هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

نبتت الصوفية بمدينة الأُبيض، والطريق للقباب الصوفية -كما يقول الحيران- تصرفه الدعوات والترقب ، واللهفة لحضرة الشيخ أو الولي كما يسمونه. فالناس لا تخلو من التفكير عن كرامات الولي في يوم الذكر ويوم الزيارات. آندريا زارت قبة إسماعيل الولي في مدينة الأبيض، وحضرت محادثة عن المكون الشخصي للمتصوف، وعن الطرق الصوفية المختلفة ونهج الطريقة الإسماعيلية بصورة خاصة.

كانت  زيارتنا لمقام قبة الولي والسيد إسماعيل مصطفى البكري، وهو خليفة الطريقة الإسماعيلية ورئاسة السجادة الإسماعيلية في مدينة الأبيض. تأسست السجادة الإسماعيلية بهمة الشيخ إسماعيل الولي في العام 1241 هـ الموافق 1826 م ، وتوالى على خلافته أبناءه من بعده. وهذه هي الطريقة الوحيدة السودانية التكوين والنشأة مقارنة بالطرق الصوفية الأخرى في العالم.

في باديء الأمر، كانت  النشأة في حي الدناقلة في الجانب الغربي لسوق الأبيض، الذي تحول اسمه لحي القُبة، تيمناً بالقبة التي بناها نجل السيد إسماعيل الولي على ضريح والده عام 1904. ولم ينحصر دور السجادة الإسماعيلية والقبة في تغيير إسم الحي فقط، بل تجاوزه لأبعاد دينية واجتماعية أيضاً، حيث تدور حياة الحي بصورة ملموسة بكل تفاصيلها الدينية والإجتماعية والثقافية حول السجادة الإسماعيلية وأهلها، ويتمادى أثرها على المجتمعات الأخرى في مدينة الأبيض.

المصدر: الجزيرة

مقابلة الشيخ الولي

كان نداء صلاة الظهر ينادي حيّ على الصلاة وقت زيارتي للشيخ. بعد الصلاة، سلم عليّ السيد إسماعيل مصطفى البكري و استأذنني لبضع دقائق. جلس مقبلاً أمام محراب المسجد، هاديء الوجه، خاشعاً في ذكره ، وبصوت رقيق تلى أوراده ثم قرأ ما تيسر له من القرآن وذكر آيات الدعاء. أثناء ملاحظتي له، عمه الخشية والتضرع، وكما لو أن هالة روحية حاطت بالمكان. و في تلك اللحظة، امتلأ قلبي بهالة من السكون والراحة، وشعرت ببرودة تسري على جسدي.

بعدها، جلسنا نتبادل الحديث حيث ابتدأ السيد إسماعيل عن التصوف قائلاً: " إن التصوف تربية سُوح مبنية على التصالح النفسي ، موصوفة بالتواضع ، وأن الجهل بالشيء فكرة للمعرفة ، والحضور يتشكل بالذكر ، وأن كل الطرق الصوفية نهجها يقوم على تطبيق السنة النبوية بشكل مختلف كما إختلاف الدعوات لأساس واحد وغاية واحدة ، يهمها الإنسان كسلوك وروح . فتصوف الإنسان يؤسس لرضاه وراحته ، فالتصوف منهج تصحيح السلوك كإجابة لدعوة الدين .ما تشمله الصوفية من تقويم فردي ، لتتحلى الروح والنفس بالجميل مستندة على الكتاب والسنة النبوية ، وتعد من أولوياتها إصلاح علل الفرد النفسية والروحية بمراقبة النفس، والاستعانة على تفلت النفس بالذكر الحكيم وتربيتها ، كتتبع أثر أمره : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ...) لتحقيق مقام عالي يتجلى بالتقوى والورع .. فمقام التصوف الأصيل في المراقبة النفسية، مراقبة الخالق ، وأعلاها أن ترى الله ( أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك ) ".

المصدر: Qantra.de

من التساؤلات المجهولة والمريبة للكثيرين هي خلافة السجادات الصوفية المختلفة ، فكيف يتم انتقال الخلافة من الولي لخليفته؟ تتم الخلافة بحكم التوارث للإبن الأكبر ، كما عهد العادات والتقاليد في أن تصير مسؤولية البيت والأسرة للأكبر عمراً. وقد تختلف في بعض الحالات إعتماداً على تفاصيل عائلية آخرى كما إختلاف كل طريقة ونهجها عن الطرق الأخرى .

تلاميذ الشيخ

قبل أن ألتقي السيد إسماعيل مصطفى البكري، جلستُ في ديوانٍ ملحق للمسجد خاص بالضيوف. وكنت قد التقيت بإثنين من تلاميذ الشيخ. دار الحوار كما يدور درويش في حلقة الذكر، حديث متنوع وبسيط لصبييّن متقاربيّن في العُمر 17-20 سنة، هما: *أحمد  و*عبدالله . تجلت إختلافاتهما في الهمة وروح التعلق كما ذكرها أحمد.

المصدر: Bibi Eng

كان الإختلاف ظاهراً بين روحٍ أحمد الراغبة للطريقة والمدركة لصوفية الحس الديني بفطرة النشأة في بيت الخليفة،و للمكانة والمسؤولية التي يسير عليها نهج السجادة الإسماعيلية. وبين روح عبدالله التي قادتها رغبة أهله من جنوب شرق الأبيض للإنضمام للطريقة ، إذ ظهرت في أجاباته لأسئلتي بكلمات بسيطة أو بالصمت، يبدو كصبي مجبر من أهله على وجوده في المسيد. كأنه مشوش الفكر ومتنازع في قرارته كما يطل من ماضي بعيد مجهول. كانت أسئلتي تخيفه فلا يرد عليها إلا بكلمات بسيطة كمن يبدو وراءه شيء خفيء ومجهول.

