هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

هذا المقال هو واحد من 15 مقالًا نُشر في كتاب ما بعد الذاكرة: مقالات عن أرشيف السودان ، وهو كتاب تم تحريره ونشره بواسطة  لوكال. الكتاب معروض للبيع الآن ، ويمكنك طلبه من هنا.


 

إعتاد جدي أن يروي لنا قصة عن أمراء أرسلهم والده الملك للبحث عن شيء يعبر عن مدى حبهم له. عاد أحد الأبناء يحمل في يده بعضاً من الملح، فشعر الملك، الذي كان يقارنه البعض بالمجوهرات الثمينة، بالإهانة مما جاء به ابنه فقام بطرده. لم يكن إلا بعد طرده أن استدرك الملك قيمة ملح الطعام البسيط، و أدرك كَم الحب الذي يحمله له ابنه ليقارنه بشيء ضروري وأساسي مثل الملح .ذكرت هذه القصة في كتاب “العامية في السودان” للبروفيسور بابكر بدري الذي يجمع الأمثال السودانية والقصص والأقوال المحلية. وتكوِّن القصص والحكايات التقليدية مثل هذه القصة أرشيفاً واضحاً للأطعمة وتاريخها في السودان وتشرح ارتباط الثقافات بتفاصيل إعداد الأطعمة والمشروبات السودانية.1 

 

بالنسبة لي و خلال فترة تواجدي خارج السودان، كان تناول الأطعمة السودانية كافياً لخلق صلة عميقة وراسخة بجزء لا يتجزأ من هويتي. فحينما كبُرت وابتعدت عن أسرتي، اقتصرت صلتي بالأطعمة السودانية على الزيارات لمنزل العائلة لتناول طعام والدتي. ولكنني أدركت أنه إذا تمكنت من إعداد هذه الأطعمة بنفسي، سأكون متحكماً في هذه الصلة ويمكنني الاستمتاع بها في أي وقت. فكرت كثيراً في قيمة هذه العلاقة، في البداية على المستوى الشخصي، ثم على المستوى المجتمعي وفي النهاية على المستوى العالمي.

 

دفعتني الحاجة الشخصية لإدخال الأطعمة السودانية في حياتي إلى أن أجعلها جزءاً من حياة الآخرين من حولي، سواء كانوا سودانيين أو غير سودانيين. فبدأت بالتعرف على فنون الطهي لدينا، من أين أتت وإلى أين تتجه. ومن خلال الخوض في عالم الأطعمة السودانية، والتركيز على جوانبه الفنية والأنثروبولوجية، اكتشفت كنوزاً من الحكمة والمعرفة وتقديراً للذين أتقنوا فن إعداد هذه الأطعمة. كان هدفي الأساسي هو إستخدام الأطعمة السودانية كوسيلة للرد على النظرة السلبية عن السودان، فمن خلال إعادة سرد تاريخ السودان عبر منظور الأكل وتقديم وصفات بسيطة يسهل تنفيذها، والتي تعمل بوصفها مرجعاً تاريخياً وثقافياً لهذه الأطعمة لمن تتملكهم الرغبة في معرفة مطبخنا الغني، والذي لم يتم التعرف عليه عالمياً كبقية مطابخ العالم.



الصورة بعدسة عمر التيجاني


كانت والدتي وعماتي هن وجهتي الأولى في هذه الرحلة الاستكشافية الجديدة لأطعمتنا السودانية. وبدا واضحاً كونها المرة الأولى التي يُسألون فيها مثل هذه الأسئلة الدقيقة حول الأطعمة السودانية، حيث إن معرفتهم عن الأطعمة السودانية أمر مسلم به، وقل ما يستفيد منها الجيل الحديث لذا أصبحت مادة ثقافية هشَّة.

 

ولقد تفاجأ أفراد عائلتي، كوني رجلاً، بأن أكون مهتماً بموضوع الطعام، فلا تجمع علاقة بين الرجل السوداني في الغالب بالطبخ وإعداد الطعام للعائلة، لذا فكان اهتمامي بالطبخ تحدياً للواقع وخلق وجوده نوعاً من الخلاف بيني وبين أفراد عائلتي الأكثر تحفظاً. فكان من المقبول لديهم أن أكون كاتباً وباحثاً في مجال الأطعمة، حيث تعتبر هذه مهن مناسبة للرجال، لكن ما لم يكن متعارف عليه هو أن أشارك في عملية الطهي، والذي يُنظر إليه في مجتمعنا الذكوري على أنه عمل نسائي. فغالباً ما يتم التقليل من رجولة الرجل الذي يشارك في عملية الطهي ويتم تجريحهم باستخدام ألفاظ كراهية المثليين.

