هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

الكراهية من المشاعر التي تمتلك القدرة على تمهيد الطريق نحو السلوكيات السلبية. يمكن أن تتطور هذه السلوكيات إلى أشكال أكثر خطورة ، بدءً من أعمال أبسط مثل: ملاحظات غير محسوسة ، نكات بغيضة ، وتجنب أشخاص من مجموعات معينة ، وقاحة ، وتحيز لا معنى له. يأخذ التعصب والكراهية أشكال متطورة مهددة للحياة كالتمييز السياسي وحرق الكنائس والمساجد والاغتصاب والإبادة الجماعية.
في الولايات المتحدة ، على سبيل المثال ، يصدر تقرير من مكتب التحقيقات الفيدرالي حول إحصائيات جرائم الكراهية في كل عام. و يشار فيه إلى عدد جرائم الكراهية في الولايات المتحدة ، المجموعات المستهدفة ، ما إذا كانت بعض جرائم الكراهية قد زادت أو قلت على مر السنين ، ومقارنة بين المجموعات من حيث معدل جرائم الكراهية المرتكبة ضدهم. أعلنت النسخة الصادرة في 2016 لهذا التقرير عن زيادة جرائم الكراهية. و وفقاً للتقرير ، كانت الدوافع هي: التحيّز ضد الدين أو الجنس أو التوجه الجنسي أو العرق/ الأصل القومي. بعض الأمثلة العامة الأخرى عن الأفعال التي تنم عن الكراهية هي : أصحاب العمل الذين لا يوظفون أشخاصًا ليست لغتهم الأم هي اللغة الإنجليزية ، والتصوير الإيجابي النادر لأصحاب الوزن الزائد في المجلات ، والعديد من الأشياء الأخرى التي لم تكن لتحدث بدون الكراهية والصورة النمطية الكامنة.
لا شيء من الأحداث المذكورة أعلاه يبدأ فجأة. فكل ذلك ينمو من الكراهية. و لذلك، فإنه من المنطقي أن نبدأ بمعالجة ومكافحة الكراهية أولاً ، من أجل اتخاذ نهج أكثر انتظامًا حول كيفية التعامل مع السلوكيات السلبية المعقدة.

هرم الكراهية

undefined

Source: Anti-defamation League

يأتي هرم الكراهية في سبيل التطرق لمشكلة الكراهية بشكل أكثر كفاءة. فهو تمثيل صوري يُستخدم كالمرجعية لتتبع عواقب القبول و التسامح مع الكراهية. صُمم هذا الهرم من قِبل رابطة مكافحة التشهير، لتصنيف أعمال البشر من حيث التعصب. و ينظر إلى هذا الهرم بأنه طريقة جيدة لفحص الطبيعة المتصاعدة للكراهية. فوفقا له، الكراهية هي أمر ممنهج.

يُظهر الهرم السلوكيات المتحيزة التي تنمو في التعقيد من الأسفل صعودا إلى الأعلى. المستويات العليا مدعومة بالمستويات الأقل. وبالتالي ، فإن التسامح مع سلوكيات المستوى الأدنى يؤدي إلى تقبل سلوكيات المستويات التالية له علوًا بشكل أكبر. يمكن أن تساعد المناقشات التي تثار من خلال تحليل الهرم إلى فهم أفضل للكيفية التي يمكن أن تتصاعد بها الكراهية إلى العنف. بالإضافة إلى الطرق المختلفة التي يساهم فيها كل مستوى من الهرم في المشكلة، وإدراكًا أكثر وضوحًا لأدوار الأفراد في كسر حلقة الكراهية.

وبعبارة بسيطة ، يمكن النظر إلى الكراهية على أنها الشرط الأساسي للعنف.


من الشائع أن يسبق الخطاب العام التحريضي اندلاع صراع جماعي محلي أو دولي. ففي رواندا على سبيل المثال ، ساعد خطاب الكراهية الذي يبث عبر المحطات الإذاعية في تأجيج الصراع بشكل كبير ، الأمر الذي ساهم في مذبحة 800,000 من التوتسيس و الهوتوس. و زادت تلك المحطات من العنف أيضا عبر بثها لقوائم بأسماء الأشخاص الذي يتوجب قتلهم ، بالإضافة إلى الأماكن التي يمكن العثور عليهم فيها. لا يختلف الوضع في جنوب السودان كثيراً عن مثال رواندا ، خاصةً مع الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام الاجتماعية بين مجتمعات جنوب السودان. تقدم وسائل التواصل الاجتماعي منصة مفتوحة ، مساهمة في إدامة الدعوة إلى العنف والصراعات الداخلية المندلعة في جنوب السودان في ديسمبر 2013 ، ومرة أخرى في يوليو 2016.


