هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

 الأمر مدمر. لم يشعر فيلب لوسواتا بثقل العالم فقط، بل شعر بغضبه كذلك. ضاعت كل الخطط والبروفات والأموال المستثمرة لرؤية "30 عاماً من الموز" لتثير إعجاب الجيل الحالي عند عودتها إلى خشبة المسرح، ضاع كل ذلك. ضاع بسبب فيروس كورونا. كتب المسرحية الكاتب المسرحي والممثل المشهور أليكس موكولي في العام 1991، وكان عائداً لإحياء مسرح أوغندا القومي، معنوناً عشرات المسرحيات للإحتفال باليوم العالمي للمسرح. قام لوسواتا مخرج الفنون المخضرم، الممثل والكاتب المسرحي بإخراج العرض السنة الماضية في دار المسرح في كمبالا، العرض الذي وصفه الناقد المسرحي أندرو كاجاوا بذكريات سريالية كلاسيكية عندما عرض أول مرة في أكتوبر 1992. أُنْجزتْ نسخة لوسواتا من "30 عاماً من الموز" بطريقة تمثل زاداً للأجيال الحالية، بالإضافة أنها محتشدة لدرجة أن الذين شاهدوا نسخة موكولي في التسعينات لم يشعروا بالضياع، موكولي نفسه كان يبتسم بشكل لطيف عند عرض المسرحية العام الماضي.

تأثرت كل العروض بإعلان إغلاق المسرح القومي، فصول الرقص والتمثيل، وقال مدير الإنتاج أندرو لوانقا سسبيجالا " نحن نستخدم إبداعنا والفن المسرحي لمجابهة هذا القاتل؛ فيروس كورونا، عبر توعية مجتمعنا في كيفية البقاء بأمان حتى داخل المنزل". تَبعَ الإغلاق ما قام به الرئيس موسفني من حظر كل التجمعات، الفعاليات، والنشاطات الإجتماعية مثل الأعراس، عروض المسارح والرياضة. وبعد خمسة أيام لاحقة، في 20 مارس أعلن موسفني الحظر الجزئي. زار هذا الكاتب في الأسبوع الماضي المسرح القومي، لكن الحارس في البواية قال" لا توجد فرصة دخول للمخرجين أو أي شخص آخر بسبب الحظر "، فعلاً لم يكن أحد هناك. الجهود المبذولة للحصول على تعليق من فرانسيس بيتر أوجيد، مدير المركز الثقافي القومي الأوغندي (مؤسسة تدير المسرح القومي) بشأن مقدار تأثير هذا الحظر غير المسبوق على مجال المسرح لم توفق، لكن لوانجا أخبر مجلة أندريا أن المسرح تلقى ضربة كبيرة. وقال "لدي 10 مشاريع إنتاج و22 عرض مجدول كإحتفال باليوم العالمي للمسرح التي كانت ستقام في يوم الجمعة الموافق 27 مارس، حيث العرض الرئيسي هو مسرحية موكولي "30 عاماً من الموز" إخراج فيليب لوسواتا. لكن كل خططنا ذهبت أدراج الرياح".

undefined

Uganda National Theater via Mr. Musinguzi via Youtube 

ووضح الكوميدي والممثل ريتشارد تُوانجيا أن أكبر التحديات هي الفعاليات التي أُلغيت، وقال بأسف "لقد استثمرنا المال ...و لكن كل خططنا ذهبت هباءاً". قال هَنّنغتون بيغينغو، رئيس جمعية الكوميديين الأوغنديين وممثل "مصنع التسلية" أنهم مبدئياً رتبوا القيام بعروض واقعية على خشبة المسرح القومي، بدون جمهور، و لكن حتى هذا الجهد توقف بعد إغلاق المسرح. وأشار "يقدم معظمنا عروض مباشرة على صفحاتنا في السوشال ميديا وذلك للتفاعل مع جمهورنا الذي ندرك شعوره بالملل في المنزل". وأضاف توانقو، ممثل بمصنع التسلية أيضاً "قدمنا عرضاً واحداً من خلف الأبواب المغلقة، والذي شوهد من قبل ما يعادل 20 ألف شخص على الإنترنت" . ويوضح "خططنا للاستمرار لكن المسرح أغلق في وجه الجميع".

البحث عن الجانب المشرق؟

رغم ذلك، يرى لوانقا جانباً مشرقاً في هذه الحلقة المؤلمة والتوقف القسري، قائلاً أن أحد الإبتكارات تتمثل في "المحافظة على استمرارية العرض، وإشراك جماهيرنا من خلال المنصات الرقمية". يوافق لوسواتا على مقولة أنه رغم سوء الأمر، لكن الحظر كان وقت جيد لتأكيد الإمكانيات الهائلة للفن، ليس كتسلية فقط لكن من أجل المعلومة – التي ينشرها الممثلون والكوميديون ". هنالك جمهور محبوس في كل مكان مع هذا الحظر. وهذا هو زمن إظهار الصلات وإبداع الفرد بمواد جديدة كانت لتبدد دون ملاحظتها. كنا (كفنانين مسرحيين) نعمل ضمن فريق عمل، لكن هنا فرصة، مع المباعدة الإجتماعية، للتفكير المنفرد". مضيفاً "الإمكانية لبناء مشروع ذاتي، إذا استكشفت جيداً فربما يظهر ناشؤون مبهرون مع نهاية الحظر". ونصح الكتاب المسرحيين وكتاب السيناريو بالإستفادة القصوى من الحظر واستنفار عقولهم وأقلامهم، قائلاً "عذر ضيق الوقت غير موجود الآن". وقال توانقو لأندريا أن المنصات الرقمية هي مساحات العرض الوحيدة المتوفرة للدراميين والكوميديين، ويقول "لدى يوتيوب خيار للدفع، وبصورة مدهشة لدينا متابعين متفهمين في هذا البلد، البعض منهم يسأل عن أرقام تلفونية لإرسال النقود للتعبير عن إمتنانهم". ويضيف "كنا مصعوقين من مقدار النقود التي أرسلها الناس، فمنهم من كان يرسل مبالغ كبيرة". وقال أنه مع المحافظة على سير توجيهات المباعدة الإجتماعية، والبقاء بعيداً من العامة، فإنهم قرروا الإنتاج من المنزل، وبعض المحتوى من الشوارع.