 

من خلال هذا البحث، أدركت أن وصفات الأطعمة السودانية متغيرة، وبها إختلافات كبيرة، وتعتمد على ميول الأفراد وخيارات المنطقة حيث يستخدم الطهاة في كل منطقة من البلاد أنواع مختلفة من التوابل، ويستخدمون مكونات مختلفة للحصول على قوام مُعيَّن، ويقومون بضبط درجات تخمير المكونات لتقديم مذاقات مختلفة.

 

تعد مهمة توثيق هذه الأطعمة وإعداد الوصفات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، وذلك لأن الكميات المستخدمة متأصلة ضمن مهارات الطهاة الذين يعدون الأطعمة. تتكون الأطعمة السودانية من مزيج من التأثيرات المختلفة، وتختلف درجة معرفة الناس بأصول الأطعمة وقدرتهم على صنعها بإختلاف المنطقة التي ينتمون إليها من البلاد وباختلاف أصولهم العرقية. تنتمي أصول عائلتي إلى شمال السودان ولها علاقات قوية بمصر وتركيا، لذا فان الأطعمة السودانية التي يقوم بإعدادها أفراد عائلتي متأثرة بالمطبخ العربي ومنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، مثل أطباق الحساء والطبايخ والسلطات والحلويات. على سبيل المثال: حساء لسان العصفور المكون من معكرونة الأرز مع مرقة لحم الضأن، و سلطة الروب، وهي عبارة عن زبادي بالخيار، بالإضافة إلى طبيخ الفاصوليا والذي يرجع أصله إلى تركيا، وطبق التحلية المصري المعروف بأم علي. لم تتمكن النساء في عائلتي من تقديم سياقات تاريخية أو معلومات عن الأطعمة السودانية التي ترتبط إرتباطاً وثيقاً بثقافات وسط وغرب إفريقيا، مثل العصيدة أو الكسرة أو الأقاشي. وغالباً ما يتم التقليل من أهمية دور المجتمعات المهمشة الموجودة في دارفور ومنطقة النيل الأزرق كمثال، في إثراء المطبخ السوداني. ولا تذكر مساهماتهم في إطار الفهم الأوسع للثقافة السودانية، على الرغم من الإحتفاء بالأطعمة نفسها على أنها كلاسيكيات سودانية منتشرة في كل مكان. لذلك، فإن فهم هذه الثقافات الغذائية الفريدة وتمثيلها بدقة أمر ضروري وحاسم في تشكيل أرشيفات شاملة للأطعمة.



الصورة بعدسة ضحى محمد


أسهمت عدداً من المؤسسات العامة الموجودة في المملكة المتحدة والتي تحتوي على معلومات أرشيفية عن السودان في إكمال بحثي، ولدى البعض منها مكتبات متوفرة على الانترنت مثل أرشيف السودان في جامعة درهام وأرشيف السودان المفتوح التابع لمعهد ريفت فالي. كما تحتوي مكتبة مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) والمكتبة البريطانية أيضاً على كتالوجات شاملة تتعلق بالسودان. ولكن للأسف لم تتمكن هذه الأرشيفات من تقديم سوى مجرد معلومات تمهيدية عن الأطعمة السودانية. وبالإضافة إلى ذلك فقد تحصلت على عمل أرشيفي كبير آخر في مذكرات وسجلات السودان (١٩١٨-١٩٨٤ و١٩٩٧-٢٠٠١)2 والذي لفت انتباهي إلى كتاب البروفيسور عبد الله الطيب “العادات المتغيرة في السودان النهري النيلي)”١٩٩٨ ) 3.

