هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

حقوق الصورة ترجع لمعرض داون تاون ومعرض بروتيريا


غيَر القيمون الفنيون قواعد اللعبة بالنسبة لسوق الفن السوداني المتنامي بطريقة أساسية. لقد توصلت إلى هذا بعد العمل الوثيق في المجال الفني لأكثر من عام. فالأمين الفني أو "القيم الفني" هو رائد أعمال، ومفكر مبدع، ومسوق عن ظهر قلب، ولكن بطريقة متقدمة ومتطورة للغاية.


تاريخياً، كانت العروض الفنية في السودان يتم إعدادها وتنظيمها بالكامل من قبل الفنانين أنفسهم، إلى أن تدخل القيمون الفنيون كوسطاء تسويق، وربطوا معايير التخطيط السردية والمهنية، واقتربوا خطوة واحدة من هواة جمع الأعمال الفنية، مما أدى إلى تقليص الفجوة بين الفنانين وجمهورهم. لا يمكن لمراقبي الساحة الفنية أن ينكروا جهودهم في تسريع النظام البيئي المتنامي وإثراء المشهد الثقافي من خلال الأعمال التنظيمية والمشاريع الفنية.


في حالة الفنون الجميلة في السودان، يتمتع القيمون الفنيون بوزن كبير في السوق نظرًا لأنهم يشغلون أيضًا دورًا خاصًا كأصحاب المعارض، مما يزيد من تمكين موقفهم كحراس بوابة في العديد من السيناريوهات. لقد كان لدي دائمًا حلم جامح بتوثيق دور القيمين المعاصرين من خلال تحليل أعمق، وتتبع خطوات الأساتذة الأوائل وصولاً إلى الممارسين الحاليين، وعلاقاتهم التاريخية مع جانبي العرض والطلب.


ومع ذلك، في 15 أبريل، اندلعت حرب في العاصمة السودانية الخرطوم، نتيجة للأعمال العدائية المستمرة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني. وشكل هذا الوضع تهديداً كبيراً لحياة الملايين من الأفراد، مما يعرضهم لخطر الموت والتهجير القسري. على الرغم من المحن التي مر بها السودانيين وحالة عدم اليقين، يواصل القيمون الفنيون لعب دور حاسم في تحويل سوق الفن السوداني.

رحيم في معرض البرتغال. المصدر: إدواردو سوزا ريبيرو


رحيم شداد، مهندس ميكانيكي سابق ويعتبر أمين المعرض الرائد في الخرطوم، ومالك ومدير معرض داون تاون "داون تاون جاليري"، يبدو دائمًا هادئًا وغارقاً في تفكيره. إنه يثير إعجاب كل من يتفاعل معه، بسبب عقليته الإبداعية المنفتحة.


واعتبر الباحثون أن اسمه جواز سفر كافٍ لإستكشاف المشهد الفني الحالي في السودان، فضلاً عن أنه يسهل الوصول للعديد من الموارد والمطبوعات الثقافية. على الرغم من مواجهة العديد من التحديات، تمكن شداد من إنشاء مكانة لنفسه ووضع المشهد الفني في السودان على الخريطة العالمية ورفع مستوى الوعي بحالة مجتمع الفنانين السودانيين خلال الحرب. قام بتنسيق معرضين دوليين طموحين - أحدهما في لشبونة، البرتغال، والآخر في كولونيا، ألمانيا - مما لفت إنتباه العالم إلى المرونة الفنية للرسامين السودانيين وعزز التبادل الثقافي.


بوستر معرض البرتغال. المصدر: داون تاون جاليري


"إضطراب في النيل" هو معرض أقيم في لشبونة بالبرتغال في يوليو 2023، وقدم لمحة شاملة عن المشهد الفني السوداني المعاصر، مسلطاً الضوء على كفاح الفنانين وإنتصاراتهم في مواجهة الإضطرابات السياسية والإجتماعية. وكان المعرض الأول من نوعه وتعاوناً فنياً رائداً بين المعرض السوداني ونظيره العالمي. كان يهدف إلى إبراز مواهب الفنانين البارزين والناشئين.


