هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

مقدمة

"الفصل المفقود من إسمي أحمر"، هكذا يسطر الكاتب الروائي والقاص بوي جون، الجنوب سوداني الجنسية ، مجموعته القصصية الجديدة بعنوان "مرافعة الثعلب" والصادرة من دار الجزائر تقرأ ، ضمن إصدارات عام 2018. يعود الكاتب بهذا العمل الرصين المتناغم، بعد أن صدر له روايتي "جنة الخفافيش" و "كوميان". المجموعة تتكون من (9) قصص قصيرة وطويلة من (72) صفحة، تخالط فيها الكاتب ما بين الأحلام وواقع أفريقي محلي جنوب سوداني خالص، مابين الحداثة والتقليدية القصصية القديمة.

في هذه المجموعة القصصية يضيف بوي تراثه المحلي من القصص الشعبية الذي لم يخلو من سرده تفاصيل كل قصة، وخاصة أن إسم الثعلب الذي إختاره الكاتب ليترافع دافعاً عن نفسه من الظلم وغيره، هو من أكثر الأسماء تردداً في القصص الشعبية، وإن كان هذا لذكائه أو ميول الثعلب للغش عندما نسمع قصصه من الأجداد. في مقدمة هذا المجموعة القصصية كتب دار النشر "من هنا يعد بوي جون واحد من الأقلام الجديدة التي إختارت دار الجزائر تقرأ، لتبدأ بها مشروع في الإنفتاح على جديد ما يكتب في أفريقيا". ما أحلى هذا النموذج الأفريقي لسرد أفريقيا بقصص جميلة وحكايات الماضي والحاضر مابين الحرب والسلام.

(1)

مرافعة الثعلب عنوان مثير للشفقة والتأمل أكثر من أي قصة أخرى في المجموعة القصصية. يبدأ القاص المجموعة بقصة "جولة يوم الإستقلال"، هذه التحفة الجميلة التى تدور أحداثها عن الفرح يوم الإستقلال. أغلق القاص صفحة الحرب وفتح صفحة الحرية ولكن جمال القصة هي عندما وجد الناس طريق العودة للإحتفال بالإستقلال. هناك أيضاً "رحلة رأس السنة" و تدور أحداثها عن شاب يصارح بحبه لفتاة ، و قبل أن يجد الإجابة بعد أن أمهلها ثلاثة أيام للرد على هذا الطلب الوجداني العميق، يتفاجأ بوالدتها تقول لها أن بص الرحلة ينتظرها من أجل العودة إلى البلد الجديد.

undefined

Source: Nashr Reads on Facebook

(2)

يذهب القاص على أن عندما تم إحضار المرآة في عيد ميلاد الطفل ليرى فيها وجهه، سرق لصوص هذا المرآة، الأمر الذي إعتبره الطفل محزنناً. فعزم على إستردادها من اللص السارق وهو لا يعرف أين يسكن هذا اللص. ويطرح بوي أسئلة كثيره في قصة "الإنتحار" التي تدور حول شاب قام بتنفيذ مهمة عملية الإنتحار بعد أن فشل في محاولتين ونجاح في الثالثة. وهي قصة يضع فيها الكاتب أملاً للسلام الذي يرسمه في أصابع أيادي أطفال جوبا "البياض قد زين رؤوس أظافرهم". هكذا السلام يبدأ بنقطة من الأمل في نفوس الناس. ونقتبس من القصة. "كم من الوقت مضى عندما بدأت تتوافد الطيور المائية جماعات وجماعات فيما يتلقون بأطياف من الألوان إنه زمن العودة." هذه الطيور الجميلة كالسراب يشبهون البشر، جاءوا عبر النيل لكن المنتحر نفذ إنتحاره في النيل عندما قفز من أعلى جسر، حيث ينقذ رسالة الإنتحار شاهد العملية لكن حياته لم تعد تسير كما هي.

(3)

يكتب بوي القصص عن الحرب والسلام والسياسة والمجتمع بصورة متناغمة ومجوفة يحتاج لتفسير الدقيقة قبل الحكم. هذه هي قصة أخرى عن "شان" العائد من الحرب، وقصة إيواء المخربين. سردها لشخص تم إلقاء القبض عليه بتهم إيواء المُخربين. يروي القاص القصة على أن الجميع يريدون ان يسكنوا في هذا المنزل لكنه أصبح مهجوراً وسكنته الفئران بسبب إهمال صاحبه لإرشادات أصدقائه من الزوار و الشركاء المزعجين. قد تلاحظ العلاقة الطفيفة بين هذه القصة وقصة "أمنية أبي" هذا الأمنية التي لم تتحقق حسب القاص، لأب يقضي حياته على تناول الخمر ورغم ان منزله شهد الحزن في يوم الفرح بموت أحد أقرباء الاسرة يوم العرس، لم تتوقف مراسم الزواج. ولكن عندما جلس رب الأسرة الأربعيني يوصي أسرته على شرب الخمر نقتبس من القصة المثل الشعبي "الفرح ضيف أما الحزن فأحد أفراد الدار".

undefined

Source: alquds.co.uk 

(4)

بعد كل هذا القصص يأتي بوي، ليترافع بقصة "مرافعة الثعلب"، الذي يهدئه الكاتب التركي، أورخان باموق، الحاصل على جائزة نوبل للأداب سنة 2006. يبدأ الكاتب القصة بثعلب يشكو الظلم لوضعه في السجن القذر وسرقة أيامه منه. في هذا القصة يتجول القاص بين عوالم الحاضر والماضي، بين السياسة والمجتمع والدين و الفنون. نجد المفارقة بين الثعالب والكلاب، حيث يدافع الثعلب عن نفسه بلا محامي ضد محاولات الناس لربط التشابه بينه والكلاب. دافعاً أن الشيء الذي يميزه عن الكلاب هو ذيله (صفاء اللون الأحمر يظهر في ذيله الجميل أكثر من أي مكان أخر). ولكن تفسير هذا يذهب لأبعاد كثيرة إذا نظرنا إلى إرتباط القصة بتركيا.

هناك تقارب كبير بين قصة مرافعة الثعلب مع رواية الكاتب التركي أورخان باموق "إسمي أحمر"، التي تدور أحداثها في العصور القديمة والفن والصراعات بين التوجهات ووصف غير ممل للرومانسية. وهنا مرافعة الثعلب يميزها السرد عن اللون الأحمر و الذي له دلالات في المدارس الفكرية.

بهذا الفصل الجديد يكون بوي سطر عملاً فريداً لتناوله أشكال الحياة المتعددة لمواطن جنوب السودان الأفريقي الأصيل. من خلال مجموعته القصصية "مرافعة الثعلب" نجد أن معظم القصص لها أبعاد ترتبط إرتباط نموذجي بالحياة اليومية والروح التقليدية الأصلية الأفريقية. حاول القيام بقراءة الكتاب، و ستقف في أحد القصص و ترقص أنغام أفريقية خالصة في كل سرد متأملاً و محاولاً الإجابة على شخصية كل قصة. بعد هذا العمل من روايتي "كوميان" و"جنة الخفافيش" وهذا المجموعة القصصية، يخطط بوي جون لإصدار ديوان شعر بعنوان "الولد الذي مر من هنا" العام المقبل.