هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

تحذير وإخلاء المسؤولية: المحتوى الذي أنت على وشك قراءته يحتوي على تجارب مصورة وحساسة لحرب السودان. تعكس الآراء الواردة في هذه المقالة آراء المؤلف فقط وليس آراء أندريا. ننصح القارئ بالتقدير وحرية الإختيار. اقرأ إشعارنا التحريري الكامل هنا.

صوة التقطتها بهاتفي الشخصي في الثاني عشر من نوفمبر 2022 لحائط مدرسة صفية عبد العزيز الأساسية للبنات بامتداد ناصر مربع واحد-بري/ مركز الشعب المعلم (1) مكتوب عليها (لست مهزوما ما دمت تقاوم الثلاثين من يونيو) تذكيراً بأول مظاهرة وفاء لثورة ديسمبر المجيدة وشهدائها رافضة للحكم العسكري بعد مجزرة فض إعتصام القيادة العامة في عام 2019.


كان صباح السبت الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م الموافق للثالث و العشرين من رمضان 1444 ه يوماً مليئا بالمهام والنشاطات المبهجة بالنسبة لي، فهو يوم تقديمي لدرس البلاغة الجديد للمشاركين في برنامج الدعم الأكاديمي لطلاب الصف الثالث الثانوي بمركز الشعب المعلم لتعليم الكبار و التعليم الموازي –في بُري، الخرطوم، و الذي كنت أعمل به ميسرة للغة العربية وأيضا المشرف الأكاديمي للمركز القائم على الجهود الأهلية والتطوعية.


قمنا بتحديد ذات السبت ١٥ أبريل ليكون يوم الإفطار الرمضاني للمشاركين/الدارسين و الميسرين/المتطوعين بمنتزه الرياض العائلي القريب من مناطق سكننا جميعا و مقر المركز، وعليه اخترنا إلغاء وتعويض اليوم الدراسي لاحقاً ليتمكن الجميع من حضور الأمسية الدينية والاجتماعية السعيدة، وتبعاً لذلك تغير جدولي اليومي من التحضير للحصة والذهاب مبكراً للمركز، للبقاء في البيت و كتابة وصفة لتحضير الفطائر الخفيفة من الإنترنت. و من ثم الذهاب مع والدي إلى مركز التسوق الكبير (الأنفال) في حيينا (امتداد ناصر) لشراء المكونات، و العودة لتحضير الكثير والكثير من الفطائر مع أخواتي، ما يكفي لأسرتنا الصغيرة وجمعتنا الكبيرة عند الإفطار.


صورة جماعية لدفعة المستوى الأول لتعليم الكبار والمسيرين في ساحة مركز الشعب المعلم ٢٠٢٣ - بواسطة متطوع


لم يسر اليوم كما كنت أتوقع  وأضع الخطط، لا أنا ولا أسرتي ولا مجموعتنا و لا كل السودانيين. كنا جميعا نشاهد الأخبار بالتوترات الأمنية بين المسؤولين فيما يخص تحركات قوات الدعم السريع لمطار مروي العسكري و تهديد و إنذارات قيادات الجيش لهم في الأيام السابقة. مع ذلك لم نصدق آذاننا و نحن نسمع دوي الإنفجارت العنيفة وأزيز الطائرات الحربية فوق رؤوسنا في صباح ال ١٥أبريل.


توالت الإتصالات للإطمئنان على أفراد أسرتنا الكبيرة والأصدقاء والجيران، لزم الجميع بيوتهم آملين في أن تنجلي هذه المحنة سريعاً بلا كلفة في الأرواح. إنقطعت خدمات الكهرباء والمياه من حينا لثلاثة أيام متواصلة، ثم عادت بشكل متقطع خلال الأيام التالية. في الأسبوع الأول كانت زخات الرصاص أقرب لبيوت المواطنين من المناطق العسكرية، فبدأ جيراننا و أسرهم بالسفر خارج ولاية الخرطوم بحثاً عن الأمان واحداً تلو الآخر. إنتشرت الأخبار و الصور و الفيديوهات عن اعتداءات الدعم السريع و إحتلالهم لبيوت المواطنين و تحويلها لمقرات عسكرية و سكنية لهم، و نهب ممتلكاتهم و  تعديهم عليهم بالإعتقالات التعسفية الواسعة و جرائم الإغتصاب الموثقة من وحدة مكافحة العنف ضد المرأة.


