هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

إذا كان علي إختيار مشكلة نفسية بإعتبارها المشكلة الأكثر سُميّة وخطورة على المستويين الفردي والمجتمعي، فإنني سأختار (الوصم بالعار) وبكل سهولة. بينما للوهلة الأولى، قد لا يبدو تأثيره خطيراً مثل الإكتئاب، فإن قوته القاتلة تكمن في قدرته على توفير الظروف المثالية للإكتئاب والعديد من الإضطرابات النفسية الأخرى. في الواقع، أظهرت الأبحاث أن الوصم بالعار يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالإكتئاب والقلق والإدمان والإنتحار. وُجد أن الأطفال الأكثر عُرضة لتلقي الوصم بالعار يكونون أكثر عُرضة للتسويف في إنجاز المهام، والتسرّب من المدرسة، وإدمان المخدرات، والبقاء في علاقات مسيئة، و التحول لمعتدين هم أنفسهم، والأكثر عرضة لمحاولات الإنتحار. في مجتمعاتنا العربية، لسنا فقط معرّضين للكثير من سموم الوصم بالعار، ولكننا أيضاً وفي أحيان كثيرة نُشعِر الآخرين بالعار دون أن ندري ونستخدم الوصم بالعار في التربية كآباء وأمهات وفي علاقاتنا، ونعزّز أثره على مجتمعنا.

يُعرّف بعض الباحثين، بما في ذلك الدكتور برين براون، الباحث الأكثر شهرة عن موضوع الوصم بالعار، بأنه “تجربة أو شعور مكثف و مؤلم بالإعتقاد بأننا معيبون وبالتالي لا نستحق الحب والتواصل والإنتماء”. ويمكن لذلك أن يكون قصير الأمد، كعاطفة مؤقتة (على سبيل المثال، شخص يفعل شيئاً أو يمر بموقف يجعله يشعر بعدم الأهلية لفترة قصيرة من الزمن)، أو يمكنه أن يصبح حالة ثابتة في كونها – كشعور متجذر بإعتقاد المرء بعدم جدارته. 

undefined

تطوّر الوصم بالعار مع الإنسانية كآلية قديمة لحفظ الذات. فعلى سبيل المثال، جميعنا نولد برغبة عميقة في الحب والإنتماء، وهو ما يبقينا متعلقين بوالدينا ويمنعنا من الإساءة لهم حتى لا نفقد رعايتهم لنا، والتي بدورها تبقينا على قيد الحياة. كبالغين في مجتمعات الصيد والجمع القديمة كان حصول الشخص أو الأسرة على التقدير في المجتمع يقاس بمقدار الطعام الممنوح لهم. لذلك كان الوصم بالعار يمثل رادع قوي يساعد على تحفيز الناس على التصرف بشكل جيد وتجنب الأعمال التي قد تجعلهم أقل قيمة من منظور أفراد قبيلتهم.

يعتبر الوصم بالعار عاطفة عالمية يختبرها الجميع على الأقل في بعض الأحيان إن لم يكن في كثير من الأحيان. ومع ذلك، قد يختبر أشخاص مختلفون موجات الوصم بالعار المكثفة بشكل مختلف في أجسادهم. على سبيل المثال، بعض الناس يصفون مشاعر الوصم بالعار على أنها سخونة في منطقة الخدين، حول الآذان والعنق، تعرَق و وخز في الإبطين، إنقباض في الصدر، خفة في الرأس، ضيق في التنفس، أو مزيج من كل هذه الأعراض الجسدية. وهذه الأعراض من أسباب الخلط بين الوصم بالعار وبين عواطف أخرى مشابهة ولكن أقل خطورة بكثير، مثل الذنب أو الإحراج أو الإذلال. لكن الفرق الرئيسي بين الوصم بالعار وهذه المشاعر هو أن الوصم بالعار ينشأ من الإعتقاد بأن أي خلل ، أو خطأ، أو فشل، أو نقائص في شخصية الإنسان تستوجب عدم إستحقاقه للحب والتواصل. لذلك إن لم يتم التعامل معها بشكل صحيح وعلى وجه السرعة، فإن حلقة الوصم بالعار يمكن أن تؤدي إلى سلوك أو نزعات أكثر سوءاً أو إلى أمراض مثل القلق والاكتئاب، الخ … الشعور بالذنب والإحراج والإذلال من ناحية أخرى هم النسخة الأخف ضرراً من الوصم بالعار.

