إذا تحدثنا عن لغات الإشارة، هل تعلمون بأن عدد لغات الإشارة في العالم يفوق الثلاثمئة؟ ولكن هل تستطيعون التواصل بلغة واحدة على الأقل من هذه اللغات أم لا؟ كيف سيبدو العالم إذا تعلم كل شخص منا لغة إشارة واحدة على الأقل؟

وفقًا للاتحاد العالمي للصم تقدر أعداد الأشخاص المصابين بالصمم حول العالم بنحو اثنين وسبعين مليون شخص تقريبًا، ويعيش أكثر من ثمانين بالمئة منهم في الدول النامية مثل أوغندا. إن أكبر تحدي يواجهه الصم هو عدم مقدرتهم على التعامل مع الأخرين. أضف إلى ذلك بان قلة من الناس يستطيعون التواصل مع الصم أو مساعدتهم في الأماكن العامة.

يعرف الصمم بأنه عدم المقدرة على استقبال الكلام المنطوق بسهولة. ينقسم الصمم إلى فقدان كامل أو جزئي للسمع ويشار للأخير بضعف السمع. تعتمد مجموعات من الصم فقط على لغة الإشارة. حتى اليوم لا يوجد علاج طبي أو تقنيات تشفي الصمم الكامل ويحظى القليل ممن فقدوا سمعهم بشكل جزئي على معينات السمع أو يعتمدون على لغة الإشارة أو تقنيات قراءة الشفاه.

حلم كاسيتا

مؤخرًا التقيت بالسيد رونالد كاسيتا. وهو يدرس في مدرسة ماساكا للأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة. تحدثت إلى كاسيتا وإلى السيدة سارة ناكابوي كيغونغو-مديرة مدرسة ماساكا –تعلمت منهما الكثير وبدأت أتفهم معاناة الصم في أوغندا. إضافة إلى ذلك، تعلمت كيف أعبر عن اسمي وأن أقول صباح الخير بلغة الإشارة.

undefined

الكاتبة مع كاسيتا ومديرة مدرسة مساكة بعدسة أتوليندا ألان  

يملك كاسيتا عقلية نافذة جدًا، ويكسب قوته عبر بيع خبز الشاباتي. يقول كاسيتا: ”إنني محظوظ جدًا لوجودي هنا. هذه المدرسة هي بيتي وأنا أحبها. لقد تعلمت صناعة خبز الشاباتي في مطبخ المدرسة وكسبت من خلال هذا العمل بعض المال. أصلي للرب كي يحصل الأطفال الصم على فرصة للذهاب إلى المدرسة. قبل أن ألتحق بمدرسة ماساكا، كانت الحياة صعبة جدًا، لكن كما تعلمون، يحب الناس مساعدة التلاميذ المنتمين للمدرسة ممن هم خارجها".

يقول كاسيتا: "يجب أن يعرف العالم بأن الصم قادرون على القيام بأي شيء، فنحن نستطيع الوصول إلى العظمة. أتمنى أن يتعلم الناس لغة الإشارة. أحيانًا أخرج لبيع الشاباتي ويصعب التواصل مع الزبائن. أحيانًا ينفذ الخبز، ولكن الناس لا يفهمونني عندما أوضح ذلك".

undefined

كاسيتا بعدسة أتوليندا ألان 

يحلم كاسيتا بأن يصبح قسيسًا في كنيسة في أوغندا كي يتمكن من رعاية المسيحيين الصم. قبل أن يلتحق بالمدرسة، كان كاسيتا محبطًا نتيجة للشعور بالتجاهل حيث لا يوجد أحد يفسر له الصلوات في قداس الأحد. يرى كاسيتا نفسه مستقبلا قسيسًا لأقرانه من الصم، مهتمًا بتعليمهم المسيحية ويجعلهم يشعرون بأنهم طبيعيون كأي شخص آخر في الكنيسة. على صعيد أخر، يحلم كاسيتا أيضًا بالالتحاق بالمدرسة الثانوية، ولاحقًا الالتحاق بالجامعة حيث سيدرس تكنولوجيا المعلومات.

حاليًا تقوم السيدة سارة -مديرة مدرسة ماساكا- باصطحاب الأطفال إلى الكنيسة يوم الأحد للصلاة وتترجم لهم باستخدام لغة الإشارة. للأسف، لا أحد سوى السيدة سارة يفهم لغة الإشارة في القرية، وعليه إذا لم تستطع الحضور فلن يتمكن أي شخص آخر من تفسير قداس الكنيسة لهؤلاء الأطفال، ولذلك لن يحضروا في المقام الأول.

تقول السيدة سارة "نذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد، ويذهب المسلمون كل جمعة لأداء صلاة الجمعة، ويبقى السؤال كم عدد أماكن العبادة التي توفر مترجمين للغة الإشارة؟"

رسالة مدرسة ماساكا

افتتحت مدرسة ماساكا للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة منذ خمسة عشر عامًا وهي تقع في بوجابيرو في منطقة ماساكا الكبرى. تأسست المدرسة على يد فرانسيس كاموليجيا وشقيقته صوفي كافيرو اللذان قررا مساعدة جميع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الحصول على التعليم.

