هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

الأبيض مدينة حركية وبها العديد من الأجسام والمؤسسات الفاعلة في مجالات الثقافة والفنون المختلفة، على غرار الرابطة الفرنسية وفرقة روتس ومجموعة معرفيون من أجل الديموقراطية والتنمية. كما أن لها رصيد جيد من الأنشطة والفعاليات الثقافية على المستويين المحلي والقومي والتي يعتبر مهرجان بشيش من أشهرها.

مؤسسة بشيش للفنون الأدائية والتنمية إحدى مسارب الضوء التي إنفجرت في الأبيض وماطفقت تتمدد حتى أضاءت أبعد من مداها. رؤى الطيب منسقة مشاريع ضمن مجتمع صدقات وطالبة بمعهد دراسات السلام والتنمية بالأبيض. لها إهتمامات بالثقافة والفنون و هي إحدى المعاصرات لتجربة بشيش لأكثر من خمس سنوات كما أنها إحدى صديقات المؤسسة. تقول لنا:

“من الأشياء الملفتة للإننتباه في تجربة بشيش أنها تجربة شابة وتشكل قضايا حساسة، حيث أن المجتمع في حوجه لطرح مثل هذه القضايا بطريقة مختلفة وهو ماتقدمه بشيش عن طريق الفنون الأدائية، وأعتقد أنهم إستطاعوا أن يطبقوا رؤاهم لتصبح واقعاً وهذا يبدو جلياً في شكل التفاعل الكبير الذي تجده فعالياتهم المختلفة، والحالة التي صنعتها تجربة مهرجان بشيش داخل مجتمع شمال كردفان.”

التصوير: Sam Photography

تذهب أماسي نوري حمدون - وهي طالبة بكلية الآداب جامعة كردفان وعضو في كورال بشيش - إلى أن دور المرأة داخل المؤسسة جيد إلى حد ما. كما ترى أن المرأة تقوم بأدوار حيوية ومؤثرة، ولها صوتها الخاص وبصمتها التي لاينكرها أحد وهذا جزء من رؤية بشيش لقضية المساواة بين الجنسين. ولكن من ناحية التمثيل العددي للنساء داخل المؤسسة، فهناك خلل. تتفهم أماسي هذا الوضع نسبة لطبيعة الصراع الذي تخوضه المرأة في السودان لتنتزع مكانها الطبيعي في كافة المجالات. لذلك بشيش ليست إستثناء لأنها جزء من هذا المجتمع.

تولي مؤسسة بشيش أهمية كبيرة للمرأة وقضاياها سواء كانت قضايا صحية كختان الإناث أو قضايا إجتماعية لها تأثيرات سيئة على حياة المرأة: مثل زواج القاصرات او العنف ضد النساء. وهذا الإهتمام الكبير لها تجسد في شعار آخر نسخة لمهرجان بشيش الذي جاء بعنوان " المسرح وقضايا المرأة".

في هذا الحوار يحدثنا معمر القذافي محي الدين - ممثل ومخرج مسرحي والمدير العام لمركز بشيش - عن الفكرة وتأسيسها ورؤيتها لقضايا التغيير الإجتماعي عن طريق الثقافة والفنون، والأنشطة والفعاليات التي تنظمها بشيش، وهموم العمل الثقافي وتحدياته.

التصوير: Sam Photography

بشيش المشروع، متى كانت النشاة والتأسيس؟

معمر: بدأت بشيش كمجموعة مسرحية في العام .2005 و بعد مشاركتنا الفاعلة من خلال الفنون الأدائية في عملية الصلح والسلام في منطقة لقاوة بجنوب كردفان في مطلع العام 2009، قررنا تطوير الفكرة فقمنا بتسجيلها كمؤسسة غير ربحية في مفوضية العون الإنساني تحت مسمى (بشيش لثقافة السلام والتنمية). في العام 2010 تم تغيير هذا الإسم إلى (مؤسسة بشيش للفنون الأدائية والتنمية) وهذا هو الإسم الحالي للمؤسسة.

