هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

كان مفهوم التكنوقراط موضوعا للنقاش الساخن في السودان خلال الأشهر القليلة الماضية. فهو يعني حكومة متكونة من مهنيين وخبراء ذوي خبرة في العديد من القضايا الرئيسية المختلفة، مثل البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية والاقتصاد. من المفترض أن يكون التكنوقراطيون أنفسهم شخصيات غير سياسية في الحكومة. و تأتي هذه الدفعة بعد سنوات من سوء الإدارة والفساد البغيضين في جميع مجالات الحكم في السودان. خلعت الثورة السودانية كل من عمر البشير و عوض ابن عوف، ومع ذلك، فإن العملية الطويلة لتفكيك الأجزاء المتبقية من النظام قد بدأت للتو. مستقبل المشاركة المدنية هو موضوع النقاش المستمر طوال هذا الوقت. و هنا، يتم دعوة التكنوقراط من أجل المساعدة في وقف الانهيار الاقتصادي للسودان وتحسين حالة الخدمات المدنية والصناعة. هذه الأولوية الحيوية تكمن فقط وراء وقف الحرب الأهلية وبناء حكومة انتقالية فعالة، وفقًا لإعلان الحرية والتغيير.

تتمسك الشوارع السودانية بمطالبها بتشكيل حكومة مدنية ممثلة، خاصة بعد أعمال العنف المتزايدة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وقوات الأمن في أوائل شهر رمضان، و فضهم للاعتصام بالقوة الرهيبة في الثالث من يونيو. يجادل الكثيرون بأن الخطوة الأولى نحو حكومة تكنوقراطية فعالة هي إزالة الرموز العسكرية من المجلس السيادي المقترح والمجلس التنفيذي والهيئة التشريعية. و دعت المقترحات السابقة إلى إنشاء مجلس رئاسي يتكون من شخصيات "ثورية" مدنية، يكون فيها وزير الدفاع هو الممثل العسكري الوحيد. بينما دعا آخرون إلى ضم الأفراد العسكريين بشكل محدود، و ليس كجزء من المجلس التنفيذي. تتضمن تفاصيل آخر اتفاقية تم التوصل إليها في الخامس من يوليو شخصيات عسكرية في المجلس السيادي، مع خمسة من أحد عشر من الممثلين العسكريين، ورئيس عسكري يترأس أول 21 شهرًا من الفترة الانتقالية. يبقى أن نرى كيف سيتم تفويض المهام الوظيفية للحكومة الانتقالية وتنفيذها في نهاية المطاف. لكن في جميع الحالات، من المتوقع أن يتم اختيار شخصيات تكنوقراطية.

undefined

Illustration by M3@zoo via gramha.net 

في السياسة ، يتزامن الميل نحو مقترحات الحكومات التكنوقراطية مع الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو سياسية. في أوروبا ما بعد الركود، كان أحد الأمثلة الرئيسية للحكومة التكنوقراطية هو مجلس المهنيين المستقلين في إيطاليا بقيادة ماريو مونتي (2011-2013). سعى جميع الخبراء إلى تنفيذ تدابير تقشفية وإعادة تمويل مليارات اليوروهات من الديون المستحقة على إيطاليا. ومع ذلك، فقد اعترفوا لاحقًا بالتخلي مبكرًا عن المناصب السياسية الرئيسية وعدم كفاءتهم للتعامل مع الضغوط السياسية والاجتماعية في البلاد. وفقًا للدول الغربية، غالبًا ما يكون للتكنوقراطية دلالة سلبية، ويتم تصويرها على أنها معادية للديمقراطية و نخبوية بطبيعتها. علاوة على ذلك، فإن العديد من الدول الاشتراكية أو الشيوعية (مثل الصين والاتحاد السوفيتي السابق) تعتبر تكنوقراطية. لديهم أجندات التنمية وأعداد كبيرة من المسؤولين الحكوميين "المدربين علميا أو الموجهين" لقيادة قرارات السياسات. ومع ذلك ، فإن معظم الديمقراطيات البارزة مثل الولايات المتحدة تعتبر تكنوقراطية جزئيا أو شبه تكنوقراطية، خاصة فيما يتعلق بالمناصب الوزارية.

وبالمثل ، يُقترح أن تكون حكومة التكنوقراط في السودان ديمقراطية ومدنية، حيث يمثل الوزراء التكنوقراطيون حلاً محتملاً لموازنة الممثلين غير السياسيين مع الممثلين الشعبيين الآخرين في الحكومة. في تونس المعترف بها على نطاق واسع بأنها أنجح دول الربيع العربي، تم إنشاء الأحزاب السياسية للحكومة الانتقالية من 2013 إلى 2015 مع المهندس مهدي جمعة كرئيس للوزراء. و تحت إشرافهم في يناير من عام 2014 ، تمت صياغة دستور جديد وإقراره. و من ثم عقدت البلاد انتخابات تشريعية ورئاسية بحلول نهاية العام في نوفمبر وديسمبر من عام 2014.

يرى الكثيرون أن المقاربة التكنوقراطية هي الوسيلة لإشراك الشتات السوداني الكبير والمتنوع. يشكل مواطنو الشتات نسبة كبيرة من إجمالي السكان السودانيين، من الذين غادروا على مدار العقود الماضية كمهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء. واصل العديد منهم الحصول على شهادات متقدمة والعمل في مناصب مهنية، وتطوير مهارات قابلة لأن تُسخر من أجل تنمية السودان. لذا، فيستلزم إيلاء اهتمام خاص لمعالجة عملية العودة إلى الوطن. أخيرًا، تهدف التكنوقراطية أيضًا إلى إصلاح نظام "الواسطة" الراسخ في البلاد. بدلا من مستوى الجدارة، فإنه غالبًا ما يتم إعطاء الأولوية لعوامل تقليدية مثل العلاقات الأسرية أو الوضع الاجتماعي أو العلاقات الشخصية لاتخاذ قرارات التوظيف في السودان. الأمر الذي يزيد من حدة هذه المشكلة هو أزمة البطالة الكبيرة بين الشباب والعديد من المهن في القوى العاملة، مثيرا مشاعر قوية من الاحساس بالظلم في توزيع الفرص.

من خلال هذه الدفعة التكنوقراطية، يأمل الشعب السوداني البدء في بناء مجتمعه المستقبلي ومؤسساته الشفافة، مما يؤدي إلى انتخابات وحكومة حرة ونزيهة. في الواقع، التكنوقراطية المثالية تقدم تحسنًا واعدًا للوضع الحالي في السودان إذا ما قامت بالشكل الصحيح، ممثلة بذلك مستقبلًا من الأمل والفرص والتقدم لجميع المواطنين.
 


الهام علي

إلهام علي أمريكية من أصل سوداني، مهندسة ومتخصصة في التقنية. لها اهتمامات بالتنمية المستدامة والتمويل والفنون والسياسة العامة. إلهام مؤسسة موقع sudanrevolutionart.org ومديرة مهرجان موسيقى السلام السوداني. في وقت فراغها ، ترسم وتلعب الغيتار.