هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

في العام 2017 إحتفل العالم بمرور 200 سنة على اختراع الدراجة الهوائية، والتي تعتبر إضافة مهمة في مسيرة التنقل و التنمية، بالإضافة لكونها رياضة لتحسين للمزاج. أهمية الصحة والرياضة حوار نادرا ما يتم
التطرّق له في دوائر النساء في السودان، خاصة في مجتمع عادة ما يعتبر الرياضة مجال خاص بالذكور ويرتبط بالرجولة. على الرغم من ذلك فإن هناك حركة متنامية من النساء اللآئي اصبح بالإمكان رؤيتهنّ يمارسنّ رياضة المشي في الصباح الباكر أو في الأمسيات فرادى أو في مجموعات في شارع النيل، أو في صالات الرياضة المخصصة أو مع صديقاتهنّ في صالات الزومبا، اليوغا أو الآيروبكس.

حركة جديدة للدرّاجيات من النساء أطلق عليها "مبادرة الدرّاجيات السودانيات" تستخدم وسائل التواصل الإجتماعي للتوعية بالمخاطر الصحية والمشاكل البيئية التي تسببها وسائل المواصلات المستخدمة حالياً وتأثيرها على مجتمعاتنا. "رويدا إبراهيم" و "إيناس مزمل" الشابتان اللتان قادتا المبادرة، تكافحا لتحطيم القيود المجتمعية التي تتحكم بسلوك النساء وتعيق تقدمهنّ و إختلاطهن بالساحة العامة. المبادرة تهدف لتسليط الضوء على استخدام الدراجة كوسيلة تنقّل ممتازة للصحة وأفضل للبيئة. باكتساب الدعم اللازم، يأملنّ في إلهام السلطات لإضافة طرق مخصصة للدراجات لتشجيع عدد أكبر من قائدي الدراجات لإستخدامها بطريقة آمنة.

استخدام الدراجات ايضا يُعتبر رياضة ممتعة يمكن ممارستها كأفراد أو في جماعات، و يمكنه كذلك أن يكون حلا عمليا للوصول إلى الأماكن القريبة نسبياً، وحلاً اقتصاديا في ظل الزيادات في أسعار وسائل المواصلات
في الشهور القليلة الماضية. "وفاء" أصغر أعضاء المجموعة تقول: "سمعتُ بالمبادرة عن طريق فيسبوك، ودعمني عمي بدراجة. كثير من اصدقائي انتقدوني لكنّي تجاهلتهم. نمط حياتي تغيّر مع هذه الهواية الجديدة، انصح جميع الفتيات بتجربتها، فهي ممتعة للغاية".

المبادرة تحصل على الكثير من ردود الأفعال الإيجابية والسلبية، لكنها تلّقت الكثير من الدعم منذ انطلاقها، "رانيا مزمل" شاركت تجربتها قائلة: "يعتقد الناس أن الدراجات رياضة خاصة بالرجال فقط، وظلّوا يحاربون هذا الموضوع من كل النواحي والزوايا. نحن نحاول أن ننشر الإيجابيات عن استخدام الدراجة كوسيلة مواصلات صحيّة ورخيصة. وجدنا الكثير من الدعم من السفارة الهولندية وعدة سفارات أخرى، قاموا بتنظيم عدة فعاليات لنا مما ساعد على إنتشار الفكرة وأن يعرف الناس عننا أكثر. إستخدام الدراجات يشعرنا بالسعادة ويتيح لنا الفرصة لإنشاء صداقات جديدة".

مؤسسة المبادرة "إيناس مزمل" خريجة جامعة الخرطوم تخصص اقتصاديات زراعية وذات اهتمام بالعمل الطوعي. كطالبة عملت مع عدة منظمات وفي منطقة سكنها لرفع الوعي حول أهمية التعليم ومحو الأمية. قمنا بمقابلة إيناس للتعرف أكثر عنها وعن المبادرة والرسالة التي تريد نشرها حركة الدراجات.

undefined

Source: Sudanese Female Cyslists on Facebook

هند صالح: كيف نشأت فكرة مبادرة الدراجيات السودانيات؟

إيناس مزمل: نشأتُ في ليبيا وعندما كنتُ صغيرة كنتُ استخدم الدراجة دائما، لكني حزنت عندما قرر والدي بأني قد كبرتُ على استخدامها – لأنني فتاة. شاهدت دراجتي تؤخذ مني ويتم اعطائها لإبن عمي. حاولت والدتي مواساتي بشتى الطرق، لكنني كنتُ متعلّقة جداً بدراجتي الحمراء الجميلة. نشأتُ مع شقيقات لذلك لم أكن على درايّة بأن بعض الأشياء تعتبر خاصة بالأولاد فقط، كإستخدام الدراجات مثلا. بالقفز بالزمن إلى فترة إقامتي في هولندا، عندما رأيتُ كيف تستطيع النساء استخدام الدراجات بدون أي تمييز، شعرتُ بالطمأنينة و عندما استخدمتُ الدراجة لأول مرة في هولندا حول مجموعة من النساء وشعرتُ بأنه حقٌ طبيعي.

