هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

غيرت جائحة كورونا طريقة عمل الناس و حدث تحول في طرق التركيز واهتمام عميق باستغلال وتسخير التكنولجيا (في أشكالها المتعددة) لنضمن استمرارية عملنا وتقدمنا. هذا و بالرغم من أنه توجب علينا قطع كل تفاعلاتنا من خلال الوجود المشترك للمحافظة على المباعدة الاجتماعية. استقبلت منصات مثل زووم، وسكايب و تطبيق تيمز من مايكروسوفت عدد مستخدمين كانوا ينتظرونهم لسنوات، وذلك لأن هذه التطبيقات أصبحت ضرورة لمواصلة العمل. انتقلت الاجتماعات والعمل المشترك إلى المنصات، بل حتى المؤتمرات والندوات يتم استضافتها على منصات صنعت خصيصاً لها. و ثبتت فاعليتها لعدد كبير من الأعمال و المشاريع الحرة، وذلك لمقدرتها على استيعاب قاعدة أكبر مما يمكن استيعابه في مكان واحد على ارض الواقع.

undefined

Image via insights.dice.com 

على مستوى تخطيط الأشياء، يبدو هذا التحول إيجابياً بصورة كبيرة، لذا نجد عدد كبير من أصحاب العمل – خاصة في المؤسسات الكبيرة – يفهمون مصاعب الناس وتأثير ظروف العمل وضغط الساعات على حياتهم. في الولايات المتحدة، كشفت دراسة أجريت في مارس 2020 أن 74 ٪ على الأقل من كبار المسؤولين الماليين وقادة الأعمال يعتقدون أن 5 ٪ من الوظائف قد تصبح من المنازل بشكل دائم، حتى بعد أن كان يعتقد البعض في البداية أن هذا مستحيل. بعد أشهر من العمل عن بُعد ، قد يعيد العديد من قادة الأعمال والموظفين إعادة التفكير في جدوى العمل عن بُعد على المدى الطويل. على الرغم من أنه من الرائع أن تظل نظرتنا إيجابية ، إلا أنه من المهم أيضًا أن نسلط الضوء على السلبيات التي تأتي مع هذا الواقع الجديد. ينصب التركيز الآن على أهمية إنشاء بيئة عمل مثالية و متطورة تتماشى مع الحياة المستقبلية ما بعد جائحة كورونا، وكيفية معالجة أوجه القصور للعمل عن بُعد.

عبء التكنلوجيا أو ضغط التكنلوجيا هو التأثير السلبي الذي ينشأ من التعامل بين الإنسان والتكنلوجيا، والتأثيرات النفسية من الاستخدام المتواصل وإفراط استعمال الأجهزة التكنلوجية. هناك مستويات عالية من الإنهاك التكنولجي في عالم اليوم لأن التحول التكنولوجي أصبح هو مصدرنا الأساسي للإعلام ووسائل التواصل التي بحوزتنا على الدوام، نستخدمها للتسلية و العمل والوصول إلى بعض أشكال الأدوات الإلكترونية. وهذا لا ينحصر في الهواتف بل أيضاً التابات، أجهزة الكمبيوتر، الطابعات والشاشات الكبيرة.

الوظائف الأساسية التي تتطلب منا البقاء على تواصل مع أعضاء الفريق والأقسام الأخرى و حتى الأصدقاء تدل على أننا بصورة متواصلة في مكالمة صوتية أو فيديو للمحافظة على استمرار النقاش. وهذا الأمر أكثر وضوحاً في حالة أصحاب الأعمال والمدراء في المؤسسات الكبيرة و المنظمات القارية/الإقليمية مع التركيز على الجهود المتطلبة للتواصل عبر أوقات عمل مختلفة بين القارات.

أود التركيز في بعض التحديات التي تمخضت عن هذا التغيير وأهمية التأكد من تناولها.

1) الصحة: الصحةُ كنز، هذه حقيقة معروفة، لكن علينا إدراك حاجتنا لها الآن أكثر من أي وقت آخر، في خضم هذه الجائحة. التعرض المستمر للأجهزة الإلكترونية يعني أن عينيك مثبتتان بصورة مكررة أمام الشاشة لفترات زمنية طويلة، معرضة لمستويات عالية من الإضاءة. وأيضاً استخدامك سماعات الإذن، إيربود، مكبرات الصوت لساعات لا تعد، وهو ما لاينصح به لفترات زمن طويلة وبمستويات صوت عالية.

