هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

عين على الكنيسة

كنيسة مريم سلطانة إفريقيا بمدينة الأبيض تعتبر واحده من أكبر وأعرق الكنائس في إفريقيا، وقد تأسست على يد القديس دانيال كمبوني في العام 1961 و تقيم له الكنيسة إحتفالاً في إكتوبر من كل عام تقديراً لمجهوداته العظيمة تجاه التعليم الكنسي، وبإعتباره واحداً من أهم المبشرين الذين دخلت عن طريقهم المسيحية لأفريقيا وللسودان على وجه الخصوص. ظلت كنيسة الأبيض ولأكثر من ستين عاماً محافظة على طرازها المعماري الإيطالي، وهي تحفة معمارية غاية في الروعة والجمال للحد الذي جعلها مقصداً لكل زوار المدينه وقبلة سياحية لا يمكن تجاوزها.

التصوير: Sam Photography

ناجي خميس أحد شباب الكنيسة الكاثوليكية مطرانية الأبيض وهو في مرتبة سمناريان، يعرفنا على إدارة الكنيسة والتراتبية فيها فيقول:

"في أعلى هرم المسؤولية يوجد البابا وهو المسؤول عن الكنيسة الكاثوليكية في العالم أجمع. ومن ثم لدينا بيشوب وهذا يعني أن لكل كنيسة مطران مسؤول عنها، ومطران كنيسة الأبيض هو يونان تومبي تريلي. ثم تأتي مرتبة أبونا وهو الشخص الذي يقوم برعاية الكنيسة والأب الراعي في كنيسة الأبيض هو أبونا فاوستين، ومن ثم يأتي في أسفل هرم الترتيب الشماس والسمناريان".

تعد الكنيسة الكاثوليكية بالأبيض نموذجاً للتعايش الديني لا يمكن ان تخطئه العين فقد ظلت مفتوحة لكل سكان المدينه بمختلف إثنياتهم وتوجهاتهم وكانت الكنيسة والمجتمع المسيحي جزءً لايتجزأ من مجتمع الأبيض، مشاركاً ومتفاعلاً مع كل الأحداث الإجتماعية. كما كانت الكنيسة داعماً ومتطوعاً في الكثير من الكوارث الإنسانية. إنسان الأبيض متسامح ومتعايش رغم الإختلافات والتباينات الكثيرة التي لها علاقة بنشأة المدينة نفسها في حقبة الإستعمار، والتي كانت فيها الأبيض سوقاً إستراتيجياً وبوابة مهمة للعبور إلى أقصى غرب البلاد. هذا ما جعل تركيبة الأبيض السكانية بهذا الثراء العرقي والديني والثقافي. فمجتمع الأبيض مر عليه اليهود والمسيحيون والمسلمون بكل طوائفهم، وتأسست فيها أقدم طريقة صوفية في السودان وهي الطريقة الٍإسماعيلية المنسوبة للشيخ إسماعيل الولي.

سستر ليزا حكيم ممرضة ومعلمة سابقة في Sister School بالخرطوم وهي مواطنة مصرية تبلغ من العمر66 سنه من محافظة قنا. إختارت ان تكون راهبة وتخدم الكنيسة قبل أكثر من 43 عاماً، تنقلت فيها بين الكثير من البلدان كالأردن، ولبنان وإيطاليا لتختار في نهاية المطاف العمل في السودان لخدمة الناس في مجالات التعليم والصحة.

تقول سستر ليزا أنها وخلال الثمان سنوات التي قضتها في السودان كراهبة، لم ترى من الإنسان السوداني سوى المحبه والتضامن والاخوة. ترى أن الشعب السوداني رغم المصائب والإبتلاءات التي مر بها إلا أنه ظل متمسكاً بخصاله الحميده التي تميزه عن بقية الشعوب. تضيف "منذ اللحظات الأولى التي تعرفت فيها على هذه المدينة وهذا الإنسان إنتابني شعور بأنني لا أريد العودة إلى الخرطوم. وأن الأبيض هي المكان المنشود بالنسبه لي والذي سيسعدني أن أخدم إنسانه الجميل والطيب تحت رعاية الكنيسة. الناس هنا متعاونون ولهم أواصر من الإحترام والمحبة مع الكنيسة والمجتمع المسيحي. يحضرون إلى الكنيسة في المناسبات والأعياد، ونحن كذلك نبادلهم هذه الزيارات ونحتفل معهم بأعيادهم الدينية ومناسباتهم الإجتماعية؛ نعم هناك بعض المتشددين الذين يحاولون بث خطابات الكراهية والتحريض ضد المسيحين. ولكن تركيبة مجتمع الأبيض المتباينه والمتعايشة رغم كل هذه الإختلافات تجعل هذا الخطاب ضئيلاً وغير مؤثر فالسمه الغالبة هنا سمة التسامح”.