عندما يشعر الشخص بالذنب، يعتقد أنه فعل شيئاً سيئاً، بخلاف الشعور بأنه هو نفسه سيء، وبالتالي لا يستحق الحب. وبالمثل، عندما يشعر شخص بالحرج، فإنه يظل مدركاً أن الوضع المحرج ليس إنعكاساً على جدارة شخصيته، ولكنه ببساطة شيء يمكن أن يحدث لأي شخص. وأخيراً، لا يمكن للشخص أن يشعر بالإذلال إلا إذا كان لديه إعتقاد مسبق بأنه مهم وذو قيمة، وهكذا لا يستحق الإذلال الذي تلقاه. ومن ثم فإن الشعور بالذنب والحرج والإهانة يرجح أن يؤدي إلى إعتذار شخص أو تحمل المسؤولية عن أفعاله أو في حالة الإهانة الدفاع عن نفسه. قد نسمع أحيانا عبارة “عار عليك” أو “يجب أن تخجل من نفسك” المستخدمة في سياقات مختلفة. في الواقع هناك شك كبير عند الباحثين في الوقت الحاضر حول ما إذا كان هناك ما قد يمكن تسميته بالوصم بالعار الإيجابي أو المفيد. يعتقد العديد من الباحثين الآن أن الوصم بالعار ليس مفيدا أبداً في المجتمع الحديث، حتى مع الجناة الخطيرين مثل أصحاب جرائم الإعتداء المنزلي، المغتصبين، أو القتلة. حجتهم في ذلك هي أنه وفي ظل الوصم بالعار، يصبح من المستحيل تعافي أوإصلاح المجرم. لأن الجاني الذي يعتقد أساساً أنه غير مستحق للحب والتواصل (والذي تعززت لديه تلك المعتقدات من قبل المجتمع) هو أكثر عرضة لتكرار جريمته وأقل عرضة للإستجابة لأي جهود لإعادة التأهيل. ومع ذلك، ما تزال هذه المسألة مثيرة للجدل نوعاً ما. 

undefined

Image Credit: http://www.thedecolonizer.com 

وبشكل غير مباشر، نعيّب النساء بأشكال أجسادهن ولون بشرتهن من خلال تفضيل النساء الأفتح لوناً أو الأقل (أو الأكثر) وزناً بإستمرار ومن خلال إعطاء الأولوية للجمال الجسدي على الطباع أو الشخصية. هذا النوع من الوصم بالعار يتراكم عندما تنمو الفتاة الشابة إلى إمرأة، ويتطور إلى إعتقاد متجذّر، بأنها أقل قيمة من غيرها من النساء لأنها أغمق لونا، وبالتالي ينبغي أن تقبل بما هو أقل في علاقاتها وحتى في حياتها المهنية. وبالمثل، فإن الرجل قد يتطور لديه شعوراً عميقاً بالوصم بالعار إذا وجد نفسه غير قادر على تكوين أسرة أو إعالتها (حتى لو كان ذلك بسبب ظروف خارجة عن سيطرته)، أو إذا كان نوعاً ما أكثر حساسية أو لديه سلوك/مشاعر مما قد يعتبرها المجتمع أنثوية وغير مناسبة لرجل.

