هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

سواءً كنت تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أم لا، فقد فكرت بالتأكيد في نظريات المؤامرة والآراء غير الواقعية والمعلومات المضللة وعدم الثقة العامة بالمصادر الرسمية. حيث تتسرب هذه التأثيرات وتنتشر إلى العالم الحقيقي، حيث يحب معظمنا متابعة العديد من حسابات الأفراد الذين نعتقد أنهم أكثر جدارة بالثقة وأصدق من غيرهم، فكيف يؤثر ذلك في وضع الوباء الحالي؟

المصدر: https://www.nytimes.com/2020/08/28/opinion/sunday/coronavirus-misinformation-faceboook.html

المصدر: https://thefederal.com/covid-19/scientists-artists-fight-misinformation-as-covid-19-myths-spread/ 

الفجوة بين الحكومة والشعب

بالنسبة لنا نحن كدول العالم الثالث، فلم نصل حتى الآن إلى تلك النقطة حيث تصبح حياتنا رقمية بالكامل. وفقًا لوكالة البيانات الدولية ، لا يزال الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي في السودان محدودًا حيث أن 31% فقط من السكان أي (13.38مليون نسمة) ومنهم 3% مستخدمون نشطون على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد نعتقد أن هذا رقم ضئيل، لكن في الواقع لا تزال المعلومات الموجودة على هذه المنصات تنتشر بطريقة ما، ونرى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على شخصياتنا، ومعتقداتنا السياسية وميولنا الأيديولوجية.

لقد فتحت انتفاضة السودان في ديسمبر 2018 أعيننا للانحياز الشديد والتسييس لوسائل الإعلام التقليدية والأخبار خلال فترة حكم النظام السابق. شعر الناس بمسؤولية أن يصبحوا وسائل الإعلام البديلة، وبمساعدة مقاطع الفيديو المباشرة والوسوم والحملات والقضايا الشائعة، تحولت هذه المنصات إلى المصدر الرئيسي لأخبار للناس. وبالتالي، كانت أكبر تهديد للنظام السابق. السياسات المختلفة ضد حرية التعبير، مثل إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي -التي كانت إحدى المحاولات القمعية التي استخدمها النظام المخلوع- لا يمكن إلا أن تزيد من مستوى انعدام الثقة الذي يعاني منه الناس.

المصدر: https://qz.com/africa/1510229/sudan-shuts-down-facebook-twitter-instagram-amid-bread-protests/

حسنت الحكومة الانتقالية الحالية الوضع بشكل ملحوظ من حيث حرية التعبير، لكن الكثير من الناس لا يزالون غير راضين عن الشفافية العامة للمؤسسات والوزارات الحكومية. خلال الوباء، كان هناك طلب متزايد على الأخبار والمعلومات الدقيقة، إلى جانب الجو السياسي الهش والاقتصاد المتدهور، بدأ صبر الناس ينفد مما أدى إلى توسّع الفجوة بين الشعب والحكومة. لم يمهد هذا الطريق للأشخاص للاعتماد أكثر على الحسابات الفردية على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل أدى أيضًا إلى زيادة انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، لأنه في معظم الأوقات لا أحد يعرف من أين أو كيف يمكن الوصول إلى مصادر موثوقة. 

"بالنسبة للمجتمع السوداني على تويتر، فإن كثرة تكرار معلومة ما في محاولة لإثباتها أو دحضها هو ما يجعلها موجودة ومتداولة. كما أنه لا يوجد وعي كافي عندما يتعلق الأمر بالحصول على مصادر الأخبار ذات الصلة، على سبيل المثال يجب الحصول على أخبار حول التعدين من وزارة الطاقة والتعدين فقط ... وهكذا دواليك. "
أ.ت - ناشط سوداني على تويتر

الرأي مقابل الحقيقة

لطالما كان المجتمع السوداني مفتونًا بالحوارات حول السياسة والنظريات والآراء. لا يمكن إنكار أن جزءًا كبيرًا من حياتنا الاجتماعية مدفوع بالمناظرات والنقاشات السياسية، وهذه نتيجة طبيعية عندما يكون هناك دائمًا مجال واسع لظهور نظريات مختلفة، سواء كان ذلك خلال النظام السابق الذي عارضه الكثيرون، أو الحكومة الانتقالية الحالية والملونة سياسيا.

