هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

بالنسبة للكثيرين الذين نشأوا في الثمانينيات والتسعينات، كان السودان مكانًا طارداً، حيث كانت العقيدة والأيديولوجيات صارمة جدا. كان على الشباب الذين كانوا في مرحلة تشكيل وجهات نظرهم عن العالم واستخلاص خطط الحياة أن يلتزموا بخطوط صارمة، لا مفر منها تقريبا في دولة حازمة دون مجال للمناورة. وكان عقد التسعينيات من القرن العشرين بمثابة نزيف حقيقي للعقول السودانية؛ لأسباب اقتصادية وأيديولوجية وسياسية وأمنية، ترك فيه الكثيرون البلاد سعياً وراء حياة أفضل. وفي سياق موازي، أصبح الإنترنت أداة أساسية، وكانت تكنولوجيا المعلومات وإدارتها مجالا مزدهرا. في هذه المقابلة، نتحدث إلى خالد محمد علي، الذي تخرج ليجد بيئة التكنولوجيا خانقة ومتخلفة في السودان، فقرر الهجرة إلى الولايات المتحدة لمدة ما يقارب عقد من الزمان، لتشهد مسيرته المهنية العديد من المعالم البارزة. لدى عودته إلى السودان في عام 2008، وجد خالد طريقه إلى نظام الأعمال التجارية السودانية باعتبار خبرته التقنية والإدارية. من خلال رحلته سنتتبع مسار الجيل المفقود وكيف أن السودان أضر بالعديد منهم، إلا أنه عاد ليستفيد منهم بشكل كبير عند عودتهم مع الأعمال والتكنولوجيا والأدوات الشخصية التي رفعت المعايير المحلية في السباق العالمي المتسارع.

نحن نجلس في محور امباكت هب الخرطوم، وهو جزء من شبكة من أكثر من 80 محاور في جميع أنحاء العالم. من الإلهام إلى التنفيذ، وكيف وصلت إلى هنا؟

بدأ المشوار عندما استقلت من عملي في عام 2014 لبدء عمل استشاري مع زوجتي. وكانت هناك حاجة ملحة لاستئجار مكتب. في نفس الوقت قام صديق لي بنفس الخطوة أيضا و بدأ عمله الخاص، لذلك فكرنا في إيجاد مساحة واحدة غير مكلفة  يمكن أن تكون مناسبة لكلا الشركتين دون أن تستنزف رأس المال كله.

كنا نخوض العديد من النقاشات حول كيفية تحسين الوضع الاقتصادي في السودان من خلال المشاريع الصغيرة، وخاصة مع عدد الشباب الكبير الذين يعانون بسبب عدم وجود منصات و برامج يمكن أن تحفز المشاريع و الأعمال التجارية. لذا أجرينا بعض البحوث حول المنطقة لمعرفة ما يمكن القيام به في السودان من أجل اطلاق الشركات الناشئة وتقديم حلول عملية فعالة من حيث التكلفة وقابلية التطوير. وجدنا اتجاهاً متزايداً نحو مساحات العمل المشتركة والمراكز الثقافية التي تخدم الشباب وتستفيد منهم بأفكار جديدة جاهزة للسوق في مجال الفنون والتكنولوجيا من بين مجالات أخرى. تقدم لهم هذه المساحات الخدمات لتمكين المجتمعات المحلية من الاستفادة من جوانب متعددة في بيئة مواتية تشجع الابتكار والإبداع وتقاسم الأفكار والموارد والدروس المستفادة.

كانت هذه هي البداية بالنسبة لنا. نظرنا إلى الشبكات الكبيرة ووجدنا أن شبكة امباكت هب (Impact Hub) هي الأنسب للبيئة السودانية بسبب تنوع المجموعة ووسع التجارب التي تم جمعها من خلال الشبكة العالمية والمراكز الفريدة في بيئات مماثلة. بدأنا خلق مفهوم مع هدف الحرص على الحفاظ على الخصوصية المحلية راسخة ولكن متصلة بالعالم.

undefined

ما الدافع نحو التحول من الشركات إلى الأعمال الشخصية ثم الأعمال المجتمعية؟

أؤمن بالعمل المتواصل نحو مستقبل أفضل وضرورة التقليل من التحديات التي واجهتها اثناء نشأتي، مثل الحصول على التعليم اللائق والمعرفة ذات الصلة في مجال عملي والتناغم في التوجه العالمي للتنمية. ليس هناك سبب يدفع الشباب والشابات لمواجهة نفس التحديات التي واجهناها نحن في التسعينيات من القرن الماضي. لقد أتيحت لي الفرصة للسفر وإكتساب الخبرة وزيادة دراستي ومهنتي وأعتقد أن هناك مسؤولية وواجب على عاتقنا تكمن في مساعدة الجيل القادم من خلال سد بعض الثغرات التي اكتسبنا خبرة فيها، والتي أن تُرِكت دون حل سوف تحد من النمو والازدهار كما فعلت لأبناء جيلي. يحدث التقدم من خلال تراكم انتصارات صغيرة يمكن للأفراد تحقيقها.