وربما كانت واحدة من أخطر الطرق التي نستخدمها لإشعار الآخرين بالعار هي تلك التي نمارسها على الأطفال. الآباء والأمهات والمعلمين في كثير من الأحيان يعيّبون الأطفال معتقدين أن ذلك هو التصرف الصحيح وما يجب القيام به عندما يسيء الطفل التصرف، أو لدفعهم للحصول على أداء أفضل. عند تصحيح أو إعادة توجيه الطفل، فإنه يفشل في التمييز بين ما إذا كان هو سيئاً أو أنه فقط فعل شيئاً سيئاً. الأطفال الأكثر عرضة للوصم بالعار بطبيعتهم يمكنهم التأثر بشكل عميق بأي إشارات قد تشير إلى أنهم قد يفقدوا الحب والحماية التي يقدمها من هم من حولهم إذا فشلوا في إرضاءهم. وهذا يمكن أن يعيق بشكل خطير نمو ثقة الطفل وإعتزازه بنفسه. على سبيل المثال الطفلة التي تعتقد أنها سيئة قد لا تبلغ والديها إذا كان المعلم يهينها في الفصل. فحسب ما تعرف، فإن المعلم يعاملها المعاملة التي تعتقد أنها تستحقها. وبالإضافة إلى ذلك، قد لا تبذل هذه الطفلة أبداً أي مجهود في المدرسة لأنها تعتقد أن شخصاً مثلها لا يمكن أن يكون طالباً جيداً. وعلى النقيض من ذلك، يمكن لطفل ذو شخصية مختلفة أن يستجيب لمثل هذه التجربة بأن يصبح متميزاً في التعليم بدافع الخوف بدلاً عن الفضول والتساؤل – ليصبح شخصية قلقة تسعى للكمال بدلاً عن طالب سعيد ومبدع متأقلم مع محيطه. مثل هذا الطفل قد ينمو ليصبح الرئيس الذي دائما ما يلقي باللوم على مرؤوسيه أو أقرانه، أو يصبح شخصية ناجحة ظاهرياً ولكنه يعيش في قلق مستمر ولا ينجح في إقامة العلاقات. 

undefined

Image Credit: http://capitalchoicecounselling.com 

في الواقع، هذا النوع من الصمت المذكور في المثال أعلاه هو بالضبط ما يجعل العار سامّاً ومعديّ، ويصعب التخلص منه. معظم الناس لا يستطيعون تمييز العار حتى عندما يتعرضون له. فهم يشعرون بعدم الراحة في بعض الحالات عند إختبارهم لمشاعر العار ، لكنهم قد لا يعرفون أبداً ما تمثله هذا المشاعر السلبية أو لماذا يتم تحفيزها من أحداث أو كلمات معينة. غير قادرين على تحديد تلك المشاعر أو تسميتها، فإنهم لا يستطيعون التعامل معها . وبدلا عن ذلك، فإنهم يقومون بمداراتها أو بتطوير سلوكيات وصفات لحماية أنفسهم منها. قد تشمل هذه السلوكيات والصفات: العدوانية، الخضوع، الوسواس، الانسحاب، أوكما ذكر أعلاه الكمال. ففي النهاية، إذا كان يمكن لشخص ما أن يكون مثالياً لا عيب فيه، فهو دائماً يكون مستحق للحب والإهتمام ممن حوله!  لذلك فإن تعلم التعرّف على الوصم بالعار وتسميته هي الخطوة الحاسمة الأولى في محاربته. والخطوة الثانية هي كشفه عن طريق كسر حاجز الصمت الذي يسمح له بأن يتفاقم. إذا تعرف الشخص الواقع في دوامة الوصم بالعار على المشكلة و كان على علاقة وثيقة بصديق مقرّب أو أحد أفراد الأسرة (بشرط أن يكون شخصاً متعاطفاً ويعرف كيف يستجيب دون زيادة شعور الشخص الآخر بالعار) فيمكنه مشاركة تجربته الشخصية مع الوصم بالعار، فذلك بمثابة صب الماء على النار.  التحدث عن شعورنا بالوصم بالعار في وجود التعاطف يذكرنا بأننا لسنا وحدنا وأن الجميع معرّض لمثل هذه المشاعر من وقت لآخر. كما يذكرنا بأننا لسنا بحاجة إلى تصديق هذه المشاعر أو تعريف أنفسنا من خلالها.