المصدر: https://datasociety.net/library/media-manipulation-and-disinfo-online/

يمكن أن يفسر هذا سبب ضعف الصحافة في السودان لفترة طويلة من حيث الأخبار والتقارير الواقعية. حيث ينجذب الناس إلى مقالات الرأي والأعمدة، ويتم إجراء مناقشات لا حصر لها على مجموعات تطبيق الواتساب، مما يسمح بزيادة تداول هذه الرسائل والمنشورات. بالنسبة لمعظم الأشخاص، يتم التحقق من صحة المعلومة ببساطة عن طريق التحقق من اسم الكاتب في أسفل رسالة الواتساب، أو مراجعة ملفه الشخصي على تطبيقات  Facebook أو Twitter. بغض النظر عن الجمهور أو المنصة المستخدمة، تكتسب هذه المقاطع في الواقع مزيدًا من الجاذبية داخل وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع نفسه. ولا يتم إنشاؤها من قبل الأشخاص المؤثرين فحسب، بل أيضًا من قبل معظم الصحفيين نظرًا لأنها تجذب المزيد من القراء والمشاركة، مما أدى إلى تحويل تركيز الصحافة السودانية من الأخبار والتقارير الى الآراء الشخصية التي تحظى بكل الإهتمام.

"هناك عدد قليل جدًا من الصحفيين غير التابعين لجهة، والذين لم يعبروا عن وجهات نظر سياسية صريحة. معظم الصحفيين كتاب أعمدة رأي".
ن. ت .(مراسل لوكالة أنباء دولية)

المصدر: https://github.com/MedipalleTendulkar/Fake-News-Classifier-using-LSTM

من الملاحظ أنه حتى المؤسسات الإعلامية لا تستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي بشكل احترافي، ومن المفارقات أن الكثير من الأخبار المهمة يتم تسريبها في نهاية المطاف من خلال الأفراد الذين لديهم روابط "قوية" ومصادر "موثوقة" قبل مشاركتها من قبل القنوات الرسمية (بافتراض أنهم يشاركونها في نهاية المطاف). يتيح استخدام صفحات الوسائط الاجتماعية الإحترافية الإستفادة من البيانات والمقاييس ودراسة الأنماط والوصول إلى الأخبار والمعلومات المختلفة. لكن لسوء الحظ، تطبيق واتساب هو المصدر الرئيسي لمعظم مستخدمي الهواتف الذكية في السودان، ونعلم جميعًا أنه بمجرد ظهور معلومات هناك لا يمكنك تعقبها أبداً.

الاستقطاب ضد الصحة العامة

يجب أن يكون الشعب السوداني من بين جميع الشعوب قادرًا على أن يرى بوضوح كيف يمكن أن يؤدي الخلط بين الآراء السياسية والحقائق إلى أزمة صحية عامة. حيث لا يزال الكثير من الناس يعتقدون أن هناك نوعًا من المكاسب السياسية للحكومة من هذا الوباء، أو على الأقل يظنون أن الحكومة يمكنها التستر على فشلها فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي. يصعب المجادلة في مثل هذه الآراء، لأن استخدام الأرقام والإحصائيات من المصادر الرسمية سيواجه نفس الحجج: "إنهم يسيطرون على وسائل الإعلام لذا فهم يخدعوننا بأخبار كاذبة".

