هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

 المعرفة الإنسانية معرفة المقارنة ، فنحن لا نعرف الشئ في حد ذاته ، بل نعرفه بعلاقته بشئ أخر يشبهه أو يختلف عنه - عبد الوهاب المسيري

يظل التواصل وسيلة محورية في حياة الإنسان ، حيث يساعد في تسيير أموره الحياتية و تقليل الصعوبات التي تواجهه من خلال الإحتكاك مع المجتمعات المختلفة. فالإنسان كائن اجتماعي يحبذ التداخل مع محيطه كوسيلة للتعرف على الطبيعة و الطرق التي تساعد في كسب العيش، فليس بمكان يستطيع أن يعيش الإنسان فيه منعزلاً .من خلال التواصل تستطيع المجتمعات كسر الحواجز بينهم و بالتالي الإلتفاف حول القيم و القواسم التي تجمعهم. وهنا يساعد التواصل في توسيع آفاق ثقافية جديدة و تقبل إختلافاتها .في البداية يصاب الوافد بحالة من الإرتباك النفسي نتيجة لإختلاف ثقافة البيئة الجديدة عنه و هي ما يعرف بالصدمة الثقافية ، لكن مع مرور الوقت يشعر الوافد بالتعافي التدريجي ثم التكيف مع البيئة الجديدة، الأمر الذي يساهم في إيجاد أرضية مشتركة بين ثقافتي: الوافد و المستضيف.


السودان ظل دولة موحدة منذ الإستقلال على الرغم من وجود ثقافات و عرقيات مختلفة ، فهو يمثل بوتقة تنصهر فيها كل الألوان الدينية و العرقية ، و بالتالي نجده يستمد تميزه بين الدول بفضل
هذه الإختلافات. مع إنفصال جنوب السودان عام 2011م برزت أهمية الحراك الاجتماعى و الثقافي لتعزيز التمازج و الإندماج بين الشعبين من خلال القبائل المتواجدة في مناطق التماس ، و بالنظر للتاريخ الطويل و التصاهر بين الشعبين نجد أن الترابط الاجتماعي متأصل و تعود جذوره إلى ما قبل الإستعمار . 


يقع التماس السودان و جنوب السودان في منطقة سافنا حيث تهطل فيها الأمطار بغزارة و تجري فيها الأنهار و الأودية و الخيران الموسمية. بينما تنتشر الأشجار و الحشائش متوسطة الطول و
الكثافة في منطقة التماس الشمالية، فإن منطقة التماس الجنوبية تغطيها أشجار و حشائش كثيفة و طويلة. يسكن في هذا الحزام عشرات القبائل ( الفونج ، الشلك ، النوبة ، الدينكا ، الرزيقات ، فراتيت ، المسيرية ...الخ ) في الولايات الحدودية ( النيل الأزرق، أعالي النيل ، جنوب كردوفان ، الوحدة ، النيل الأبيض ، شمال بحر الغزال ، جنوب دارفور ، غرب بحر الغزال). نجد أن بعض هذه القبائل رعوية ترعى المواشي كأسلوب للحياة و تعبر الحدود ذهاب وإياب بحثاً عن الماء و الأعشاب لتلك المواشي و أخرى تمتهن الزراعة كوسيلة لكسب العيش. و نلاحظ أن قذارة السياسة حاولت أن تخلق فجوة بين هذه القبائل ، لكن الروابط الاجتماعية لعبت دوراً مهما في مواجهة هذه السياسات، الأمر الذي ساعد على إستمرار هذه العلاقات الأخوية حتى بعد إنفصال جنوب السودان .

undefined

Source PBS.ORG photo by Jason Patinkin 


أهمية مناطق التماس لا تنحصر في الجانب الاجتماعي فقط ، فهذا الشريط غني بالموارد الطبيعية المختلفة ( الذهب ، النحاس ، النفط ، الصمغ العربي ، محاصيل زراعية و أيضا ثروة حيوانية) و تشير التقارير أن هذا الحزام يساهم بنسبة كبيرة من صادرات السودان (الصمغ العربي و الثروة الحيوانية). أما جنوب السودان الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط فإن ولايات التماس المنتجة للنفط تدعم الميزانية القومية بنسبة ضخمة سنوياً. 


التداخل الثقافي و الاجتماعي و الديني لعبوا دوراً مهماً بين مكونات تلك المنطقة بإعتبارهم عمليات ديناميكية يقوم فيها الأشخاص بمجرد وصولهم للبيئة الجديدة. يقوم الناس في هذه المناطق بخلق علاقة مستقرة و متبادلة و عملية مع تلك البيئة ، و يظهر ذلك بصورة كبيرة في الرعاة حيث يمثلون سفراء لقيم و تقاليد مجتمعاتهم و بالتالي يقومون بنشرها في المناطق الموسمية التي يمرون عبرها تاركين خلفهم بصمات واضحة في المجتمعات المستضيفة. 


إذا إستلفنا من ذاكرة التاريخ سنجد أن عوامل كثيرة ساهمت في ردم الهوة بين الشعبين. من ناحية دينية لعب التجار الشماليين في المناطق المتاخمة دوراً في نشر الإسلام و العروبة من خلال ترددهم على تلك المناطق و تجلى تأثيرهم في الأسماء العربية و الإسلامية التي أطلقت على الجنوبيين الذين إعتنقوا الإسلام و كذلك طريقة اللبس ( الجلابية مثلاً). 

و من الناحية الاجتماعية نجد أن العلاقات الإنسانية تجذرت بين هذه المجتمعات من خلال التصاهر و التزاوج لاسيما بين الشلك و السليم في أعالي النيل و الدينكا و المسيرية في شمال بحر الغزال و قبائل دارفور و الفراتيت في غرب بحر الغزال. هذا الإنصهار الاجتماعي خفف من حدة الصراعات و التنافس بين هذه القبائل و هذا ما يعكسه المواطن بمنطقة التماس أجاك عبدالله بقوله : قديماً كان أجدادنا يتوجسون من إستقبال الرعاة لأنهم يعتبرونهم غزاة يحاولون السيطرة على مناطقهم و مواردهم، لكن مع مرور الوقت و نتيجة للإختلاط و التصاهر تغيرت هذه العقلية. أما صلاح جبريل الذي ترعرع في مناطق التماس فيرى أن الإستعمار و الأنظمة المتعاقبة في الحكم فشلت في إيجاد قواسم مشتركة بين الشعبين و أضاف: "سياسة المناطق المقفولة التي طبقها
المستعمر في عشرينات القرن الماضي عملت على توسيع الهوة الثقافية بين الشمال و الجنوب و مع ذلك لم تتمكن الأنظمة المتعاقبة من إيجاد حل جذري لردم هذه الهوة بعد خروج المستعمر" .

لا نكشف سراً إذا أجزمنا أبدية العلاقة بين الشعبين فهي راسخة منذ زمن طويل ، فقط تحتاج ﻹهتمام و رعاية من قبل القائمين على أمرها حتى نتكمن من ترسيخ الجوانب المشتركة المخفية عن العالم الخارجي.


يومون مارك

يومون شخص بسيط ، متفهم ، مرن ، شغوف نحو الكتابة ويعتقد أنها أداة قوية يمكن أن تغيّر حياة الناس