عنصر حاسم آخر في التغلّب على الوصم بالعار هو أن يكون هناك فهم صحيح لمعنى الإستحقاق. وبشكل أكثر تحديداً علينا أن نتذكر أنه لا يوجد شروط مسبقة للإستحقاق. أو بعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى أن نتذكر ونؤمن أن الشعور بالحب، والتواصل، والإنتماء هي حقوق مكفولة بالميلاد لكل إنسان، وأنه لا يجب على أي شخص أن يثبت جدواه للعالم. ويمكن أن تكون هذه الخطوة صعبة على وجه الخصوص في المجتمعات الحديثة، لأن مجتمعاتنا أصبحت مهوسة بالأداء والإنتاجية، إلى الحد الذي أصبحت فيه قيمة الفرد مرتبطة تماما كليا بإنتاجيته، وإلى الحد الذي أصبح فيه الإرهاق المستمر مؤشراً على قيمة الشخص ونجاحه. هذه من الأمثلة التي تعزّز بشدة ثقافة الوصم بالعار، وخاصة في مكان العمل والمؤسسات الأكاديمية. 

نحن، كأفراد ومجتمعات، بحاجة إلى البدء في تعلّم كيفية إستبدال الوصم بالعار بالمساءلة. فبدلاً من تأنيب أنفسنا ولوم بعضنا البعض على عيوبنا وأخطائنا، نحتاج إلى تعلّم فصل تلك العيوب عن إحساسنا بذواتنا، وبدلاً عن ذلك نحمّل أنفسنا والآخرين مسؤولية أعمالنا وليس شخصياتنا أو ذواتنا. هذا جزء من تطوير مهارة التعاطف مع الذات، وهي القدرة على أن نكون رحيمين بأنفسنا حتى وإن أخفقنا، ونتذكّر أن الجميع يخطئ وأن هذه ببساطة هي الطبيعة البشرية. ثم وفقط عندما لا يصبح إستحقاقنا للحُب والتقدير على المحك، يمكننا الإنتقال إلى مساءلة النفس وتحسين الذات. وسنجد أنه من السهل علينا الإعتذار، والتعويض عن أخطائنا، والأداء أفضل في المرة القادمة، إذا لم نقلق حول الحفاظ على تقديرنا أو إثبات جدارتنا.

وأخيرا وليس آخراً، كأفراد ومجتمعات، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير في قيمنا وتقاليدنا ومعاييرنا الاجتماعية. وعلينا أن نحدد تلك المعتقدات والقيم والتقاليد التي تخلق ثقافة الوصم بالعار والبؤس التي نعرض لها الآخرين دون سبب، وعلينا أن نقيّم ما إذا كنا حقاً بحاجة إلى التمسك بها أو بالمدافعين عنها. وقد نكتشف أن الكثير منها بلا فائدة بل تجلب لنا الكثير من الأذى، وأن تركها قد يساعد على خلق مجتمع خال من الوصم بالعار، وبالتالي أكثر سعادة وأكثر نجاحاً.  

المراجع: 

Brown, B (2007). I Thought It Was Just Me: Women Reclaiming Power and Courage in a Culture of Shame. Gotham, USA.

Brown, B (2010). The Gifts of Imperfection: Let Go of Who You Think You’re Supposed to Be and Embrace Who You Are. Hazelden Publishing, USA.

Gilligan, J (2003). Shame, Guilt, and Violence. Social Research, 70(4), 1149-1180. Retrieved from <http://www.jstor.org/stable/40971965>

Neff, K (2011). Self-Compassion: The Proven Power of Being Kind to Yourself. HarperCollins, New York, USA.

O’Connor, LE; Berry, JW; Inaba, D; Weiss, J; Morrison, A (1994). Shame, Guilt, and Depression in Men and Women in Recovery from Addiction. Journal of Substance Abuse Treatment, 11:503-510. 


مها خليل

حصلت مها على درجة الدكتوراه في العلوم البحرية من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في المملكة العربية السعودية في عام 2015. وهي متخصصة في بيئة الشعاب المرجانية والحفاظ عليها. تدرس حالياً دورة أكاديمية حول تغير المناخ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وهي أيضا قارئة متعطشة لمواضيع مختلفة في العلوم والتخصصات الإنسانية.