 المصدر: www.twitter.com

يحتوي الإنترنت على الكثير من الآراء المتشابهة، وعمومًا إما أنك توافق عليها بشدة أو لا توافق عليها بشدة. قد تتأثر بعض هذه الآراء أيضًا بحقيقة أن أعضاء النظام السابق كانوا يهدفون بلا هوادة إلى رعاية ونشر الأخبار المزيفة والمعلومات الخاطئة من أجل غرس فكرة حكومة انتقالية فاشلة بقيادة مدنية. ولمصيبتنا، أن الفيروس ظهر خلال هذا الوقت بحيث لم يتمكن الناس من التمييز بين السياسة وأزمة الصحة العامة. 

يمكن إيضاح تأثير الأخبار المزيفة والمعلومات الخاطئة على تفشي الفيروس من خلال دراسة نُشرت في نوفمبر 2020 من قبل مجلة Nature Human Behavior والتي أشارت إلى أن فيروس الكورونا هو "قضية حزبية عميقة في الولايات المتحدة". و قد وجدوا أن المقاطعات الأمريكية التي صوتت لصالح دونالد ترامب (جمهوري) على هيلاري كلينتون (ديمقراطية) في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 أظهرت تباعدًا جسديًا أقل بنسبة 14٪ بين مارس ومايو 2020، وكان هذا عاملاً أقوى من معظم العوامل الأخرى مثل الكثافة السكانية، متوسط الدخل، التركيبة السكانية العرقية والعمرية. 

"الأطباء ضد الكيزان [أعضاء حزب المؤتمر الوطني المخلوع]" - مصدر الصورة: خالد البيه (InstagramKhalidalbaih)

قد يجادل البعض بأن إثارة المناظرات والنقاشات أمر مهم لرفع الوعي بين الناس، وأن المشاركة المستمرة للآراء المكتوبة جيِداً والأفكار والنظريات هي في الواقع أفضل طريقة للقيام بذلك نظراً لطبيعة الثقافة السودانية. يجب أن نحاول أن نتذكر أنه عندما يتعلق الأمر بالحقائق والأخبار، وخاصة في المواقف المبهمة مثل حالة فيروس كورونا، يجب أن نتجنب الاعتماد على الأفراد كمصادر حقيقية، بل يجب أن نبني معلوماتنا على مصادر موثوقة تتم مراجعتها باحترافية والتحقق منها عدة مرات. لذلك على عكس الأشخاص المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن مهمتهم هي عدم مشاركة المعلومات الخاطئة أبدًا.

لا يمكننا حقًا التحكم في استخدام الأشخاص أو إعتمادهم على أنواع مختلفة من الوسائط، ولا يمكننا أيضًا ضمان أن كل شخص لديه الأدوات المناسبة للتمييز بين الآراء والحقائق. لذا فإن التأثير على كل شخص يقرأ تغريدتك أو يشاهد الفيديو الخاص بك يمكن أن يذهب في كلا الاتجاهين: إيجابي أو سلبي. يعد تسطيح المنحنى مشكلة عالمية، لذا لا ينبغي أن نتجاهل أهمية الإدراك العام ومن الآمن أن نقول إنه في هذا العالم الحديث، فإن التجاور بين وسائل الإعلام التقليدية مقابل وسائل التواصل الاجتماعي لا فائدة منه لأن كلاهما يكمل الآخر. وسائل التواصل الاجتماعي نسهل لنا محادثات فورية ومتعددة الاستخدامات ذات اتجاهين، لذا يجب أن نتعلم كيفية تنظيم إمكاناتها وتوظيفها على أفضل وجه.

المصادر:

تحليل النظام البيئي لمعلومات إنترنيوز الإعلامية: السودان - أكتوبر 2020

https://www.journalism.org/2020/01/24/u-s-media-polarization-and-the-2020-election-a-nation-divided/

https://www.nature.com/articles/s41562-020-00977-7#Abs1

www.twitter.com 


نُهاد خالد

Nohad is a Mathematics and Computer Science major with a passion for analyzing, writing, and making a change. Her ultimate goal is to utilize data and technology to find creative ways to address societal issues. She enjoys surfing the web, discovering new music, and discussing random topics.