 

وقد قمت أيضاً بزيارة مكتب السجلات الوطنية، ووزارة الثقافة في السودان ، بالإضافة إلى المتاحف القومية والإثنوغرافية، والمكتبات المختلفة، والجامعات. أملت أن أجد كتباً وأعمالاً أخرى باللغة العربية أقل شهرة أو غير معروفة للعيان، ليتسنى لي أن آتي بمعلومات جديدة نوعاً ما. لكن للأسف، كانت العديد من الأعمال المتعلقة بالأطعمة السودانية إما يتعذَّر الوصول إليها أو لم يتم حفظها بشكل مناسب. لم يكن هناك سوى مجموعة من الوثائق الثقافية الرئيسية للكُتَّاب السودانيين، بينما ما تبقى من الكتابات يتعلق بالمخططات الزراعية الحديثة ومخاوف الأمن الغذائي بعد أطول حرب في التاريخ الأفريقي الحديث (١٩٥٥-١٩٧٢ و١٩٨٣-٢٠٠٥). تمت كتابة غالبية هذه المؤلفات من قبل كُتّاب أوروبيين، والذين لم يولوا كثيراً من الاهتمام لخصوصيات ثقافتنا. كانت التفاصيل مُعمَّمة وغالباً ما تفتقر إلى المضمون. ومن المحتمل جداً وجود أجندة خاصة لهؤلاء الكُتّاب عند كتابتهم عن السودان الذي كان غارقاً في التحيز الاستعماري. في حين أن انعدام الأمن الغذائي قد كان ولا يزال يمثل تهديداً خطيراً على السودان، إلا أن القليل جداً من الأعمال الأرشيفية في هذا المجال البحثي تعمل على تمكين الشعب السوداني أو التعمق في الثقل الثقافي الهائل الذي أدى إلى تشكيل ثقافتنا الغنية.

 

من بين المصادر البارزة، الكتاب الرائع لحامد ضرار The Indigenous Fermented Foods of the Sudan ١٩٩٣ 4. يأخذ الكتاب القراء في رحلة إلى تاريخ الأطعمة الذي نادراً ما يتم وصفه، ويشرح بتفاصيل مذهلة كيفية تطوير أجدادنا لعملية فن التخمير، مما أدى إلى ظهور مجموعة من الأطعمة المخمَّرة التقليدية. يخبرنا ضرار عن السودان من خلال الأطعمة السودانية بشكل عام، ثم يركِّز بشكل خاص على الأطعمة المخمرة. وأثناء إطّلاعي على أعماله، شعرت أن بحثه تضمَّن الوصفات التي كنت أجمعها ويسرد القصص المتعلقة بهذه الأكلات بشكل مفصل. قدم ضرار وغيره من الباحثين الأساس لوضع الوصفات التي كنت أجمعها في سياق فهم أوسع لجغرافية السودان وتاريخ الطعام وأنثروبولوجيا الطهي والعادات والتقاليد اليومية. مما أدى إلى إثراء لتوثيقي للمطبخ السوداني وإعادة توجيهه بعيداً عن تسليع واستهلاك المواد الثقافية التي تُعتبر مكافأة لصيحات الطعام الحديثة وكتب الوصفات.


الصورة بعدسة ضحى محمد


خلال عملية البحث، عملت المنصات والمجتمعات على الانترنت على توسيع نطاق مجال تاريخ الأطعمة القادم من مجموعة واسعة من السودانيين من كلا الجنسين ومن مختلف الطبقات والحدود الإثنوغرافية والجغرافية. مستفيدين من مساحة السودان الكبيرة وقوته الثقافية، ومكونين صلات مع السودانيين في المهجر ويرحبون بالوافدين الجدد في خطاب جديد على الإنترنت حول الأطعمة السودانية. مع اتساع فهمي للهويات السودانية وثقافة الأطعمة في السودان، من خبرتي داخل وخارج السودان، توصلت إلى العديد من الاحتمالات، وبدأت في تصنيف أطعمة المطبخ السوداني كالتالي:

 

أ- أطعمة خاصة بالسودان، مثل الكَوَل؛ نبتة مخمرة، والسلات؛ اللحم المشوي على الحجارة الناعمة - والتي تتواجد بشكل أساسي في غرب وشرق السودان على التوالي.

ب- أطعمة يختص بها السودان وجنوب السودان، مثل الكسرة والمُلاح والعصيدة.

ج- أطعمة مكتسبة نتيجة التاريخ الاستعماري الطويل والمتنوع للسودان.