ما هي بعض الإحتياجات التي يحتاجها الجيل الحالي لتحقيق قفزة تنموية؟

نادراً ما يُرحب بالشباب للمشاركة في صنع القرار، وذلك بسبب اكتساب كبار السن عقلية مفادها أن الشباب ضائعين وعديمي الخبرة. وأدى ذلك إلى وجود فجوة كبيرة بين الاثنين بسبب نقص التواصل والمشاركة. فالشباب يستحقون أن يُسمع لهم، وتلك حاجة متأصلة، حتى يتمكنوا من تشكيل البيئة المحيطة بهم بما يتناسب مع احتياجاتهم الإنمائية. وبالنظر إلى الفرصة، أعتقد أن لديهم حكمة وقصص لتقديمها، لأنهم أكثر عرضة للعالم بسبب العولمة والرقمنة. وإذا كان للشباب فرصة أكبر للمشاركة بنشاط في المجتمع من خلال التشاور معهم، فإن العديد من قدراتهم غير المستغلة والمقموعة سوف تزدهر. كل ما يحتاجونه هو التوجيه وقليلا من الرصد للاستفادة من إمكاناتهم لتحقيق أقصى فائدة في المجتمع.

ماذا عن جيلك، هل تعتقد أنه كانت لديكم فرصة أفضل ليتم سماعكم؟

لا، كانت التسعينات تسمى بالعصر المظلم السوداني. كانت هناك نسخة واحدة من الحقيقة والطبيعة الأيديولوجية للوقت لا تسمح إلا بالتنفيذ في اتجاه واحد. كانت هناك حرب قائمة في ذلك الوقت، كما كان علينا نحن الشباب أن نكمل خدمتنا الوطنية ونلعب دورا دون أن يكون لدينا خيار. كان على بعضنا أن يخدم بلدنا من خلال محاربة جزء منه، فكان هذا مربكاً ومثير للقلق بالنسبة لنا كجيل. شعرنا بالغربة في بلدنا لأنه لم يكن لدينا خيار في طريقة تشكيل حياتنا. وكان الحل بالنسبة للكثيرين هو إستعادة التحكم على خيارات حياتهم؛ وبالتالي هاجر الكثيرون. 

هل هناك أي شيء يمكن أن يغير الطريقة التي كانت عليها الأمور؟

الوصول إلى التكنولوجيا والمنصات الرقمية لتبادل ومشاركة الأفكار. لم تكن أدوات التمكين متوفرة في ذلك الوقت، وبالتالي كانت قدرتنا على التفاعل مع السودانيين وغير السودانيين وآراءهم محدودة. لم يكن بوسعنا التفاعل مع العالم على نطاق واسع كما لدينا الآن مع التكنولوجيا. عوقب بشدة في ذلك الوقت أي فعل لتحدي الوضع القائم بإستخدام آليات المقاومة التقليدية.

undefined undefined

With colleagues at Computerman College, 1993. Most have left Sudan immediately after graduation in 1998 and some never returned 

ما هي المسؤوليات المترابطة لهذين الجيلين؟

من المهم أن يتمكن الجيلان من إيجاد نقاط تواصل والعمل معاً نحو مستقبل أفضل. كما يحتاج كبار السن إلى الإعتراف بالدور الحاسم الذي ينبغي أن يلعبه الشباب في تشكيل مستقبل هذا البلد، وفي الوقت نفسه، يمكن للشباب استقطاب بعض الحكمة من ذوي الخبرة. هناك حاجة لتسليط الضوء على المشاكل بوضوح بحيث يتم التعريف بكل معوقات الطريق، ثم إيجاد قصص النجاحات الصغيرة والتحولات. عندما ندرس التاريخ يمكننا تحديد كيفية حدوث التحولات، في أوروبا على سبيل المثال حدث التحول على مر القرون من خلال الدم والدموع. نحن لسنا مضطرين أن نسلك نفس الطريق من التجارب المؤلمة للوصول إلى ما هم عليه الآن، فالكثير من الدروس واضحة وجاهزة للتنفيذ. للقفز إلى المستقبل من أي سياق نحن فيه نحن بحاجة إلى البدء بتحولات صغيرة لأن التغيير لا يحدث بين عشية وضحاها.