في البداية، بدأت المدرسة بـقبول عشرة طلاب فقط، واستقبلوا أطفالًا من ذوي الاحتياجات المختلفة مثل الصرع والعمى والصمم والتوحد وغيرها. ومن ثم ازداد عدد المقبولين وكان من الصعب على المدرسة تحمل كل احتياجاتهم الخاصة. لذلك تم توزيع الأطفال على مدارس أخرى كانت تتعامل أيضًا مع الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، بينما قررت ماساكا التركيز على فئة الصم.

تعتقد السيدة سارة-مديرة المدرسة- بأن حياة الأطفال في مدرستها ملهمة، لأنهم جميعًا متشابهون ولا أحد منهم يحكم على الآخر، وتقول:" إن هؤلاء الأطفال "العاديين" يستحقون فرصة لتعلم لغة الإشارة حيث لا أحد يعرف أين سينتهي بهم المطاف في المستقبل.

undefined

تعليم الطلاب الصم في مدرسة ماساكا للأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة 

واجه الأطفال من فئة الصم والمكفوفين تحديًا كبيرًا خلال جائحة فيروس كورونا الحالي. بعد إغلاق المدارس في 18 مارس 2020 ، أعلنت الحكومة الأوغندية أن الدروس ستُعرض على الراديو والتلفزيون. شكلت هذه الخطوة تحديًا حقيقيًا للأطفال الصم لأن بعض محطات التلفزيون ليس لديها مترجمين للغة الإشارة، ومن الواضح أنهم غير قادرين على الاستماع إلى الدروس عبر الراديو.

تقول سارة كيغونغو:" أعدت كتابة مواد القراءة لتلاميذي وذهبت إلى منازلهم وسلمتهم المواد التعليمية. كما أرفقت لهم الإجابات في الجزء الخلفي من الكتيبات حتى يتمكنوا من استخدامها لمراجعة إجاباتهم. يجب أن أعتني بأطفالي حتى أثناء الوباء".

وسرعان ما أضافت سارة بأن على الحكومة إعادة فتح مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة حيث يصعب تعليمهم على شاشة التلفزيون. طلبت المديرة أيضًا بأن تزودهم الحكومة بمعلمين مدربين جيدًا على التعامل مع الصم، ووضحت بأن نسبة المعلمين إلى الطلاب تعد معلم لكل خمسة طلاب وهذا لا يكفي. بالإضافة إلى ذلك طالبت ببناء المزيد من الفصول الدراسية والأماكن المزودة بمعدات خاصة لتسهيل العملية التعليمية لهؤلاء الأطفال.

تقول السيدة سارة بأنها ترغب في تعليم لغة الإشارة في جميع المدارس الابتدائية في كافة أنحاء البلاد. تعمل الرابطة القومية الأوغندية للصم على إجازة هذا المقترح لكن بلا جدوى. أضافت سارة بأن هناك حاجة إلى حملة لتحفيز الناس إلى تعلم لغة الإشارة من أجل التواصل مع أقاربهم أو حتى لمساعدة الغرباء من فئة الصم في الأماكن العامة.

الجمعيات الدولية التى تدعم الصم

تسافر الرابطة القومية الأوغندية للصم بين مختلف المدن في أوغندا، وذلك لتعليم العامة كيفية استخدام لغة الإشارة. تطورت الحملة تماشيًا مع الاحتفال باليوم العالمي للغات الإشارة والذي أعلنته الجمعية العمومية للأمم المتحدة وهو يوافق الثالث والعشرين من سبتمبر. وقد تم تحديده لدعم وحماية الهوية اللغوية والتنوع الثقافي لجميع الصم في جميع أنحاء العالم وذلك لتسهيل تعليم الصم. يأتي الاحتفال لهذا العام تحت شعار "لغات الإشارة للجميع!".

أطلق الإتحاد العالمي للصم تحدي القادة العالميين في هذا العام. يهدف التحدي إلى تعزيز استخدام لغة الإشارة من قبل القادة المحليين والقوميين والعالميين بالشراكة مع الجمعيات الوطنية للصم في كل بلد، بالإضافة إلى المنظمات الأخرى التي يقودها الصم. يتوقع بأن يصنع كل من ذكروا سابقًا مقطع فيديو يستخدمون فيه لغة الإشارة للتعبير عن شعار هذا العام ومن ثم سيتم إرساله إلى الأمم المتحدة كي يتم تشغيله عبر وسائل التواصل الاجتماعي في اليوم العالمي للغات الإشارة.

تعكس هذه الاحتفالات أهمية تعلم لغة الإشارة. إن مجرد تعلم التواصل مع الآخرين يبني الشعور بالتعاطف مع من يواجهون تحدي الصمم. عندما نحاول التحدث بلغة الإشارة فإننا نثبت للأخرين بأننا نبذل جهدًا للتواصل معهم. كما هو الحال عندما نتحدث مع شخص ما بلغته الأم. إن تعلم لغة الإشارة يصنع فرقًا خاصة بالنسبة للصم مثل كاسيتا، حيث سنتمكن من التحدث اليه كما سنستطيع مساعدته على تحقيق أحلامه.

 

هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الأنجليزية


سارة بريومومايشو

سارة صحفية أوغندية و تسجيل صوت و مديرة إعلام اجتماعي، كما تعد من المدونات المؤثرات. عملت سارة مع 4 محطات إذاعية رئيسية كمحررة و مذيعة أخبار إنجليزية لمدة 8 سنوات. وهي حالياً مراسلة ومحررة أخبار في هوت شوت للإعلام والإنتاج في كمبالا. هي حاليا أيضا المدير الإداري لأندريا في أوغندا.