هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

لطالما أعجبت بالجيل الشاب و جيل الألفية المتأخرة الذين أظهروا لنا مرارًا وتكرارًا أنهم غير ملتزمون بحدود القيم المجتمعية. يسألون الأسئلة ويفعلون ما يريدون بأي طريقة. فتيات هذه الأجيال و من قبلهن يقاتلن عقلية تقليدية شاقة، تخبرهن أنهن أقل شأناً و انه ليس لديهم خيارات ولا يمكن الوثوق بهن.

منذ الولادة ، قيل للفتيات أنهن لا يملكن السلطة، وأنه ينبغي عليهن أن يندمجن ولا يصنعن المشاجرات ، وأن يتفوقن في المدرسة ، ولا "يفتحن سيقانهن" قبل الزواج وكلما أمكن، أن يختفين. تغمرني البهجة لرؤية الفتيات الجامعيات، ما بين 16 و 20 عامًا يتجولن مرتديات أياً من الملابس العصرية التي يرغبن بها أو يختلطن مع الذكور علنًا في بلد يحكم على النساء على أساس ما إذا رجعن المنزل قبل غروب الشمس و هل ملابسهن فضفاضة بما فيه الكفاية.

تجعلني هذه الأشياء أشعر أن النساء فرضن أهمية الوثوق بهن، ولا يردن أن يعاملن كأنهن غير مرئيات، ويمكنهن أن ينظرن إلى العنف والإذلال في العين ثم يخرجن إلى الجولة التالية بإحترام و تقدير. شهدنا كل هذا في مرحلة الاحتجاجات المبكرة للثورة السلمية منذ ديسمبر 2018. عندما تحول الاحتجاج إلى اعتصام مفتوح أمام قيادة القوات المسلحة في الخرطوم ومدن أخرى في جميع أنحاء السودان، أصبح الفارق صارخاً و واضحاً بين تمثيل المرأة في المراحل التالية، مما أدى إلى حدوث خلاف كبير بين النساء في طليعة هذا الصراع .

undefined

Source; knowyourmeme.com

الماضي و الحاضر

بالطبع تعرفون الآن الصورة المشهورة لآلاء صلاح البالغة من العمر 22 عامًا والتي احتلت عناوين الصحف العالمية في 8 أبريل 2019. في الصورة الشهيرة، تقف آلاء مرتدية زي الطبقة العاملة من الثوب الأبيض و أقراط القمر بوبا التقليدية، وهي تهتف فوق سيارة متوقفة عند الحشود المزدحمة داخل الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة في الخرطوم. مثلت آلاء فرحة المرأة الشابة المنتصرة التي وجدت نفسها فوق الحشد، نتشد لهم قصائد وطنية بينما يهتفون و هم يتأملونها. على الرغم من أن هناك العديد من مقاطع الفيديو والصور التي تم تداولها عن الاعتصام والاحتجاجات من قبل، فإن هذه الصورة استحوذت على العالم لتمثيلها للشباب والنساء والثقافة والقيادة والوطنية – هذا الخليط مغري جداً للعالم و الإعلام لأن أغلبية الثورات دموية ووحشية.

قبل تلك الصورة، سيطرت تغطية الاحتجاجات على صور النساء المتظاهرات في جميع أنحاء السودان، ووجوههن مغطاة بأقنعة جراحية يغطي رأسهم الحجاب أو يظهرن شعرهن، كما ظهرن بالتنانير، والسراويل، والعبايات. نشرت تقارير و مقالات عديدة حول مشاركة المرأة في الثورة بين ديسمبر ويونيو. وقد صورت استخدام الفن وكذلك التحديات المتمثلة في إقناع الأسرة بالسماح لهن بالمشاركة، وتحمل العنف والتهديدات بالاغتصاب من قبل الأمن الوطني الذين اعتقلهن من الاحتجاجات.

في 11 أبريل تمت ازاحة الرئيس السابق عمر البشير من السلطة بإرادة الشعب الذي احتج بلا هوادة. ازالة البشير تمت من قبل الجيش الموالي له طيلة فترة حكمه، في خدعة للحصول على السلطة من خلال مجلس عسكري انتقالي. وقد أشرف هذه المجلس الانتقالي على مقتل أكثر من 100 شخص وخلفوا 700 جريح في الهجومات على مقر الاعتصام، كما تم التقرير عن أكثر من 70 عملية اغتصاب. هذا في ظل المفاوضات بين المجلس الانتقالي العسكري و قائد الثورة "تجمع المهنيين السودانيين" و مع قوى الحرية والتغيير التي تضم عدة فصائل من السياسيين و المتمردين المسلحين ضمن إطار إعلان الحرية والتغيير. كانت الصور التي خرجت من اجتماعات التفاوض مختلفة عن تلك التي حملت أخبار الثورة قبل أشهر من تلك اللحظة. وضح نقص الثقة بكفاءة وقدرات المرأة في السياسة بإختيار فريق التفاوض أن يتكون من 8 مفاوضين من بينهم امرأة واحدة فقط على الرغم من الانتقادات.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بتعليقات غاضبة حول الحالة الكئيبة لتمثيل الجنسين. عبرت الأصوات عن استغلال النساء وتركهن في العراء بعد أن أصبحت الاحتجاجات المميتة اجتماعات مغلقة في قاعات مكيفة. ومع ذلك، لم يكن الضجيج عالياً أو واسعًا في جميع القطاعات التي تمثل الرجال والنساء والشباب والناشطين والقادة السياسيين والصحفيين والمجتمع المدني. خارج إطار الدوائر المحدودة، تم الاستسلام للوضع الراهن.