الفنون من أكثر الأدوات فاعلية في إحداث التغيير في بنية الوعي للمجتمعات؛ ماهي رؤية بشيش كمؤسسة إتجاه قضية التغيير الإجتماعي؟

معمر: تحريك وتفعيل طاقات المجتمع عن طريق الفنون لتحقيق أهداف متعددة في مجالات السلام، والتوعية، ونشر الثقافة الصحية والمدنية.

بدأت بشيش كمجموعة مسرحية في الأبيض والآن هي مؤسسة لها أكثر من مكتب في ثلاثة ولايات مختلفة، عدد لنا المراكز المنضوية تحت راية بشيش ؟

معمر: مجموعة المسرح التفاعلي، ومسرح الظل، كورال بشيش، بشيش جاليري، منتدى بشيش، ومنجم بشيش لإكتشاف مواهب الشباب والأطفال.

مهرجان بشيش يعتبر من أهم الفعاليات الثقافية على مستوى السودان لأنه كسر مركزية الفعل الثقافي وأخرجه من الخرطوم. حدثنا عن تجربة مهرجان بشيش؟

معمر:مهرجان بشيش تبلور كإجابة على السؤال: ماهو البديل لمهرجان البقعة المسرحي؟ الذي كان يقام في العاصمة الخرطوم كل عام ويشارك فيه المسرحيون من كل مدن السودان المختلفة، والذي لم يشهد أي تطور على مدار النسخ التي شاركنا فيها. ظل مقترح مهرجان بشيش حبيس الأدراج منذ العام 2008  لأسباب مختلفة أهمها سؤال التمويل، حتى رأى النور لأول مرة في العام 2015.

في النسخة الأولى من المهرجان واجهتنا مصاعب جمة في مسألة التمويل خصوصاً بعد تملص الجهات المسؤولة عن أمر الثقافة من إلتزاماتها المالية ولكن التعاون الكبير الذي أبدته الفرق المشاركة والصحفيين والنقاد ساهم بشكل كبير في إنجاح النسخة الأولى من مهرجان بشيش وحفزنا على إستمراريته.

نسخة العام 2017 تعتبر من أميز نسخ المهرجان، وذلك نسبة لأن الإعداد لها بدأ مبكراً، علاوة على المشاركة الواسعة من الفرق والنقاد والدراميين أمثال الاستاذ المخرج والمسرحي القديرالرشيد أحمد عيسى. كما حضرت من دولة ألمانيا المخرجة المصرية نورة أمين، والفنان إستيفن اوشيلا الذي درب مجموعة بشيش على الفنون الإستعراضية فخرجت هذه النسخه أميز ما يكون. أما آخر نسخة فقد كانت في العام 2018  برعاية من صندوق الأمم المتحدة للسكان.

التصوير: Sam Photography

من أكبر العقبات التي كانت تواجه الفاعلين الثقافيين خلال الثلاثة عقود الماضية إبان حكم نظام البشير هو سؤال التمويل. كيف عالجت مؤسسة بشيش هذا السؤال؟

معمر: كان لمؤسسة بشيش نوعين من الأنشطة، الأول وهو المدعوم وكان مصدره الأساسي الشراكات والبرامج مع المنظمات الدوليه وأغلبه كان له إرتباط بالتوعية الصحية وتغيير السلوكيات والعادات الضارة، وقضايا السلم الإجتماعي والتوعية بالحقوق المدنية. أما النوع الثاني من الأنشطة وهو النشاط الغير مدعوم والذي يرتكز بشكل أساسي على مساهمات أعضاء المؤسسة وأصدقاء بشيش وشركاءها من المجتمع المحلي والمجتمع المدني.

ماهي الأنشطة والفعاليات التي ينظمها مهرجان بشيش؟ 

معمر: يطرح المهرجان في كل نسخة قضية معينة، وتتنافس الفرق والجماعات فى أداء مسرحيات تعالج هذه القضية بشكل فني في عروض مباشرة في الأحياء والأسواق والمسارح. في النسخة الأولى كان شعار المهرجان "المسرح والسلام"، أما النسخة الثانية فقد جاءت تحت شعار "المسرح والتعليم"، يليها النسخة الثالثة والذي كان شعارها "المسرح من أجل تغيير السلوكيات الصحية الغير آمنة”. والأخيرة كان عنوانها "المسرح وقضايا المرأة".

