هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

 دُور السينما في مدينةِ ودمدني 

على مقالينِ مفصلّين سأتناول موضوع غاية في الأهميّة، و هو دُور السينما وتدَاعِياَت التغيّرات السّياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة عليها، سيتحدث المقال الأول عن: 

- عدد دُور السينما واسمها وموقعها. 

- نوعية مرتادي السينما في كل حقبة زمنية. 

لقد كانت دُور السينما في القرن الماضي هي الرّافد الثقافي الحقيقي ونفّاج ترفيهي وحيد لسكان المدينة، وقد ظلّت السينما رمز في ذاكرةِ المدينة خاصة بين ذلك الجّيل الذي استنشق بدايات الاستقلال.   بدأَت السينما في مدينة ود مدني في بداية خمسينيات القرن الماضي أو قبل ذلك بقليل فيما يُعرف ب(السينما المتجوّلة) من قِبل وزارةِ الإعلام. كانت هذه السينما عبارة عن سيّارة بها شاشة تتجوّل داخل الأحياء، و يجد فيها موظف فنّي متَخَصّص في تشغيل هذه السينما المتجوّلة. في ذلك الحين بدأ وجود دُور السينمات الثّابتة يلُوح في أفق المدينة. 

مسرح 'الجزيرة' المهجور في مدينة ود مدني. . المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

 كانت هناك سينما واحدة بخلف مؤسسة القضاء الحاليّة و خلف شارع النيل، عُرفت مؤخراً بنادي المصارف جنوب المجلس التشريعي الرّاهِن. بعد ذلك بفترة قليلة تم تأسيس سينما الخوّاجة التي تقع بالقرب من شارع المحطة، وسينما الوطنية التي تقع في سوق ود مدني، غرب وزارة التربية والتعليم. وقد بدأتا تستهدفان الطبقة المثقّفة في ودمدني، ففي تلك الحقبة كان السبيل الوحيد للثقافة هو الفيلم والكتاب. 

 عند بحثك عن ما يخصّ دُور السينما قد تجد التّضارب والتّباين في المعلومات المقدّمة، خاصة فيما يخص ملّاك هذه الدّور. وهنا سنعرض المعلومات الأقرب للصواب، والتي تم تكرارها على ألسنة معاصري ذلك العهد الذين ما فتئت هذه الذكرى تقتنص الفرص للفرار من مهجعها فتبدأ بالسّيلان كسرد مشوّق. سينما (كولوزيوم) أو (الخواجة) يبدو أن مؤسسها (خواجة) ويقال أنها فرع من سينما (كولوزيوم الخرطوم). أمّا سينما (الوطنية) فهي نشاط لأفراد وطنيين أسّسوها بعد الاستقلال، أو ربما شركات خاصة وطنيّة. وهذا ما يعتقده سكان المدينة القدامى ومرتادي السينما ومثقفي المدينة آنذاك، ولم يتم العثور على معلومة مؤكدة لملاّك هذه السينمات جميعها. 

مسرح 'الجزيرة' المهجور في مدينة ود مدني. . المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

  استمر هذا الوضع حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، ففي سنة 1975م ظهرت سينما (رودي) التي تقع بحي الدباغة، وسينما (أمير) التي تقع في حي الحلة الجديدة. حتى ذلك الوقت، كان للسينما ألقها ووهجها وجاذبيتها. ومؤخراً ظهرت سينما (الزمالك) التي تقع بحي الزمالك. كانت هذه الدُور الستّة، بالإضافة لل(سينما المتجوّلة) هي التي قدّمت السينما في مدينة ودمدني. 

مسرح 'الجزيرة' المهجور في مدينة ود مدني. . المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

مرتادي السينما 

 سينما (الخوّاجة) يمكن اعتبارها كسينما نوعيّة، فقد إستهدفت بشكل واضح طبقة محددة من المدينة. كان مرتاديها بصورة راتبة من الطبقة المثقّفة (إنتلجنسيا المدينة) والطبقة والمتوسّطة التي تم تدميرها، والباحثين عن المعرفة. لقد تحدث أحد رواد السينما آنذاك أن السينما هي التي قادته للكتاب بما تحمله السينما من أفكار معقّدة أحياناً على عقولهم الغضّة. 

 أما سينما الوطنية فقد أهتمت عموماً بالأفلام العربية، والهندية وبعض الأفلام الأجنبية، و بإمكاننا اعتبار أنها استهدفت الطبقة المسحوقة (البروليتاريا). لم يقتصر دور السينما في التثقيف على تخيّر وإنتقاء الافلام النوعيّة فقط، فقد كانت السينما تذيع اخبار ال بي بي سي  وغيرها من محطات الأخبار العالمية في فترة الاستراحة أثناء الأفلام. كانت تهتم السينما بأن تكون مصدر ثقافي ممتاز ومتكامل، فكانت تبثّ الأخبار السّياسيّة والاقتصاديّة والرّياضيّة العالميّة. إن الثقافة التي اقتصرت على الفيلم والكتاب وبعض النوادي الثقافية والرياضية لم تكن تخلو من النقاشات عن الأفلام التي عُرِضت، أو عن الفيلم التالي الذي سيعرض. وايضاً كانت هناك نقاشات محمومة خارج السينما بعد انتهاء الأفلام وحتى في المناسبات الرسمية والاجتماعية التي تتطلب أن يجتمع فيها مجتمع ود مدني.