جنوب السودان: المناخ الرقمي و أرض الواقع
ومن الجدير بالذكر أيضا أن هذه الأعمال كانت مدفوعة في الغالب من قبل الجنوب سودانيين بالمهجر.

في أحد الأمثلة ، تمت الإشارة إلى مجموعات معينة على أنها إرهابية. تتضمن الأمثلة الأخرى استخدام كلمة "MTN" لوصف مجموعات معينة، حيث أنMTN هي شركة اتصالات تعمل في جنوب السودان، ويستخدمون شعار "معك في كل مكان" في حملاتهم الترويجية.


جاءت أبحاث PeaceTech Lab Africa للتأكيد على هذه النقطة بالتحديد. تعمل منظمة PeaceTech Lab Africa ، وهي منظمة مستقلة غير ربحية مقرها في نيروبي ، على الحد من النزاعات باستخدام التكنولوجيا ووسائل الإعلام والبيانات. جزء من عملهم البحثي يشمل مراقبة وتحليل خطاب الكراهية في جنوب السودان من أجل تخفيف التهديد المحتمل للغة العنف. تقاريرهم المنشورة هي نتيجة لتحليل خطاب الكراهية / الخطورة من مواطني جنوب السودان في وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترات زمنية محددة بين أغسطس 2017 و نوفمبر 2017. وتهدف المبادرة إلى تطوير قاموس المصطلحات التي تحض على الكراهية
عبر الإنترنت ، وتوفير تمثيل صوري للبيانات، مراقبة لوسائل التواصل الاجتماعية ، و تنظيم الجلسات مع مجموعات من جنوب السودان للتحقق من سياق مصطلحات قاموس خطاب الكراهية التي تم تحديدها.

تُظهر أبحاثهم أيضًا كيفية مساهمة خطاب الكراهية عبر الإنترنت في العنف في حالة الاتصال اوعدم الاتصال بالإنترنت - خاصةً تلك القادمة من جنوب السودان في الشتات في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا. ففي فيديو اليوتيوب من قبل شبكة أخبار السلام، تم التحدث عن استمرارية الأخبار المزيفة وخطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي بين الجنوب سودانيين. يعمل هذا إلى جانب الدور الذي لعبته المنظمات غير الربحية في زيادة الوعي ومناقشة المشكلة بشكل أكبر.

undefined

Source: PeaceTech Lab


إلا و أنه يوجد تباين في الآراء.

لجنوب السودان وصول محدود إلى الإنترنت ، مما يقود إلى التساؤل عن صحة الفرضية السابقة لخطاب الكراهية عبر الإنترنت مساهما في العنف خارج نطاق الانترنت. ويستند الجانب الآخر المناقض في حجته إلى
التوزيع السكاني في المدن والريف للمجتمعات في جنوب السودان ، مستنداً على أن الأغلبية في الريف بعيدأً عن التكنولوجيا المنتشرة في المدن.
العديد من السكان الأميين تكنولوجيًا بعيدون عن مواقع وسائل الإعلام
الاجتماعية ، و عن كل الاعجابات و المشاركات. وبحسب شبكة إيرين للأنباء ، فإن حوالي 21 بالمائة فقط من سكان جنوب السودان يمتلكون هواتف، ونحو 17 بالمائة يمكنهم الاتصال بالإنترنت.


ولكن بغض النظر عن العدد القليل من السكان الذين يستخدمون منصات الإنترنت ، فإن أخبار الكراهية والشائعات لا يزال يتم تمريرها إلى المجتمع غير المتصل بالانترنت بشكل أوسع عن طريق الكلام الشفهي أو
المكالمات الهاتفية أو المناقشات الجماعية. إن الافتقار إلى التقرير عن الأحداث بشكل سليم، تحمس المقيمين بالخارج على التحصل على المعلومات، والرقابة على وسائل الإعلام، كلها عوامل تدفع إلى نشر المزيد من الأخبار المزيفة.
في تقرير لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (نشر في 22 فبراير 2018) عن حق حرية الرأي والتعبير في جنوب السودان منذ أزمة يوليو 2016 تم التنبيه على حقيقة الزيادة المفاجئة للغة التحريضية من قبل مواطني جنوب السودان. كما ورد في هذا التقرير انتشار خطاب الكراهية من خلال أشكال مختلفة ، بما في ذلك الرسائل النصية، المكالمات الهاتفية، الرسوم الكرتونية، والمحادثات الخاصة والخطابات
العامة، ووسائل التواصل الاجتماعية.