" إن من أكبر أمنياتي هو القرب من الخليفة وحمل شرف الخلافة التي تأخذ روحي لعالم التعبد والصوفية والمكانة العالية " . *أحمد  إبن أسرة الولي ومن نشأ في الخلوة.

المصدر: African Media Agency

كمقارنة بين صبيين بلغا الحلم منذ أعوام قليلة، أظهر *أحمد رغبته للنهج الصوفي بطبيعة نشأته منذ ميلاده تحت كنف أسرة السيد إسماعيل الولي . أما الآخر، *عبدالله ، فقد أرسله أهله بعد الزيارات التي قام بها الشيخ وتابعيه للقرى المجاورة لإحياء الذكر فيها لتثبيت قلوب مريدي الطريقة الإسماعيلية وتجديد النشاط بالذكر وحثهم على التقوى والتمسك بآداب الطريقة.

يقول أحمد عن التصوّف:” هنالك شوق لله منذ ميلادي كعبد لله ؛ شوق إرتباط بالله يظهر مثل الأساور الدينية التي تزين الروح ولا تقيدها .و هنالك إحساس غريب بعدم الراحة في مكان آخر حين ذهابي بعيداً عن القبة وعن قرب الولي؛ مثل المرض والتعب الروحي الذي لا شفاء منه إلا بذكر وأوراد شيخي حتى أعود لقرب القبة ومسجد سيدي إسماعيل الولي .الزهد عن الدنيا صفات المتعبدين ، ومعرفتي بأمور الدنيا يكفيني الخوض فيها ؛ والطريقة الإسماعيلية تكفيني للأخرة. إن بالذكر إحساس بالراحة ما يثبت الإرتباط الوجداني ، العاطفي والديني وأثره على المجتمع والجماعات المختلفة حول أي فرد وفي أي مكان، كما يقوي انتهاج الأثر بوعيّ التربية في أول التعلم والإيمان في آخر المراحل.”

عن المعنى والأثر الشخصي لذكر الصوفية قال : “المديح والذكر تعتبر مثبتات للروح وللنفس ؛ كتروايح تُقوم الجسد كما تلمس القلب وتُسكِن إضطراباته وتزيد من همته بالذكر والصلاة والعبادة ".

أما عن مكانة الصوفية فقال: “إن لأي طريقة صوفية عتبات . فكل ما تملك الإيمان واليقين الذي يشهده الخليفة فيك ؛ ارتفع مقامك ؛ فالطريقة نهج وعروة وثقة، تعاهد الله عليها كما تبايع الشيخ عليها في أول انضمامك للطريقة . "فمن نكث عهده فإنما ينكث عن نفسه" . و الطريقة تُؤخذ بالمبايعة كمسؤولية لا إنقضاض لعهدها”.  كما أضاف : " أعلم وأحفظ من الأوراد والذكر للطرق الآخرى غير الطريقة الإسماعيلية مقدار ما أعرف من اختلافاتها من طريقة صوفية أخرى ؛ كما لا فرق كبير بين ذكر وآخر إلا بالكلمات ونقاء قلب صاحبه ونيته ".

سألته عن أكثر الأشياء المؤثرة والسمحة في كنف الطريقة الصوفية الإسماعيلية ، لم يتردد حين قال : " أجمل إحساس هو مرتبط بالذكر لراحته ، وجمال الزيارات خارج قبة إسماعيل الولي للمناطق المختلفة خارج مدينة الأُبيض، في رحلة من الشيخ والتلاميذ لأماكن مختلفة للذكر وكل ما يسبقها ويلحقها من شعائر دينية وتحضيرية . "

المصدر: Phil Hatcher Moore

كان ختام حواري مع السيد إسماعيل عن كيف حاله كصوفي ؛ أجاب بأن " كل يوم هو في شأن ، فدوام حال الخلائق من المُحال والحمد لله على كل حال ".

يمكن الملاحظة أن جذور الطريقة الإسماعيلية وصوفيتها تظهر في شخصية أحمد بتمسكه وإيمانه لإرتباطه بنشأته في أسرة إسماعيل الولي وبساطة تقبله للطريقة وتأثير الأسرة والمرتبط بالتأثير الروحي والديني للشعائر المختلفة كالزيارات والذكر وغيرها. كما الرغبة بالحصول على الخلافة ومكانتها كتمثيل لرئاسة الطريقة والقائمة على المركزية حول شخصية الشيخ أو الولي إسماعيل . كما تخلق تساؤل حول الأسباب التي قادت عبدالله لتواجده في ذات المكان من دون رغبة أو إرادة. فبرغم كل السياسات والمناهج المختلفة في إدارة الطرق الصوفية وتأثيرها على المجتمع، تعد الشعائر الصوفية من مديح وذكر وأعياد محل قبول وحضور ومشاركة. كل ذلك يتم بصورة متسامحة وإحتفالية في وسط الشعب السوداني، كمكون لا يتجزأ من المكون الثقافي والديني والإنساني لتعايش المجتمع السوداني. 


* السيد إسماعيل كنية تلازم الخليفة تيمناً بالسيد إسماعيل الولي ، ثم يليها إسمه الحقيقي

* أحمد ، عبدالله : أسماء مستعارة للتلاميذ

* مصادر آخرى : 

wikipedia.org/wiki/- إسماعيل_الولي

- الموقع الإلكتروني للطريقة الإسماعيلية almshareq.com


خالد عمر

خالد كاتب من السودان مهتم بسرد حكايا المدن البعيدة والترحال والثقافات المختلفة. حاصل على جائزة الطيب صالح للقصة القصيرة للشباب عام 2013. يعمل كاتبا بمجلة جيل جديد الإلكترونية منذ العام. 2010