undefined

Source: tumblr.com

الشارع متقدم أكثر من المجال السياسي

لا يزال السودان مجتمعًا يثق في الرجال الأكبر سناً على الرغم من أن هذه الثورة حملت على أكتاف المراهقين و الشباب في سن العشرينات، وقد تم إراقة دمائهم. لم يكن تمكين المرأة والوصول إلى التعليم والعمل الرسمي وغير الرسمي فعالين في السودان. التمكين ليس مفهومًا ماديًا أو حرفيًا؛ مثل تمكين النساء إلى الذهاب إلى المدارس والجامعات و توفير فرص العمل والعمالة المأجورة. التمكين حالة ذهنية يتبناها النساء والرجال لتمكين المرأة من تحقيق تأثير أوسع. تبدأ "القوة" في العقل، عندما تبني المرأة ثقتها من خلال التأكيدات من قبل المجتمع مما يشير إلى الإيمان بمعرفتها وخياراتها ومهاراتها وذكائها. يجب أن تكون التأكيدات مدعومة ببيئة ثقة تقيس الكفاءة بناءً على العمل الحقيقي، وليس النوع.

عندما تم الاحتفال ب "بمبان مان" (الرجل الذي يقوم بإرجاع علبة الغاز المسيل للدموع للشرطة)، تم الاحتفال أيضا ب "بومبان وومن". عندما تهاتفت النساء إلى الاحتجاجات وأطلق عليهن لقب "كنداكة"، وهي محاربة و ملكة نوبية قوية ، كان يشير اللقب الغزلي إلى قوة وقدرة النساء على التظاهر، والخوض في نفس الآلام والعودة بشكل أقوى وأكثر إصراراً.

على الرغم من أن لدينا قيادة في الجندر والخط السياسي، ليس لدينا تمثيل فعال، خاصة في المعارضة. تتنقل القيادة الموجودة في دوائر صغيرة وتظل مجهولة بالنسبة للكثيرين الذين لا يستطيعون رؤية مساهماتهن أو مؤهلاتهن حيث تم تهميشهم من قبل الحكومة السابقة. أما في الجبهة الاقتصادية، يمكنك السير إلى أي مؤسسة، سواء كانت عامة أو خاصة، صغيرة أو كبيرة وستشاهد العديد من النساء المحترفات في مناصب إدارية. نظرًا للهجرة الجماعية للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 55 عامًا نتيجة للوضع الاقتصادي المثير للشفقة الذي ابتليت به السودان منذ ما يقرب من عقد من الزمان، نهضت النساء لملء الفجوة. ولكن في الاقتصاد كما في السياسة، لا تزال النساء في المناصب العليا من المظاهر القليلة.

المشكلة الأخرى هي البطء في استيعاب الجيل الأصغر من جانب التنظيمات السياسية. كان بإمكان التنظيمات التعرف على القيادات أثناء الاحتجاجات والاعتصامات ودعوتهن إلى التنظيمات. يعكس التجاهل للمرأة القيادية تحديات يومية تواجهها النساء في معظم المجالات. لقد جلست في اجتماعات حيث كنت المرأة الوحيدة في موقع سلطة، و دربت رجال عبروا عن انزعاجهم من خبرتي بوضوح. هناك "متلازمة السكرتارية" التي يريد معظم الرجال فرضها على النساء الأذكياء والمتعلمات و قتل أفكارهن.

في حين أن هذه ليست مشكلة السودان فقط، في هذا الوقت الانتقالي والتحولي الحرج في تاريخنا، نحن بحاجة إلى التحرك بسرعة لتحدي مثل هذه الحواجز الضارة. في بلد نؤمن فيه ب "حل" الأغنياء لمشاكل الفقراء، و القبائل المهيمنة مشاكل الأقليات وبالطبع ، يحلّ الرجال مشاكل النساء، إنه وقت لتحويل المد والجزر، لبث العدالة بين الجنسين في الهيئات السياسية الناشئة الحالية.

أكثر من أي شيء آخر، يحتاج صوت المرأة أن يكون عالياً وأن تقيم صِلات مع حلفائها المجتمعيين في كفاحها من أجل مجتمع شامل ومتكافئ على جميع المستويات. هل نريد أن نكون قادة أم نريد أن يقودنا غيرنا؟ هل نعتقد أن لدينا ما يلزم لتغيير نظرة المجتمع المضيقة لنا؟ الأمر ليس سهلاً و ليس رخيصًا، لكنه بالتأكيد تستحق العناء.

هذا المقال مستوحى من كتاب "إشراك التمكين" بقلم سريلاثا باتليوالا.

"إن القواعد الليبرالية الجديدة للمرأة... واضحة: تحسين الظروف الاقتصادية لأسرتك، والمشاركة في تنمية المجتمع المحلي (إذا كان لديك الوقت)، والمساعدة في بناء وإدارة المؤسسات (غير السياسية) المحلية مثل مجموعة المساعدة الذاتية؛ بحلول ذلك الوقت، يجب ألا يكون لديك أي طاقة سياسية أو جسدية متبقية لتحدي هذا النموذج". - الخرافات الجنسانية التي تستفيد من النساء بواسطة سريلاتا باتليوالا وديبا دانراج.
 


أمنية شوكت

أمنية تحب الهواء الطلق و الطبيعة و كثرة الترحال و القراءة .تهتم بإيجاد الحلول التكنولوجية للمشاكل اليومية، وتسعى جاهدة لجمع الناس معاً لإبتكار مشاريع مليئة بالجمال و المغزى الإجتماعي. يمكنكم التواصل معها عبر تويتر OmniaShawkat@