السينما في مدينة ود مدني أثرّث بشكل واضح في العلاقات الاجتماعية، فأثرَتها ومدّتها بالرقي والترفّع. فقد كان السكان في ذلك الوقت يجتمعون في أماكن محددة وبسيطة مثل المدرسة، النادي، السينما. كانت السينما في تنظيمها وترتيبها منذ سبعينيات القرن الماضي تُظهر هذا المجتمع المنظم فقد كانت الأفلام في سينما (الخواجة) مقسّمة حسب الأفلام ونوعيتها في جدولة متقنة. وحسب الطبقة المستهدفة، المشرفين على السينما كانوا يعون جيداً متطلّبات المجتمع ذو الفئات المختلفة. مثلاً: يوما الخميس والثلاثاء كانا للفيلم الأجنبي وهذان اليومان يستهدف بهما الأنتلجنسيا في ودمدني، بينما يوما الجمعة والأحد هما للفيلم العربي. وهكذا في تنظيم دقيق حتى في مواعيد عرض الأفلام التي تعرضُ على الشاشة الخارجية للسينما الفيلم القادم و تُروج عنه بمشاهد منه، وتعرضه في الاستراحات أثناء الأفلام أيضا، مما يترك المجال للمناقشة داخل الاندية. حتى أن هنالك أيام لعرض الأفلام التي تستهدف الجماعات الدينية مثل فيلم (فجر الإسلام) وغيرها من الأفلام ذات الطابع الديني. 

  كانت للنساء والفتيات المساحة في الدخول للسينما، لكن بشكل أسري. فامتد التنظيم داخل السينما في مدرجات: الطابق السفلي كان للجميع،  والطابق الثاني أو ما يعرف ب(اللّوج) وهم (درجة ثانية). وكانت هنالك (بلكونات) داخل السينما وهي الدرجة الأولى أو الطابق الثالث، وهو مخصّص للأسر والعائلات بما  في ذلك النساء. 

سينما الخواجة بمدينة ود مدني. المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

 تدخّل الحكومات في ذلك الوقت في ما تقدمه السينما من محتوى لم يكن بالشيء المزعج للعديد من الناس. فقد كان هنالك مايعرف ب( مقصّ الرّقابة) مهمته حذف المشاهد الغير لائقة، و التي ظنت الرقابة أنها تمس عادات المجتمع السوداني أو تستفز عقيدته- و لكن بطريقة غير مخلّة بقضيّةِ الفيلم. لكن الحكومة لم تكن تفرض رقابة شاملة وحادّة وعنيفة على ما يتم جلبه من أفلام، ولا على القائمين على أمر السينما من تضييق الخناق عليهم أو ملاحقتهم. فقد كانت هنالك حريّة كاملة لنوعيّة الأفلام التي كان يتم عرضها، بل ومجاراة العالم في جلبِ أحدث إنتاجات السينما، وتلك الأفلام التي كانت تنافس في المهرجانات العالمية مثل مهرجان كان السينمائي. 

سينما الخواجة بمدينة ود مدني. المصدر: محمد عمر لمجلة اندريا.

سنتحدث في المقال القادم عن نوعيّة الأفلام التي كانت تقَدّم، وعن نهاية دُور السينما في ودمدني و الأسباب التي أدت الى ذلك بصورة مفصّلة وما آلت اليه دُور السينما في عهد نظام المؤتمر الوطني. 

هذا المقال جزء من سلسلة لإستكشاف تأثير نظام الإنقاذ على المشهد الثقافي في حقب مختلفة. السلسلة ستروي بعضٌ مما

وجدناه في بحثنا في ودمدني، سنار، الفاشر، الدمازين و الخرطوم. في نهاية عام 2021، سننشر كتاب بالعربية و الإنجليزية نحلل فيه آثار عوامل مختلفة على المشهد الفني و الثقافي، و كيف يمكننا بناء أسس أقوى ما بعد الثورة السودانية. المشروع ممول من الصندوق العربي للثقافة و الفن بالشراكة مع أندريا.

  نُشر هذا المقال كجزء من سلسلة تغطي كيف شكل نظام الإنقاذ مشهد الفنون والثقافة في السودان على مدى 30 عامًا. بدعم من .أفاق, الصندوق العربي للثقافة والفنون


الاء جمال

آلاء جمال دفع الله، مهندسة تصنيع غذائي، كاتبة قصص قصيرة وشعر ومقالات، سبق لها أن نشرت في مجلتي "الجيل الجديد" و "الوراق" الرقمية. أصدرت كتابين ، مجموعة قصصية بعنوان "إتكاءة على جدار ماء" كمنحة لدار العرب (مصر) ومجموعة شعرية ثانية بعنوان "على حافة إندلاع الاعتقاد" من خلال دار اللوتس للنشر الحر في مصر. يمكن العثور عليها في كثير من الأحيان منخرطة ونشطة في العمل العام.