أفادت أحدى العاملات في مدرسة في يامبيو ، غرب الاستوائية ، عن تلقي رسائل نصية تهددها و 20 من طلاب الدينكا بالقتل ما لم يغادروا المدرسة. بالإضافة إلى ذلك ، وفقا لتقرير الأمم المتحدة ، فإنه "كثيرا ما لجأ مستخدمو الإنترنت في جنوب السودان إلى منصات وسائل التواصل الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر وغيرها من مواقع التدوين الأخرى ، كأدوات لنشر المحتوى المهين والرسائل التحريضية.

التدخل هناك حاجة ماسة إلى التدخل و بعدة أشكال، لحماية الناس من خطاب الكراهية من أجل جعله أقل تأثيراً أو خطراً. بالإضافة إلى ذلك ، يجب تدريب الأشخاص على كيفية إدراك أفعالهم السلبية ، و ما هي الأساليب البديلة التي يجب اتباعها من أجل توفير بيئة إنترنت أكثر أمانًا وأقل خطورة.

مبادرات شبابية


من هنا تم إطلاق مشروع #Defyhatenow ، بهدف منع ومواجهة انتشار الكراهية على وسائل الإعلام الاجتماعية. بدعم من برنامج zivik الألماني من ifa (معهد العلاقات الثقافية الخارجية) ، و إدارة المشروع من قبل r0g_agency في برلين للثقافة المفتوحة والتحول الحاسم. تم تأسيس #Defyhatenow كمبادرة عاجلة لبناء السلام المجتمعي، هادفة إلى مكافحة خطاب الكراهية عبر الإنترنت و الحد من التحريض على العنف خارج نطاق الانترنت في جنوب السودان. ينظم المشروع ورشات عمل و تدريب حول تأثير خطاب الكراهية على تأجيج الصراع ، و كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعية بطريقة بناءة للسلام. تسمح هذه البرامج للحاضرين من السودان وجنوب السودان باستكشاف مواقفهم و تجاربهم تجاه الأعمال المدفوعة بالكراهية ، ودراسة أدوارهم ومسؤولياتهم ، والتفكير في الحلول الممكنة والإجراءات الصحيحة التي يجب اتخاذها لمواجهة الكراهية عبر الإنترنت و / أو دون الاتصال بالإنترنت. في ورشة عمل حديثة نظمتها #Defyhatenow بالتعاون مع أندريا ، تم تدريب المشاركين على كيفية تحديد خطاب الكراهية ، هرم الكراهية ، دورة التحرر ، والمزيد من المفاهيم الأخرى التي ساعدت في فهم أفضل للمشكلة المتجذرة. يمكن العثور على الفيديو الخاص بهذه الورشة هنا.

undefined

Source: jubamonitor.com 


الأدوات والاستراتيجيات التي يوفرها مشروع #Defyhatenow ليست حصرية لخطاب الكراهية عبر الإنترنت فحسب. يمكن أيضاً استخدامها لمعالجة وتخفيف أحداث الكراهية التي تتخذ أشكالًا مختلفة ، مثل: عبر الهاتف، أو شخصيًا، في المدرسة، مع العائلة، أو في الأحداث المجتمعية.