دعنا نعود إلى رحلتك إلى الولايات المتحدة وسنوات من تطوير نفسك ووظيفتك. أخبرنا عن أبرز الأحداث في تلك الفترة؟

درست هندسة الحاسوب وكانت هناك فرص عمل ضيقة جدا لهذا المجال في السودان في ذلك الوقت. جنبا إلى جنب مع الرؤية السياسية الضبابية في حقبة التسعينات، كان هناك شعور عام شامل من التدهور في البلاد، في مختلف الصناعات والتعليم. بعد التخرج، قررت أن أذهب إلى مكان آخر حيث يمكنني توسيع معرفتي والتعرض للعالم، لذلك انتقلت إلى فلوريدا في الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

عملت كخبير لتجميع الكمبيوتر لمدة سنة واحدة حتى جمعت ما يكفي من المال للإلتحاق بجامعة للدراسات العليا، ثم تلقيت منحة جزئية لإكمال الماجستير.  قبل أن أنتهي من الدراسة كان لدي وظيفة في شركة البرمجيات SPSS، والتي كانت دفعة ثقة كبيرة بالنسبة لي. كان الفرق في النظام التعليمي واضحا بالنسبة لي، هناك يركز النظام على ما اكتسبه الطلاب في المعرفة وكيفية استخدامها لحل المشاكل. كان الابتكار، والاختراع، والتقدم مدى الحياة في تطوير الأجوبة والحلول وسائل الحياة التي ألهمنا بها الأساتذة وغرسوها فينا طوال البرنامج. لقد شجعونا على العمل بجدية أكبر وخلق أفكارنا الخاصة ثم مشاركتها، سواء أمام زملائنا أو مهنياً. كما علمونا كيفية تلقي النقد البناء ومعالجته لتعزيز أفكارنا. وكان تعلم التفكير النقدي وعدم قبول الأفكار كما هي من غير تحليل أيضا معلماً في تحولي الشخصي. من خلال هذا النظام تحولت من مستهلك للمعرفة إلى مساهم في المعرفة.

بعد العمل في عدد من الشركات الكبيرة، حصلت على فرصة لبدء شركة استشارات خاصة بي في الولايات المتحدة. وجاء هذا التحول بعد إعادة مواءمة أهدافي وقررت أن الهدف المهني ليس الحصول على وظيفة لائقة ومرتب عالي على طول المسار، ولكن تجربة العمل في بيئات مختلفة في نهاية المطاف. وجدت أيضاً أن التقدم في الوظيفة هو مرتبط ارتباطا نسبيا بالجهد الذي يضعه الشخص في عمله، فإن المسمى الوظيفي لا يحدد ماهية الشخص. 

عدت إلى السودان وقمت بالانضمام إلى مجتمعه في مرحلة مختلفة من حياتك، وفي تاريخ البلاد. أخبرنا عن رحلة العودة.

العودة إلى السودان كانت شيئا حتمياً؛ فدوماً رأيت هجرتني كمرحلة مؤقتة. كنت مرتبطاً عاطفياً ببلدي وأردت أن أعود في وقت معين. على الرغم من أنني كنت مرتاحاً هناك، لم يكن هناك قرار للاستقرار في الولايات المتحدة إلى الأبد. بدأت البحث في العودة إلى السودان بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل في عام 2005، وأردت أن ألتزم بهدفي في مشاركة خبرتي مع المجتمع.