قررنا الخروج من بيتنا بعد مضي تسعة عشرة يوماً، حيث أصيب في ذلك الصباح جارنا بطلق ناري طائش وتوفى. رأيت الشوارع الخاوية والمتسخة لأول مرة بعد نشوب الحرب، فتغيرت معالم مدينتي التي ولدت ونشأت وعشت حياتي بها. تم إيقافنا في شارع الستين من قبل إرتكاز للدعم السريع وإنطلق نحونا عسكريان، أحدهما شاب ثلاثيني أصر على تفتيش أمتعتنا وهواتفنا الشخصية وأخبرنا أننا نستحق ما حدث وأكثر لأننا (حرشنا جنرال البرهان عليهم). الآخر كان صبي في تقديري لم يتجاوز الخامسة عشرة، يحمل سلاحاً نارياً على ظهره يكاد يكون أكبر منه. ظل يعارض زميله بلطف قائلاً أننا عائلة و لا دخل لنا بما يحدث و عليهم أن يتركونا نمر. تحركنا بحمد الله بسهولة واحتفظت بصورة هذا الصبي في مخيلتي، و ظللت أفكر فيه و هذا الوضع و هذه البلاد طوال الطريق.


انتقلنا للسكن مؤقتاً في بيت مؤثث في سوبا جنوب الخرطوم، حيث كانت خدمات المياه والكهرباء مستقرة حينها، ولا يصلنا من مظاهر الحرب سوى أزيز الطائرات وعلينا الإنتباه أو بالأحرى عدم التحرك لتجنب إرتكازات الدعم السريع في الشارع الرئيسي. لم يظل الحال على ما هو عليه كثيراً، فسرعان ما إنتقل نشاط النهب والإعتداء على المواطنين وبيوتهم من وسط العاصمة إلى أطرافها، وتبع ذلك غارات طائرات الجيش الجوية على مناطق وجود قوات الدعم السريع. أصبحت الخرطوم غير آمنة، عدا بعض الجيوب، خاصة مدينة أمدرمان التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني حالياً.


عزمنا على الرحيل بعد مضي شهر تقريباً إلى خارج الخرطوم تحديداً لولاية الجزيرة، رفاعة مدينة العلم والنور ومسقط رأس والدتي، مخاطرين بالرحلة الطويلة وآملين في الوصول لمكان آمن وسط أهلنا. خرجنا و نحن نحمل الكثير من الحزن والقصص المؤلمة التي مررنا بها نحن كما مر بها مختلف السودانيين، العامل المشترك هو الحسرة والوجع على من فقدنا من أرواح عزيزة، ومن اخفوا عن أهلهم قسرياً، و من نالهن|م الأذي الجسدي والإعتداءات الجنسية، و من فقدوا  الغالي والثمين وكل ما يملكون، من خرجوا و من اختاروا البقاء. و على الرجل الذي رأينا سيارته الصغيرة محروقة و مدمرة بالكامل بجسر سوبا، وأخبرنا السائق بأنه مات مكلوماً عليها لأنها كانت كل ما يملك.


كبري الحصاحيصا رفاعة - بواسطة محسن الفكي - عمل شخصي وCC BY-SA 3.0 وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=30085295


وصلنا بحمد الله آمنين رغم إعتراضات إرتكازات الدعم السريع و طلبهم أموال للسماح لنا بالمرور والخروج من الخرطوم. نظرت نحو المساحات الواسعة الجرداء أحياناً و الخضراء أحياناً أخرى، و القطعان الصغيرة من الخراف والأبقار المملوكة لقاطني القرى بجوار الطريق السفري تتمشى في زهوٍ وأمان. راقبت الحياة العادية والمعاملات اليومية التي افتقدتها في الشهرين الماضيين بعيون الناس، حتى وصلنا إلى منزلنا واستقبلنا جيراننا يُحًمّدون لنا السلامة ويسارعون في عرض خدماتهم ومساعدتهم علينا؛ في كرم سوداني مشهود بين السودانيين عامة وأهل الجزيرة خاصة.


طوال هذا الوقت وإلى الآن لم أنسى الشاب الصغير، جندي الدعم السريع الذي بفضل الله أولاً ومن ثم اجتهاده في أن يقنع العسكري الأكبر عمراً في أن يدعنا نمر، وأن لا يتسبب لنا في مشاكل أو حتى يؤذينا بالقول بما يحمل من أفكار مشوهة ضد أهل العاصمة. هذا الصبي وكثيرون مثله ممن ساقتهم أقدارهم وربما أهليهم ونزعاتهم القبيلة للمشاركة في هذه الحرب، و غيرهم ممن تعطلت أحلامهم وقُلبت حياتهم رأساً على عقب، هم من أعلم أنهم يستحقون أن نقاوم من أجلهم.