هند: أخبرينا عن فترة إقامتك في هولندا؟

إيناس: حدث كل شئ بالصدفة، كان من المفترض أن أذهب لكورس في لندن، واضطررت للتوقف في هولندا، لكنّي وقعتّ في حب البلد أول ما رأيتها خاصة بعد ما سمعته عن جمال أمستردام منذ أن كنت في السودان. هولندا بلد جميلة جداً والمثير للإهتمام أن بها تعداد دراجات أكبر من تعداد السكان. يستخدم الناس الدراجة للوصول لأي مكان، حتى رئيس الوزراء يستخدم الدراجة للوصول إلى مكتبه. بدأتُ بالعمل مؤخراً مع "راديو هولندا حول العالم" في القسم العربي في مجال حرية الميديا وحرية التعبير. للأربع سنوات السابقة كنتُ أعيشُ بين هولندا والسودان.

هند: ما السبب خلف إنشاء مبادرة الدراجيات السودانيات؟

إيناس: الموضوع بدأ كإهتمام شخصي لأنني أحب هذه الهواية، وكنتُ سعيدة بالدعم الذي وجدته من أمي، أخواتي وأصدقائي، حتى أولئك الذين ينحدرون من أسر محافظة، كسروا التقاليد ووقفوا بجانبي. شخصياً
كمُمارسة في مجال التنمية أعملُ في قضايا الجندر، مع إهتمام بمجالات البيئة والصحة، و لكنني لا أهتم بالرياضة، فوجدت أن إستخدام الدراجة هو الحل المثالي. الدراجات سريعة وليس بها مشكلة مواقف، وبالطبع لا تستهلك أي وقود.

تجمُّع الدراجيات السودانيات كانت تجربة عظيمة، انا سعيدة بما حققناه حتى الآن وبالدعم الذي تحصلنا عليه عبر الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي. الداعمين رأوا المبادرة كشئ مشرق وردود الأفعال الإيجابية كانت أكثر من السلبية. من أجل كل هذه الأسباب أنشأتُ هذه المبادرة للمشاركة في المجتمع بشئ جديد وبالطبع مفيد.

هند: شعار المبادرة "دراجتي، بيئتي"، أخبرينا المزيد عنه؟

إيناس: الدراجة – بخلاف السيارات – لا تستهلك أي وقود، ومع المشاكل التي يواجهها الكوكب اليوم كالتغيير المناخي، هنالك توّجه نحو المدن المستدامة والتي تهدف لتوفير طرق صحيّة للعيش. طرق العيش الصحيّة
يجب أن تقلل من مشكلة تلوّث الهواء، لذلك فالدراجة تمثّل أحد تلك الحلول. شعارنا يتجاوز فوائد الدراجة الشخصية وكوسيلة للمواصلات بتسليط الضوء على تأثيرها البيئي الإيجابي، نوضح أننا على وعي ودراية بالقضايا البيئية المحيطة بنا.

هند: كيف تؤثر هذه المبادرة على السودانيات؟ وبم تنصحين الفتيات لفتح آفاقهم نحو مثل هذه الأفكار؟ 

إيناس: الفتيات المشاركات في المبادرة كُنّ خجولات ويشعرنّ بعدم الأمان، لكن ذلك تغيّر عندما أصبحنّ يمارسنّ هذه الهواية أكثر فأكثر، فزادت ثقتهنّ بأنفسهن، وأصبحنّ يشاركنّ في الكثير من الفعاليات. أحد أهم الأشياء هو وجود فتيات صغيرات في العُمر يشاركنّ في المبادرة، أهمية ذلك تكمنّ في أن هذا الجيل سيكون أكثر انفتاحاً ولا يمكن إيقافه.