بدأت الرحلة مع وضع وإدارة توقعاتي، لأن الأولويات تتغير مع مرور الوقت. كانت أولويتي الأولى هي العودة والتقرب من عائلتي لكي يشعروا بوجودي من حولهم، على الرغم من أنهم عارضوا بشدة عودتي. كنت أعرف أن هناك مخاطر اعتمادا على ما كنت أريد أن أفعل هنا، ولكن كنقطة دخول، اعتدت زيارة البلاد في الإجازات وإعادة الاتصال مع زملائي واستكشاف البيئة العملية هنا. كان هناك الكثير من الخدمات والشركات التي بدأت تنمو في ذلك الوقت، وخاصة في قطاعي الاتصالات والنفط. بحلول العام 2008 كان لدي وظيفة في انتظاري و لكنني بدأت العمل مع شركة أخرى، و هي السودان للاتصالات (سوداتل). في ذلك الوقت كنت مكلفاً بإدارة بعض مشاريع الشركة في غرب أفريقيا، وهذا ما حمسني للعمل معهم لأن الوظيفة كانت تتطلب بناء الأعمال هناك من الصفر وهذا كان بمثابة دافع لدي. تطلبت الوظيفة أيضاً السفر المتكرر بين الشرق الأوسط وغرب أفريقيا، لذلك بقيت بعيداً قليلا عن السودان، الذي كنت اتردد عليه ولكن من دون استقرار دائم.

وبعد عامين، قبلت وظيفة أخرى مع نفس الشركة ولكن في مقرها بالخرطوم. عملت هناك لمدة سنتين إضافيتين، ثم بدأت  التفكير في المستقبل. فكرت في دوري في المجتمع وما هو نوع التأثير الذي كنت أتطلع له من خلال وظيفتي في الشركات. أدركت ببساطة أن نوع التأثير المطلوب لا يمكن أن يقوم به شخص واحد، بل يجب أن يكون جهداً جماعياً مع تفكير و تخطيط أعمق بكثير. كانت بيئة الشركات محدودة في نواح كثيرة، لذلك حاولت تقديم ما كان بوسعي و ما أستطيع القيام به وقررت المضي قدما وبدء شركة استشارية مع زوجتي؛ ومؤخرا كمؤسس مشارك لمركز امباكت هب في الخرطوم. 

undefined

Sharing insights about transforming telecom operators in West Africa at the TM Forum Summit in Dubai- 2012 

 بدأت العمل الاستشاري مع زوجتك، كيف توصف العمل بالنسبة لكم الاثنين؟

نفيسة هي امرأة رائعة، قدراتها تفوق إلى حد كبير ما يمكن أن توفره لها بيئة الشركات. كانت تعمل في شركة حَجَمت إلى حد ما دورها ولكن راحة الوظيفة الثابتة جعلتها تتجنب المخاطرة لبعض الوقت، وخاصة ضمن خبرتها المتخصصة جدا في استراتيجية العلامات التجارية وإدارة تجربة العملاء. في نهاية المطاف قررت أن تأخذ المخاطرة، وكان من المهم بالنسبة لي أن تدرك أنني أؤيد طموحاتها. وفي النهاية كانت النتيجة مرضية بشكل جميل بالنسبة لنا، فنحن نعمل في تخصصات مختلفة، ولكن التعاون بيننا قوي، لذلك فهي تجربة غنية. أحيانا يزحف العمل إلى الحياة الخاصة ولكننا نحاول السيطرة عليه، وأنا بالتأكيد أُشجع الأزواج الذين يمكنهم الشروع في مثل هذه المغامرة والعمل معاً.

هل عاد الكثير من زملائك إلى السودان؟

كانت العودة نقطة نقاش متكررة في دائرة الأصدقاء. بعد عودتي، سأل الكثير من زملائي عن الوضع ولكن لم يعد الكثيرون. فعل البعض وإستطاع البقاء والنجاح، في حين أن البعض الآخر لم يتمكن وسرعان ما غادر. كل هذا يتوقف على التجربة الشخصية والتوقعات التي يضعها كل منا للسودان.

هل لديك أي خطط للعودة إلى الولايات المتحدة؟

لقد توصلت إلى إدراك أن الحدود لا تعني الكثير بالنسبة لي بعد الآن. أعتقد أنني قد تجاوزت الحدود الجغرافية. طالما أنني أخدم غرضا يتماشى مع قيمي، لا يهم أين أنا. أنا لا أتعلق بمكان معين، لذلك سوف ألتزم بالعيش في أي مكان يمكنني فيه تحقيق هدفي وتحقيق أحلامي.

 

هذا المقال  من العدد الخامس عن الهجرة، يمكنكم قراءة العدد كاملاً هنا. 


أمنية شوكت

أمنية تحب الهواء الطلق و الطبيعة و كثرة الترحال و القراءة .تهتم بإيجاد الحلول التكنولوجية للمشاكل اليومية، وتسعى جاهدة لجمع الناس معاً لإبتكار مشاريع مليئة بالجمال و المغزى الإجتماعي. يمكنكم التواصل معها عبر تويتر OmniaShawkat@