مجموعات قصصيّة ورواية، ورواية أخرى قيد الكتابة، والكثير من المسودات الجاهزة للنشر. أول إصدار هو المجموعة القصصية (رجل شفاف) تم طباعته بمجهود فردي بدار عزة للنشر والتوزيع في الخرطوم عام 2003 كهدية بوحي من الأستاذ علي المك. وكانت النسخة المطبوعة غير مراجعة وتحوي أخطاء كثيرة جداً، وهو يقول أن هذه الإصدارة كأنها لم تُصْدَر لما فيها من أخطاء فادحة. الإصدارة الثانية هي (محطة الأبواب) عام 2001 في مركز الدراسات السودانية للدكتور حيدر إبراهيم، وكانت مبادرة من الصديقين معاوية البلال ومجذوب عيدروس. الإصدارة الثالثة (مسافات الحلم والمنفى) عام 2005 وكانت مبادرة من أصدقائه بشير سهل جمعة ومجذوب عيدروس، الإصدارة الرابعة عبارة عن رواية ليست على الشاكلة التقليدية أو الكلاسيكية، لا هي تقرير صحفي ولا سيرة ذاتية أيضاً. كانت من إصدار اللّجنة الفنيّة لسد مروي لعمل دراسات وبحوث عن طبيعة المنطقة وتراثها حول السّد. فأوكِل إليه الذهاب إلى المنطقة لكتابة رواية، وكان التكليف ضمن دراسة كبيرة حول المنطقة فسافر إلى هناك ومكث عشرة أيام، ففهم بعض الاشياء عن طبيعة المنطقة ودرس الإصدارات التي صدرت عن السد، فكانت طريقته هي الحديث عن الإنسان: الإنسان الآني والماضي، الإنسان الذي هُجّر من سد مروي، وكان هذا في العام 2004. وقد أجيزت الرواية من قبل اللجنة الفنية وهي (هجرة أبناء حامد، تداعيات في زمن الرحيل) وقد عكست الرواية تاريخ المنطقة القديم وانسانها وطبيعتها وحاضرها. 

 مطبعة الجزيرة. المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

 إن معظم إصداراته عبارة عن مبادرات من الإصدقاء ولم يكن لدى أستاذ أحمد الفضل شغف النشر او السعي الحثيث للطباعة ويمكن أن نخمّن الأسباب فمن الأسباب المهمة السبب المادّي في دولة لا توفر الكثير من مصادرها لنشر الثقافة والعلوم والآداب. لكن السبب الرئيسي هو محاربة نظام المؤتمر الوطني للثّقافة والمثقّفين والكتّاب. ومن الأسباب أيضاً زهد الكاتب السوداني عامة وخاصة الاستاذ أحمد الفضل في السعي وراء نشر ما يكتب وطباعته، إذ أنه يحمل فلسفة هي أن تعقيد مسألة الطباعة في السودان وبيروقراطية الدولة غير المؤسّسة تجعل الكاتب يلتهي عن عملية الكتابة والإبداع اللهث وراء كيفيّة الطباعة، فماهي إلا إشباع هواية لديه. فكرة عدم وجود من يتكفل بمسألة النشر والتوزيع تجعل شخص يكابد في أسس الحياة الأوليّة يعزف عن تخطي عثرات النشر الكثيرة، ومن المؤسف أنه لا توجد نسخ متوفرة من هذه الإصدارات لعدم وجود جهة نشر طبعات أخرى. 

 يقول الأستاذ أحمد الفاضل أن الكاتب السوداني منغلق على ذاته ساعدته عوامل كثيرة على ذلك، لابد من انفتاحه على العالم وتطوير أدوات الكتابة بالتجريب والانفتاح والاختلاط بالثقافات المختلفة وزيادة معارفه. ولابد من أن تطور دور النشر طرقها وسبلها، وتهيئة الظروف من قبل الحكومات للكتّاب لجعلهم ينتجون ما نفخر به أمام الشعوب، ويتمنى أن تجد روايته القادمة حظها من النشر والانتشار.

نُشر هذا المقال كجزء من سلسلة تغطي كيف شكل نظام الإنقاذ مشهد الفنون والثقافة في السودان على مدى 30 عامًا. بدعم من .أفاق, الصندوق العربي للثقافة والفنون.


الاء جمال

آلاء جمال دفع الله، مهندسة تصنيع غذائي، كاتبة قصص قصيرة وشعر ومقالات، سبق لها أن نشرت في مجلتي "الجيل الجديد" و "الوراق" الرقمية. أصدرت كتابين ، مجموعة قصصية بعنوان "إتكاءة على جدار ماء" كمنحة لدار العرب (مصر) ومجموعة شعرية ثانية بعنوان "على حافة إندلاع الاعتقاد" من خلال دار اللوتس للنشر الحر في مصر. يمكن العثور عليها في كثير من الأحيان منخرطة ونشطة في العمل العام.