الفتيات الراغبات بإحداث تغيير ويشعرنّ بالضعف، أنصحهنّ بالإبتعاد عن الأشخاص السلبيين وألا يستمعنّ للنقد السامّ الذي يعمل على إقعادهنّ. إذا كان لديهنّ الرغبة الكافية ومقتنعات بالفكرة فيجب عليهنّ البدء فوراً ولن يكُنّ بمفردهنّ أبداً، دائماً سيكون هنالك أناس يدعمونهنّ لكن أكبر داعم لهنّ سيكون إيمانهنّ بأنفسهنّ.

undefined

Source: Sudanese Female Cyslists on Facebook 

هند: من الذين قاموا بدعمك عندما بدأتي باستخدام الدراجة؟ 

إيناس: كجزء من شخصيتي، لم أقم بإستشارة أحد. استغرقتُ الكثير من الوقت لأعثر على دراجة بناتية، ثم بدأتُ باستخدامها في الساحة الخضراء لأول مرة أحد أيام الجُمع. في اللحظة التي بدأتُ فيها بركوب الدراجة
للتوجه نحو الساحة الخضراء وُوجهتُ بكثير من نظرات الدهشة والإستنكار. نفس رد الفعل إستمر داخل الساحة الخضراء. كان يوماً لا يُنسى.

يوجد الكثير من التقاطعات في موضوع إستخدام الدراجة، فالمجتمع يربطها إما بالفقراء، بالرياضيين المحترفين أو بالأجانب، مما جعل إستيعاب أنها وسيلة عادية للمواصلات أصعب مع مرور الزمن.

في التاريخ الإسلامي هنالك كثير من القصص عن النساء اللآئي كُنّ يستخدمنّ الحصين والجمال للتوصيل. هنا في السودان النساء يقدنّ السيارات، فلماذا قيادتهنّ للدراجات أمر مستنكر؟!

هند: كيف أثرت تجربة إنشاء هذه المبادرة والحصول على الزخم الإعلامي الهائل والدعم من الأفراد والسفارات عليك شخصياً؟

إيناس: أعادت إليّ ثقتي وإيماني بنفسي، معرفة أنه وبالرغم من وجود مشكلات وقضايا كبيرة، لكن هناك الكثير من الأشخاص الذين يؤمنون بأهمية شئ قد لايراه الآخرون مهماً في الغالب. الموضوع أكبر بكثير من مجرّد فتاة تقود دراجة على الطريق، هذا الفعل يُقابل بضغوطات اجتماعية وتعليقات مهينة. في حين قيادة الدراجة أمر أكثر من عادي للصبيان، فإن الفتيات بحاجة للقتال لإقناع أهلهنّ بالفكرة في حدّ ذاتها، ومن المهم معرفة أنه وبعد استرداد الحق المسلوب يُصبح من الصعب فقدانه مرّة أخرى.

هند: ما هي خططك المستقبلية فيما يخص المبادرة؟

إيناس: نحن نعمل على الترويج لفكرة إستخدام الدراجة وحالياً نعمل على تسجيل منظمة للشباب للقيام بنشاطات أكبر. ونأمل كذلك بإدراج عدد من المجتمعات والأحياء المختلفة، وكذلك الترويج للمبادرة في ولايات أخرى. نرغب بالمشاركة في أيّ فعالية عن أساليب الحياة "النظيفة والصديقة للبيئة"، ونقوم حالياً بعقد إجتماعات لأفراد مجموعتنا للتوعية بالقضايا البيئية. نحاول أن نزيد في أعداد البنات المهتمات ومساعدتهنّ في اتخاذ خطوات عملية والمُضي قدُماً في موضوع قيادة الدراجة. وفي الأخير نقوم بتطوير أفكار جديدة ومبتكرة للفتيات والنساء لإخراجهنّ من مناطق الراحة وإشراكهنّ بصورة أكبر في كل القضايا الصغيرة والكبيرة
في السودان. نأمل أن تكون هذه بداية مُلهمة تساعد النساء على القفز والبدء بحركتهنّ بتوفير أفكار مفيدة لتشجيعهنّ لإتخاذ خطوات وتحقيق نتائج افضل يمكنها التأثيرعليهنّ وعلى المجتمع، لأن المجتمع لا يكون قويّا ونساؤه متخلّفات عن الرجال.

يمكنكم متابعة مبادرة الدراجيات السودانيات على صفحة الفيسبوك.

 


هند صالح

هند صالح مهندسة مسح مع خبرة عامين في تقديم العطاءات وتعزيز استراتيجيات الاتصال في مجال البناء. نمت هند شغفها في الكتابة والتوجيه الإبداعي في أندريا ، كما وجهت اهتمامها بحقوق المرأة والتنمية الذاتية.