التصوير: Sam Photography

إضافة إلى كون كنيسة الأبيض تعتبر بوابة كبيرة جداً ونموذج حي للتعايش السلمي، تضطلع الكنيسة الكاثوليكية بأدوار مهمة جداً في تقديم الخدمات لكل المجتمع من دون تمييز على أساس ديني او عرقي. فنجد في مجال الصحة مستوصف فؤاد صالح والذي ترعاه الكنيسة الكاثوليكية وتخدم فيه راهبات فؤاد صالح، ومركز   Don Bosco vocational training center  والذي تم تأسيسه في 2001 بمدينه الأبيض وهو المركز الوحيد بالسودان؛ حيث يمنح الدبلوم المهني كل ثلاثة سنوات وعدد الطلاب المسجلين بالمركز الأن يفوق 400 طالب.

المسجد يطل على الكنيسة



 التصوير: Sam Photography

الدكتورصالح موسى أبكر مدير المركز الثقافي الإسلامي الذي يتبع لمنظمة رابطه العالم الإسلامي والتي تعمل في مجال العمل الإنساني، تحدث معنا فأكد بأن وجود مسجد هجر الذي تأسس عام 1997 في هذا المكان وإطلالته على الكنيسة التي يفصل بينه وبينها شارع واحد فقط هو أكبر نموذج للتعايش السلمي في العالم أجمع. وقال "نحن كمسلمين في الأبيض ليست لدينا أي تحفظات تجاه التعامل مع إخوتنا المسيحيين، فنحن نتشارك نفس الأرض لذلك التعايش هو الخيار الأمثل لنعمر سوياً هذه الأرض. وأتعقد ان هذه هي رسالة كل الأديان السماوية".

كما أضاف "نحن نتشارك في الأنشطه الإجتماعية المختلفه وأبناء المسلمين يدرسون اللغة الإنجليزية في الكنيسة، ونتبادل الزيارات الإجتماعية فيما بيننا. نعم، ليس هنالك تنسيق وتطوير لهذا التعاون، ولكنه ظل موجودا بحكم طبيعة المجتمع". كما ذكر لنا أيضاً أن قضية التعايش الديني إحدى القضايا المركزية بالنسبة للمركز. وقد عمل المركز على تذويب الفجوه بين الطوائف الإسلامية المختلفة وكان له دور مؤثر لحل قضايا التطرف والغلو بين الجماعات الدينية في الأبيض عن طريق خطب الجمعة وإقامة المسابقات التي يفتح فيها باب المشاركه لكل المسلمين. كما أن للمركز برنامج إذاعي إسبوعي من إعداد وتقديم الدكتورصالح موسى أبكر يتم التركيز فيه بشكل أساسي على مناقشة قضايا التعايش السلمي ومحاربة التطرف والحد من إنتشار خطاب الكراهية.

راكوبة سلمى

التصوير: Sam Photography

سلمى حامد شرنوك من مواليد جنوب كردفان منطقة الكاركو ولكنها نشات وترعرعت في مدينة الأبيض وهي أم لأربعه أطفال. عملت سلمى كبائعه شاي لتعول أسرتها بعد إنفصالها من زوجها لتحل محل والدتها التي عملت في هذه المهنه لأكثر من ثلاثين عاماً؛ و الآن هذا هو العام التاسع لسلمى في "راكوبة" الشاي المتومضعة في السور الأمامي لبوابة كنيسة الأبيض. بحكم السنين الطويلة التي قضتها في هذا المكان توطدت علاقتها بالكنيسة والمجتمع المسيحي فهم يشربون عندها الشاي والقهوة كما انها تحفظ في نهاية كل يوم أواني عملها داخل الكنيسة ولم يحدث أن فقدت شيئاً على الإطلاق طيلة هذه السنوات.

تقول سلمى "أنا مسلمة ولكنهم يحترمون ديني للحد الذي جعلني أشعر بأنهم جزء من أسرتي؛ ولذك أنا أحترم دينهم وأحضر أعيادهم ومناسباتهم الإجتماعية حتى الصلوات في بعض الأحيان أذهب لحضورها. وهم يزورونني من حين لأخر ويتضامنون معي في ظروفي الأسرية، وتطورت العلاقة بيني وبينهم للحد الذي خلق نوع من العلاقة الحميمة بين زبائني المسلمين والمسيحيين". لذلك ترسل سلمى رسالة لكل المسلمين في الأبيض وكل السودان بأن يتركوا هذا التوجس فتعامل المسيحيين مع المسلمين ليس له أهداف تخدم الدين المسيحي، وإنما هو تعامل يفرضه عليهم وجودهم كجزء أصيل من هذا المجتمع ومن باب التعايش والمشاركة الإجتماعية. و من تجربتها وجدت أن المسيحيون يحترمون كل الأديان ولا يعملون على التحريض ضد أي منها أو إنتهاكها.


فايز حسن

فايز كاتب مهتم بتوثيق الفنون المعاصرة والفنانين في السودان من خلال تقارير ومقالات ومقابلات. فاز فايز بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة للشباب عام 2020 ، ونشرت إحدى قصصه القصيرة في كتاب “حصاد” عام 2016.