2) التركيز والإنتاجية: التركيز للكثير من الناس في الوقت الحالي مشتت، ومعدلات الإنتاجية تغيرت لتميل أكثر إلى المستويات المنخفضة. كانت المقدرة على العمل من المكتب تعني أن الواحد مِنّا باستطاعته تخصيص مساحة حيث يمكنه تكريس ساعات محددة من أجل الواجبات المطلوبة، بدون أي تدخل غير ضروري من الآخرين. أو على الأقل كنا ندري أن الآخرين معنا في المكتب لديهم أيضاً واجبات مشابهة، لذلك يمكن إعتبار المكتب مكان آمن للعمل و الانتاجية.

undefined

Illustration by Adhiti Bandlamudi for WUNC  

3) فقدان الخصوصية: قضاء أغلب ساعات اليوم على الإنترنت؛ سواء كانت اجتماعات للتخطيط، وضع الاستراتيجيات أو تعدد المهام يجعل الواحد منا لا يمتلك وقتاً لنفسه، وهو أمر فوق الإحتمال ويمكنه أن يقود إلى مستويات عالية من الضغط.

4) الساعات خارج الإنترنت: ساعد امتلاك نظام روتيني محدد بساعات عمل محسوبة كثيراً في تحديد بيئة العمل. هذا لأنه صنع ليفهم الجميع أن الشخص لن يكون متاحاً في غير هذه الأوقات، وإنه غير ملزم بالاجابة بعد انتهاء ساعات العمل المحددة. من المهم تسليط الضوء على هذه النقطة لعدة أسباب الآن، فهناك أناس يعتقدون أن باستطاعتهم الوصول لأي شخص في أي زمن لأن الجميع في منازلهم.

5) الحدود: أصبحت مسألة الحدود غير واضحة، لأن أغلب الناس يعملون من المنزل، يبدو الأمر وكأنه ليس ثمة حدود بين الناس. الآن الزملاء وحتى الغرباء بإمكانهم رؤية تفاصيل منزلك (حتى ولو من خلال الشاشة)، و المساحة الشخصية والخاصة والتي تحوي أطفالك وأعضاء أسرتك. في الأوضاع الطبيعية، فإن مساحات كهذه تحافظ على خصوصيتها وعرضها يبقى فعل تطوعي من الشخص.

من المهم أن نفهم و نتأمل مع أنفسنا لفهم الكيفية التي تعمل بها أجسادنا وإلى أي مدى يمكننا بذل الجهد بدون التسبب في أي نوع من الأذى (نفسي وشعوري وجسدي). هذا ليس مهماً على المستوى الفردي فقط لكنه يتطلب أيضاً من القادة، وأصحاب العمل، والزملاء أن يفهموا الضغط الواقع على الناس في رغبتهم البقاء على قمة هرم وظائفهم وتقديم نتائج أفضل، لكن حالياً يمر العالم بفترة عصيبة جداً. أنا على يقين أنه بغض النظر عن الوضع الحالي بسبب جائحة كورونا و آثارها، فإننا يجب أن نتفحص ونعيد تشكيل بيئة العمل بما يضمن مستويات نموذجية من الإنتاجية والإنجاز، بينما يتم التأكد بصورة مستمرة من الحفاظ على صحة الموظفين.

الطريقة التي غيرت بها التكنولوجيا الأشياء هي فوق تصوراتنا. ففي هذه الأيام تطبيق لكل شئ وطرق أسهل لعمل الأشياء. لكن علينا تحديد أن إرتباطنا غير المتحكم فيه وغير المحدد بهذه الأجهزة الإلكترونية له تأثيرات كبيرة. لذلك أوصي بضرورة تركيزنا على تحديد الأولويات والتعامل باستراتيجية مع وقتنا وطاقتنا، ويتضمن ذلك إيجاد طرق للإستفادة من واجباتنا، وتحديد معايير عمل واقعية وذكية، و مواعيد التسليم المناسبة وتعلم كيفية قول نعم/لا بطريقة مناسبة. سيظل العمل مستمراً عندما نأخد إجازة و حتى عندما نكون مرضى، لذا يتوجب علينا رعاية أنفسنا أولاً. إرهاق التكنولوجيا حقيقي بالرغم من أننا لا يمكننا إنهائه، فمن المهم تعلم كيفية التكيف، و أن تكون واقعياً بشأن وضع العالم الآن.


نياداك أجاوين

نياداك من جنوب السودان و تعمل في مجال السلام والنزاع. تحب نياداك الكتابة عن الحياة والعجائب والأشياء اليومية، و لديها شغف بالناس والخبرات والمواطنة النشطة في بلدها وأفريقيا والعالم بأسره يمكنكم متابعتها على تويتر و انستاجارم على nyadak_maya