في الأسبوع الماضي بدأ الكوميديون عرض إنتاجاتهم الأخيرة ، بعضها مستلهم من جائحة فيروس كورونا. فقال تُوانجيا "أعتقد أنه الوقت المثالي للمبدعين لإخراج العصارة من هذه التجرية المريرة التي وضعنا فيها فيروس كورونا". وينعكس ذلك في أنه كان يضع المخطوطات لأربعة مسرحيات ساخرة أسبوعياً حتى نهاية الحظر. المسرحيات التي صنعت خلال الحظر حققت متوسط 3,500 مشاهدة في اليوم بينما ارتفع عدد المشتركرين في القناة إلى أكثر من الضعف ليصل إلى 46,000 في مدة أسبوعين منذ أن أجبرهم الحظر على ممارسة المسرح داخل محيط الإنترنت. كان على آن كنسيمي، التي كسبت متابعين قاريين من خلال مسرحياتها الساخرة بسلسلة " لا تعبث مع كنسيمي" استغلال الوصول الرقمي أيضاً.

undefined

Richard Tuwangye via Chimp Reports 

لكن هنالك تحدي، فبينما لأوغندا أعلى نسبة دخول للإنترنت في الإقليم 44% (بعد كينيا والتي تصل إلى 83%) فإن لديها واحدة من أغلى أسعار البيانات على نطاق دول كتلة الخمس دول حسب بيانات 2018 لنقابة الإتصالات الدولية. هذا يضع العديد خارج الإنترنت، بخيارات الإعتماد على الإنترنت المكتبي خلال ساعات العمل، وقال توانقي "هذا ما يشرح سبب التناقص الجزئي لعدد المتابعين في قناتنا على اليوتيوب. يكون العدد كبيراً في أيام العمل بسبب استخدام الإنترنت في المكاتب، لكن الآن مع الحظر والمكاتب الحكومية المغلقة، يقدم عدد قليل من الناس لإستهلاك حصتهم من الإنترنت لمشاهدة فيديوهات يوتيوب". وقال أيضاً أنه من حينها يشتغل أعضاء مصنع التسلية على تطوير تطبيقهم الخاص في مسعى إقناع شركة إتصالات لدعم البيانات في قنواتهم. أضاف "هنالك شركة إتصال مهتمة بهذا المشروع. وأعترف بأن جائحة كورونا وتأثيراتها كشفت حقيقة أننا كمبدعين لا نصنع محتوى كثير". أضاف توانقي "يجب علينا عمل الأفضل، خلق المزيد من المحتوى التلفزيوني، فكل ما نحتاجه هو كسر الحواجز". بالرغم من قول بيقينقو أن الأوقات الكئيبة بسبب عداء الفيروس ليست المفضلة للكوميديين الذين يجب عليهم المحافظة على التوازن بين خلق النكات والتعاطف مع واقع الخوف، الألم، والموت. فيقول "بإمكاننا المزاح مع الأصدقاء في السوشال ميديا، لكن ذلك مختلف عما ننتجه للجمهور ". ويضيف بيقينقو "الكوميديا هي إنعكاس للمجتمع، ومن المجتمع نحصل على مادة عملنا، وإنه لتحدٍ في مثل هذه الأوقات".

وضح كينيث كيمولي - الملقب ب "بابلو" والذي يعرض برنامجه " بابلو لايف شو" على قناة بيرال ماجيك من قبل أيام من الحظر – لسكوب أن الجائحة استدعت إبتكار طرق جديدة للبقاء على صلة وبالقرب. وأضاف بابلو الذي سجلت حلقات برنامجه في شهر فبراير، قبل أن يصل الفيروس البلاد " في الحلقات القادمة سيكون لدينا محادثات مع كوميديين عالميين لخلق طرق تحافظ على الجمهور نشطاً". أما الدكتورة جيسيكا كاهوا، رئيسة معهد المسرح القومي في أوغندا فقد لخصت ضجيج مسرح خاوي، واصفة إياه "بصدى التصفيق في قاعة فارغة"، وقالت أن قراءة خطابها بمناسبة اليوم العالمي للمسرح في قاعة فارغة جعلها تتساءل إذا ما كان من شخص يستمع بالخارج؟ وأضافت "حتى إذا أطفئت الأضواء وأسدل الستار اليوم في أغلب أنحاء العالم، فإن الصدى المدوي لتصفيق السنوات السابقة يدعونا لإضاءة ورفع الستار على فجر جديد من الصحو الذي تستطيع فيه الإنسانية إيجاد روحها مجدداً".


جاكوبز سيمان

جاكوبز سيمان صحفي وروائي وساخر أوغندي. عمل مع الصحف اليومية الكبرى New Vision و Daily Monitor في كمبالا ، بالإضافة إلى صحيفة New Times في رواندا في مجال التحرير. كتب جاكوبز عمودًا أسبوعيًا بعنوان ، The Empty Tin ، في Sunday Monitor على مدار السنوات الخمس الماضية وساهم بمحتوى عن الفنون والثقافة وقضايا المجتمع. يقوم حاليًا بتحرير الرياضة في صحيفة ديلي مونيتور.