لم يحصل هذا المعرض على أراء نقدية جيدة فحسب، بل تصدر أيضًا أخبارًا دولية مع أكثر من ثماني مقابلات وتغطيات متنوعة أخرى. وأظهر نوع من العمل التنظيمي الفكري بعد الكثير من بيئة الإضطراب السياسي المزعزعة في السودان، و صمود فنانيها المستمر في مواجهة الوضع المرير. يعكس "إضطراب في النيل" الوضع الذي لم يستقر أبدًا والذي أصبح سمة مميزة لهذه المنطقة.


لذلك، لم يكن مفاجئًا رؤية المعرض متزامنًا بعد أسابيع قليلة فقط من إندلاع الحرب في الخرطوم. قدم المعرض مجموعة من المشاعر ويوضح حالة الصناعة الفنية في السودان منذ الإستقلال. وبدا الجمهور أكثر إعجابًا بالنضج الكبير والأصالة التي تتمتع بها الحركة السودانية المعاصرة. أجريت مقابلة مع رحيم شداد لمعرفة عملية تنظيم المعارض و الاعمال الفنية المختلفة بعد الحرب.


أندريا: هل يمكنك مشاركة رحلتك كقائم فني وسط ظروف الحرب الصعبة في بلدك؟


رحيم: طوال حياتي، لعبت المساحات دائمًا دورًا مهمًا في تشكيل ذكرياتي. لذلك، كان فقدان المعرض الذي عملت بلا كلل لتطويره على مر السنين، وتجديده إلى حالته التي كانت عليها قبل الحرب، بمثابة حبة دواء يصعب بلعها. أنا مرتبط بشدة بكل جانب من جوانب تلك المساحة. ومع ذلك، بعد مرور بعض الوقت، أدركت أنه على الرغم من أن المساحة المادية قد تختفي، إلا أن ذكريات جميع المعارض التي أقمناها لا تزال قائمة والعلاقات التي بنيناها مع الفنانين هي ما يهم حقاً. أنا ممتن للجهود المتفانية التي بذلناها في الأرشفة الرقمية لجميع اللوحات وكتالوجات المعارض والوثائق من رحلتنا الجميلة التي استمرت أربع سنوات.


عندما اندلعت الحرب، شعرت بالمسؤولية عن أخذ زمام المبادرة في كشف معاناة الفنانين من خلال تضخيم أصواتهم والحفاظ على تلك القصص للأجيال القادمة. وقد أثر هذا المسعى أيضًا علي شخصيًا، حيث جعلني أبدأ بتوثيق تجاربي العاطفية، بما في ذلك عندما نهبت قوات الدعم السريع منزلي ومعرضي، وكذلك اليوم الذي تمكنت فيه أختي من الفرار من الحرب بمفردها. لقد تركت هذه التجارب السلبية والمؤلمة تأثيرًا سوف يستمر لفترة من الزمن.


بهو معرض داون تاون. المصدر: محاسن إسماعيل


أندريا: كيف قمت بتصور وتنظيم هذين المعرضين الدوليين اللذين لفتا الإنتباه إلى حالة الفن في السودان؟


رحيم: لقد عملنا بجد لمدة عام ونصف لإخراج معرض "إضطراب في النيل" إلى النور في البرتغال. كان الهدف الأساسي من هذا العرض هو توضيح كيف قامت أجيال متعددة من الفنانين بإنتاج الفن لسنوات وسط أجواء مضطربة وغير مستقرة للغاية، وهي سمة بارزة لهذه المنطقة الجغرافية. يشير عنوان "اضطراب في النيل" إلى صعود وهبوط نهر النيل، وحركة إرتفاع وإنخفاض الأمواج، مما يجعل من الصعب التنبؤ به. وبالمثل، كانت دولة السودان غير مستقرة إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً. وعلى الرغم من أنها حقيقة مريرة، كما ذكرت خلال خطاب إفتتاح المعرض، إلا أنه يجب علينا أن نغتنم هذه الفرصة للإحتفال والإعتراف بمرونة وانتصارات هؤلاء الفنانين وسط الشدائد والمحن. دعونا نسلط الضوء على ما يحدث في السودان، بدلاً من مجرد إظهار الحزن والتعاطف.