خلق المهرجان، ورغم التضحيات الكبيرة التي قدمها المؤمنون بفكرة بشيش، حالة من الترابط، وحَولْ الفنون إلى فعل يومي يشارك فيه المجتمع بشكل او بآخر، وبفضل المهرجان اليوم كل بيوت المبدعين في السودان هي بيوتنا.

المصدر: alaraby.co.uk 

هل يمكن أن نرى مهرجان بشيش يعود لنشاطه في مقبل الأيام؟

معمر: سيعود المهرجان في 2021 على أن نحتفل به كل سنتين، وهذا الجزء يعد من خطة تطوير المهرجان لإخراجه بشكل يساهم في تحقيق أهداف المشروع ويلبي تطلعات متذوقي الفنون.

السودان في مرحلة إنتقالية، ما هي رؤية بشيش لقضية السلام كإحدى الشروط اللازم تحقيقها لإحداث التغيير؟

معمر: إرتبطت مؤسسة بشيش منذ تأسيسها بقضية السلام . إذاً يجب علينا قيادة التغيير عن طريق الفنون مستخدمين الحكمه والوعي ما أمكن، وهذا ماتحتاجه البلاد في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها. مهمة إزالة الضغائن وتحطيم خطاب الكراهية هي مسؤليتنا كفنانين وفاعلين ثقافيين لأن الفنون هي رؤية العالم والآخر المختلف بعين المحبة والجمال.

ثورة ديسمبر كانت نتاجاً لفعل تراكمي للفنون المختلفة من آدب ومسرح وتشكيل وشعر، وهذا ما جسدته هتافات الثورة وأهازيجها وجداريتها وما إعتصام القيادة إلا مدينة فنية بإمتياز. الآن وبعد نجاح الثورة أين ترى موقع الثقافة والفنون في الفضاء العام؟

معمر: كنا نتوقع دور أكبر للفنون والفاعلين الثقافيين بعد التغيير الذي حدث في السودان، ولكن وللأسف هذا لم يحدث وهناك إهمال للفنون على مستوى القوانين والتشريعات. و إهمال على مستوى الدعم الرسمي للفاعلين الثقافيين والمراكز الثقافية.

بناء دولة حديثة لايحدثه التغيير السياسي فقط، ولكن التغيير الثقافي عنصر مهم لايمكن تجاهلة بأي شكل من الأشكال والإستماع للفنانين والمثقفين والجلوس معهم على طاولة واحده يؤسس لرؤية ثقافية جديدة للسودان الجديد. نحن في بشيش عضو أصيل في تجمع القوى المدنية ومستعدون لتقديم كل ماهو من شأنه أن يؤسس لسودان مابعد ثورة ديسمبر، و هو حلم كل سوداني.

تسعى مؤسسة بشيش -ضمن إستراتيجيتها صناعة السلام عن طريق الفنون - العمل على التنظيم والمشاركة في العديد من الفعاليات منها الورش التي تناقش السياسات الثقافية. كما أنها ستشارك في فعالية المسرح من أجل السلام بالتعاون مع تجمع الدراميين السودانيين بشمال كردفان. كما ستنظم بشيش فعالية "رحلة فنان" وهي رحلة سيشارك فيها مجموعه من الفنانين سيراً على الأقدام من مدينة الأبيض وحتى العاصمة السودانية الخرطوم قاطعين مسافة أكثر من 426  كيلو متراً في رحلة الغرض منها خلق تفاعل بين الفنان والمجتمع وتعزيزالأدوار التاريخية التي قامت بها الفنون وخلق تراكمها هذا التغيير الذي يعتري السودان الآن.


فايز حسن

فايز كاتب مهتم بتوثيق الفنون المعاصرة والفنانين في السودان من خلال تقارير ومقالات ومقابلات. فاز فايز بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة للشباب عام 2020 ، ونشرت إحدى قصصه القصيرة في كتاب “حصاد” عام 2016.