الأجيال القادمة تستحق أن نعمل الآن لصناعة مستقبل يمكن أن نرى فيه السودان كما نأمل، قد اخترت العمل في السنوات السابقة في مجال تمكين وتطوير قدرات الشباب عن طريق البرامج التعليمية من خلال مشروع الشعب المعلم الذي يستوعب كل الفئات و الأعمار ببرامج أكاديمية مصممة على موائمة البيئة المحيطة و البدء من تشخيص المجتمع المعين لمشاكله، و حاجاته لنتعلم معاً ميسرين ومشاركين أهمية العمل الجماعي وقيمة الديموقراطية وإحترام الرأي و الرأي الآخر وعدم الإستهانة بمجهوداتنا مهما بدت بسيطة وأولية. فالقيمة الحقيقة في الاجتماع البشري هي القدرة على التفاهم والتحاور لخلق الرأي والفعل السليم والبنّاء.


تقديم شهادة تقديرية للعم صالح أول الدفعة 2022 للصف الثامن الموازي بحضور إدارة مركز الشعب المعلم ومدرسة صفية عبدالعزيز وتشريف الأمانة العامة للمجلس القومي لتعليم الكبار ومحو الأمية مركز الشعب المعلم (1) الخرطوم 2022 السودان - بواسطة فارس الشغيل.


أنا اليوم أكثر ثقة و إيماناً بحاجتنا لبرامج تعليمية متكاملة، بدءاً بمحو الأمية في مراكز تستوعب السودانيين والسودانيات بمختلف فئاتهم العمرية والنوعية في مناطقهم المختلفة، مستقرين في قرى، أو رُحّل متنقلين. ليس فقط لتعلم القراءة والكتابة كضرورة للحياة الإنسانية الكريمة ولفتح شباك المعرفة اللامتناهية كخطوة أولى، أيضاً لمعرفة أن السودان أكبر من حدود القبيلة. داخل مراكز الشعب المعلم سنعمل على أن نتمكن جميعاً من ملاقاة أخوتنا و أخواتنا من الشرق والغرب والشمال والجنوب مع الرغبة المشتركة في خلق انتماء ومصلحة عامة، من خلال الحصول على التعليم الجيد والموائم بصوره المختلفة من أكاديمي أو حرفي ومهني، أو مهارات حياتية وبرامج تنمية مجتمعية لإيجاد فرص للعمل والإنتاج من خلال المعارف المنظمة. حينها سيفيض الخير لأهل السودان كافة.


صورة من داخل فصل المستوى الأول لتعليم الكبار تظهر لعبة تكوين الكلمات باستخدام البطاقات 2023, الخرطوم بري, السودان - بواسطة فاطمة الرشيد.


 أعرف الآن أكثر من أي وقت مضى أنه عندما نسير نحو الاهتمام بتطوير التعليم بوصفه الأداة الرافعة للمجتمعات هذا يعني معرفتنا بأن الحياة أوسع و خياراتها أرحب من بناء المستقبل من خلال النزاعات و حمل السلاح لتحقيق مصالح ضيقة متعلقة بفئة معينة، كما يحصل الآن في السودان و في مناطق أخرى في أفريقيا والعالم مند سنين طويلة.


محو الأمية كقضية مجتمعية في المقام الأول وتعليم الشباب والكبار والتعليم المستمر مدى الحياة باعتبارهم مداخل لتكوين تنشئة إجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة لضمان تحقيق سِلم إجتماعي حقيقي أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل أو التسويف لنحافظ على ما تبقى من وطننا السودان الحبيب. أعتقد أن السير بخطى حثيثة و واثقة في طريق التعليم كحق أصيل للبشرية جمعاء ولتطوير قدراتنا والوصول للنسخ الأفضل من ذواتنا ومن ثم خلق فرص أوسع للعمل وتنمية الاقتصاد هو الطريق العملي لخلاصنا من النزاعات والحروب، ومدخلنا الأول لنتعلم احترام حقوق الانسان ولنحقق شعار ثورتنا (حرية، سلام وعدالة).


فاطمة الرشيد

فاطمة خريجة بكلاريوس الاقتصاد وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا جامعة الخرطوم. حالياً طالبة ماجستير التخطيط و التنمية جامعة الخرطوم. باحثة و مهتمة بقضايا التعليم والتنمية ومعلمة لمرحلة الطفولة المبكرة.ميسرة و مدربة لمهارات التدريس و تعليم الكبار. أخت كبرى و إبنة محبة و صديقة داعمة.