وصول الأعمال الفنية إلى البرتغال. المصدر: معرض داون تاون


أندريا: ما هي التحديات الرئيسية التي واجهتها في تنظيم هذه المعارض خلال أوقات النزاع؟


رحيم: كان من أصعب المشاكل اللوجستية التي واجهتنا أثناء التحضير لمعرض "ذهب الجدة" في كولونيا، نقل بعض اللوحات الفنية لفنانين ما زالوا متواجدين في السودان. على سبيل المثال، كان لا بد من شحن الأعمال الفنية للفنان السوداني محمد أوهاج من بورتسودان، حيث يقيم حاليًا، إلى ألمانيا. وكانت هذه المهمة معقدة بسبب القيود المفروضة المختلفة، بما في ذلك غياب شركات الشحن والرحلات الجوية المباشرة، فضلاً عن متطلبات التعامل الشخصي. لقد كان القيام بهذه الرحلة من أصعب وأخطر التحديات التي واجهتها على الإطلاق، حيث إعتمدت على مساعدة أفراد عشوائيين. لسوء الحظ، بحلول الوقت الذي وصلت فيه الأعمال الفنية إلى ألمانيا، كان المعرض معروضًا بالفعل لمدة أسبوعين. ولمعالجة هذه المشكلة، قمنا بتوثيق جميع المحادثات التي أجريناها مع الأفراد الثمانية المشاركين في عملية النقل وأرفقنا لقطات شاشة لهذه المحادثات بالعمل الفني.


أندريا: كيف قمت بإختيار الفنانين والأعمال الفنية التي سيتم عرضها في هذه المعارض؟


رحيم: اخترت الفنانين على أساس الفكرة وليس العكس. لذلك، كان في البداية مفهومًا خالصًا قبل تحديد الفنان الذي يمكنه نقل الرسالة المقصودة بشكل أفضل. ونتيجة لذلك، تمكن المشاهدون من مشاهدة مجموعة متنوعة من التعبيرات الفنية التي تناقش حالة البلد وشعبه. وقد أظهرت المعارض بشكل فعال تطور وتقدم الحركة السودانية المعاصرة عبر مختلف الأجيال.


أندريا: هل يمكنك مشاركة أي لحظات لا تنسى أو مهمة خلال المعارض والتي كان لها تأثير عميق عليك أو على الزوار؟


رحيم: كلا المعرضين كان لهما تأثير كبير. كان للمعرض في ألمانيا تأثير قوي على وسائل التواصل الإجتماعي، حيث شاركه السودانيون والمؤثرون، مما أثار نقاشًا واسع النطاق. في المقابل، كان للمعرض في لشبونة تأثير أكبر على الصحافة، مع تغطية التلفزيون والإذاعة الوطنية البرتغالية، وكذلك في الصحف الكبرى مثل بابليكال. كما حظي المعرض بإهتمام العديد من المدونات الصوتية والمواقع المستقلة، مما اجتذب جمهورًا متنوعًا. إن البحث البسيط في Google عن اسم المعرض سيؤدي إلى العديد من المنشورات عبر صفحات متعددة، وهو دليل على مدى انتشاره المثير للإعجاب.


ومع ذلك، فإن اللحظة الأكثر أهمية عاطفيًا بالنسبة لي كانت أثناء مرافقتي لجلسة الحديث الفني. لقد فوجئت بسرور برؤية مكان الحدث ممتلئًا بالحضور، الذي يشمل أساتذة الجامعات، والناشطين السياسيين البارزين، والباحثين، وأمناء المعارض، ومؤرخي الفن، وسفراء مختلفين، ومؤثرين ثقافيين عرب، وطلاب فنون متحمسين. لقد طرح الجمهور أسئلة متنوعة، وحرصت على تقديم إجابات واقعية مبنية على الشفافية.