الدليل الميداني

يتضمن عمل R0g_agency البحث واستكشاف الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق تقنيات البيانات المفتوحة و المصادر المفتوحة على نطاق واسع من الأنشطة. الهدف في النهاية هو المزيد من التمكين والتحول الإيجابي. قدمت #DefyHateNow دورات تدريبية وورش عمل وحملات وأحداث رياضية وحفلات موسيقية لرفع مستوى الوعي حول خطاب الكراهية عبر الإنترنت و آثاره. كما خرجت نتائج هذه المبادرة في أشكال عدة كالمنشورات والملصقات وتطبيق للهواتف المحمولة. إحدى الوثائق المنشورة هي الدليل الميداني #Defyhatenow Social Media Hate Mitigation ، و هو مستند مفصل به مجموعة الأدوات الإرشادية لتحقيق أهداف المشروع. يتضمن الدليل الميداني: الأدوات والاستراتيجيات والمشاريع ذات الصلة بالمستوى القاعدي فيما يتعلق بانتشار الكراهية عبر وسائل الإعلام الاجتماعية. وهي مصممة لاستخدامها كمواد توجيهية خلال ورش العمل وبرامج التدريب الخاصة بالمبادرة. ينقسم هذا المستند إلى أقسام ، حيث يتناول كل قسم جانبًا معينًا من المشكلة. هذه الجوانب هي: وسائل الإعلام الاجتماعية نفسها ، وخطاب الكراهية ، الأخبار المزيفة ، مكافحة الخطاب الخطير ، التقرير بشكل أخلاقي ، نشاط السلام ، الهوية ، مبادرات المجتمع المدني والشتات عبر الإنترنت. ويرافق الدليل الميداني بطاقات المفاهيم التي تسهل من مجرى المحادثات بين الحاضرين ، و من أجل التركيز على النقاط المثيرة للإهتمام التي تخص خطاب الكراهية عبر الإنترنت.

عمالقة وسائل الاعلام الاجتماعية
تعمل العديد من شركات التكنولوجيا العملاقة مثل Facebook و Twitter و YouTube و Microsoft على توسيع سياساتها بشأن الخطاب الذي يحض على الكراهية والعنف والإساءة. هذا التوسع يأتي من حيث تعريف سلوك الكراهية و الضرر على منصاتهم ، بالإضافة إلى قواعد وشروط أكثر صرامة يتم فرضها.

"
المعايير المجتمعية" الخاصة بـ Facebook مثلا مكونة من 25 صفحة موثقة مترجمة إلى 40 لغة حول القواعد المتعلقة بخطاب الكراهية. تم تطوير هذه السياسة من قبل أشخاص في 11 مكتبًا حول العالم ، بما في ذلك خبراء و استشاريين في قضايا التعبير والسلامة والاغتصاب والإرهاب. قام موقع تويتر أيضًا بتحديث قواعده حول الإساءة ، السلوك البغيض ، العنف والأذى الجسدي في ديسمبر 2017. تم الإعلان عن التغييرات توقعًا لتطبيقها اعتبارًا من ديسمبر 2018. ومع ذلك ، لا تنطبق تحديثات السياسة على الكيانات العسكرية أو الحكومية. هذا من شأنه أن يسمح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سبيل المثال بمواصلة تهديداته العنصرية ضد جماعات مستهدفة ، وتشجيع المزيد من الكراهية. وعلاوة على ذلك ، تعرضت الشركة في بعض الأحيان لانتقادات بسبب إخفاقها في معاقبة المتحرشين في موقعها.

الطريق إلى الأمام
من خلال التدخل في انتشار الكراهية عبر الإنترنت، سيكون منع حدوث العنف في المناخ الرقمي او في أرض الواقع أكثر احتمالًا. تعمل مبادرات مثل Defyhatenow# عبر الإنترنت وفي أرض الواقع للتخفيف
من خطاب الكراهية وعواقبه من خلال التدريبات والأبحاث والدليل المنشور حديثًا في شكله التفصيلي. مثل هذه الجهود تقوم بتوضيح المشكلة ، وتسليط الضوء على المخاوف والتوعية بشأن المخاطر وآليات الوقاية الممكنة. وبالمثل ، فإن النداء العالمي لمكافحة خطاب الكراهية يحث على الطرق المهمة لتقترب عمالقة التكنولوجيا من المشكلة وتضغط من أجل الحلول عبر منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة.


إن أحد التحديات الكبيرة التي تواجه تنظيم الحد من خطاب الكراهية هو عدم الاتفاق على تعريف موحد لخطاب الكراهية ، ومَن مِن شأنه تحديد هذا التعريف. هناك خط رفيع بين حرية التعبير، والرقابة على خطاب الكراهية. من ناحية أخرى ، يمكن استغلال حرية التعبير من قبل المهاجمين كعذر لنشر أجندات الكراهية. وبالتالي ، هناك حاجة إلى فهم أكثر دقة للكلام الذي يحض على الكراهية في جميع المجالات.


تقوى وراق

تقوى وراق درست علوم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات في جامعة السودان. تهتم بالكتب والذكاء الاصطناعي وأحيانًا الأمان والفن (وتحديداً الرسوم المتحركة) واللغة الألمانية