 

فعلى سبيل المثال، الشيَّة؛ اللحم المشوي والطبايخ؛ يخنات مستمدة من أساليب الطبخ التركية وجدت طريقها إلى السودان بعد الاحتلال التركي للسودان (١٨٢١-١٨٨٥)، ولا تزال هذه الأطعمة تُعامل على أنها أطعمة تقليدية وإن لم تعد أصولها للسودان، لأنها تربط جزءاً لا يتجزأ من التاريخ. طبق آخر، هو طبق العصيدة المميز، وهي عجينة الذرة الرفيعة أو الذرة البيضاء، هو طعام أقدم بكثير من الأطعمة التي تعود أصولها للسودان على الرغم من انتقالها من غرب إفريقيا، وبالتالي فتُعتبر مشابهة لأطعمة غرب إفريقيا مثل الغاري والفوفو. يُعرف كل من ملاح اللوبيا: يخنة البازلاء السوداء، والمريسة: بيرة الذرة، في غرب وجنوب السودان بأنها الغذاء الكافي لليوم بأكمله خلال أوقات الشدة.

 

أثناء تصنيف هذه الأطعمة، تبيَّن لي أن وصولها إلى المطبخ السوداني الحديث قد تزامن مع الحقب التاريخية و السياسية التي مرت على السودان. يمكن أن تكون الأطعمة بحد ذاتها أرشيف لتاريخ السودان يعكس تغيرات الشعوب والتغييرات السياسية. يتألف الجزء المتبقي من بحثي في السودان من التوثيق لتاريخ مجموعة من الأطعمة من جميع أنحاء السودان، مع التركيز على علاقات الأفراد بالأطعمة التقليدية. في هذه المرحلة، تفوَّق التاريخ الشفوي بشكل كبير على المؤلفات الأرشيفية. ومع ذلك، نظراً لأن الأطعمة تُعتبر أشياء مادية وموضوعية جداً، فقد كنت آمل أن يعتبر هذا التوثيق الشفوي بمثابة أساس للتوثيق المكتوب، وأن يسمح لتوثيقي بتجاوز الخط الفاصل بين المؤلفات الأكاديمية وخبراتنا الحية. وبالتالي، ينتج عن ذلك تجميع البحوث التاريخية والثقافية التي تحتوي على وصفات عملية وسهلة التنفيذ، مشكِّلة بذلك أرشيفاً ثقافياً للراغبين في المشاركة في مطبخنا الغني الذي لم يتم اكتشافه.

إن عملية التوثيق هذه تُعتبر جديدة نسبياً بالنسبة للسودان، خاصة بعد ظهور وسائل الإعلام عبر الانترنت. لقد مهد تفكيك الحُكم الرجعي في السودان الطريق لمزيد من حرية التعبير والمشاريع التي توحِّد المجتمعات السودانية على الصعيد العالمي. ففي أعقاب انتفاضة عام ٢٠١٩ يشهد السودان تحولاً في الوعي فيما يتعلق بالأرشيف. ويدرك هذا الجيل الجديد الذي يقيم البعض منه في الخارج، التداعيات المُدمِّرة لغياب الأرشيف على نفسياتنا.

 

غالباً ما يتم التقليل من أهمية دور الأطعمة في المجتمع السوداني. ولكن من خلال البحث عن تفاصيل قصص هذه الأطعمة، نجد تمثيلات للثقافات والمجتمعات المهمشة، مما يساعد على توفير فهمٍ أوسع للثقافة السودانية. ويساعد إنشاء مشاريع تعاونية للبحث في مجال الأطعمة السودانية من تقوية إحساسنا بالهوية ويسهم في تمكين السودانيين من النظر بشكل أعمق للمطبخ السوداني كوسيلة لنقل وسرد قصة أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً.

 

 

المراجـــع 

 

1 Babiker, Badri. Sudanese Proverbs. Misr Publication House. 1962.

2 Osman, Suad et al. “Urbanization and Food Consumption Patterns of Dar Hamad and Zagawa Migrants to Khartoum State.” Sudan Notes and Records. University of Khartoum. Volume 5. 2001.

3 El Tayib, Abdullah. The Changing Customs of Riverain Sudan. Sudan Notes and Records. University of Khartoum. Volume 36. 1955.

4 Dirar, Hamid. The Indigenous Fermented Foods of the Sudan: A Study in African Food and Nutrition. CAB international. 1993.

 




عمر التجاني

عمر التيجاني ، رئيس الطهاة ومؤسس "المطبخ السوداني" ،أمضى السنوات القليلة الماضية في تجميع الوصفات لإعداد كتاب طبخ وسد النقص الحالي في الطعام السوداني في مشهد الطعام في لندن.