رحيم في معرض البرتغال. المصدر: إدواردو سوزا ريبيرو


أندريا: هل يمكنك أن تعطينا المزيد من الرؤى حول العرض الأدائي في كولونيا بألمانيا خلال "ذهب الجدة"؟


رحيم: عندما قدمت العرض المباشر في كولونيا، كانت هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها كفنان وليس فقط كقائم فني خلال عرض فني. تمحورت القطعة التركيبية الخاصة بي حول موضوع فقدان منازلنا والأرشيفات المادية التي نعتز بها. لدي صور لعائلتي معلقة من السقف، وقد التقطت جميعها داخل منزلنا. على الأرض، قمت برسم رسم تخطيطي أو مخطط لمنزلنا. طلبت مساعدة أحد الأصدقاء في قص الصور بالمقص بينما كنت أجلس في الأسفل وأراقبه وهو يلقيها على الأرض. وبمجرد أن انتهى، قمت بجمع الصور وبدأت في إعادة تجميعها معًا. لقد دعوت الجمهور، على الرغم من أن معظمهم من الألمان، للإنضمام إلي في تلصيق الصور بينما كنت أتحدث معهم باللغة العربية. كانت نيتي هي تسليط الضوء على كيف يمكن للغة في بعض الأحيان أن تخلق نقصًا في التعاطف وتشجيع الناس على التغلب على حواجز التواصل والنظر إلى الآخرين كبشر ببساطة من خلال تعزيز التعاطف والرحمة والدعم. بعد أن انتهينا من الصاق الصور، طلبت من الجمهور أن يضعوها داخل حقيبتي. ثم غادرت المكان ناقلاً رسالة مفادها أن الذكريات شخصية ولا يمكن أن تؤخذ منا. يعد وجود نظام دعم أمرًا بالغ الأهمية في تعزيز الحنين الصحي بدلاً من الحنين المؤلم. لقد كانت التجربة عاطفية، وأعتقد أنها تركت أثراً دائماً في نفوس من شهدوها.


خاتمة


على الرغم من أن الحرب كلفت المجتمعات السودانية خسائر فادحة، إلا أن الفن يظل أداة للتعبير، مما يخلق حوارات مجتمعية وتعاطفًا مع السودان لتضخيم الجهود لإنهاء الحرب. إنه لأمر مشجع أن نرى قيمين مثل رحيم شداد يحشدون الفنانين السودانيين في السودان وخارجه لسرد قصصهم على الرغم من الخسائر والألم. على الرغم من التحديات، أنتج الفنانون أعمالًا عميقة لمختلف الجماهير، لتذكير العالم بأن السودان يمر بحرب مؤلمة وأن التعاطف والدعم يمكن أن يقطعوا شوطًا طويلاً في عالم مجزأ. من الأهمية أيضاً الاحتفال بمرونة القطاع الفني والتصميم على أن يكون جزءًا من بناء السلام بدلاً من إثارة الحرب.


محاسن اسماعيل

محاسن إسماعيل هي أمينة ومدونة فنية سودانية تبلغ من العمر 22 عامًا، شردتها حرب السودان، حيث وجدت نفسها نازحة ومهددة بمستقبل كئيب وغامض. اندلعت الحرب عندما كانت في الفصل الأخير من دراستها في جامعة الخرطوم، حيث كانت بصدد التقديم لمنحة دراسية للحصول على درجة الماجستير في قطر. ونظرًا لعدم الإستقرار الحالي، فهي تشعر بالقلق من أنها قد تفقد هذه الفرصة وتضطر إلى الإنتظار لفترة غير معروفة للحصول على شهادتها.