هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

لعلكم لاحظتم الزيادة في نمو أعداد العاملين بالاقتصاد الغير الرسمي في مدن السودان الكبرى. سيدات الشاي و منظفي السيارات و الباعة المتجولين الذين يدفعون ببضاعتهم عنوة حين توقف سيارتك في إشارة المرور، أصبحت رؤيتهم من معالم المشهد اليومي المألوفة خلال العشر سنوات الماضية. و كما يبدو أنها ستكون في تزايد مستمر حيث أن سكان القرى و المناطق النائية أصبحوا يفضلون التوجه للعاصمة لكسب الرزق. 

في إحصائية لصندوق الأمم المتحدة للسكان تبين أن عدد سكان السودان حوالي 35 مليون نسمة في 2013, يقيم ثلثي عدد السكان في المناطق الريفية. تظهر الإحصائيات تزايد غير متراجع في نسبة الهجرة. سواء كانت هجرة كوادر للعمل في داخلأو خارج السودان, فقد إزدادت الهجرة الداخلية (إلى المدن الرئيسية) بسبب إنحصار الموارد او النزوح في غرب و جنوب و شرق السودان و تظل هذا المناطق عرضة إلى النزاعات و الكوارث الطبيعية. الهجرة من الريف إلى المدينة شهدت إرتفاعاً شديداً, حيث وصل هذا الإرتفاع نسبة 5 أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل خمسون عام. و كان ذلك سبباً رئيسياً في خفض معدل الإنتاج بمقياس كبير. الخرطوم تظل المدينة الأكبر من حيث عدد كثافة السكان, لكن الملايين من المهاجرين و النازحين يظلون معزولين من أبسط الخدمات. و الأسوء من ذلك عدم تمكنهم من ممارسة صناعاتهم المعتادة لكسب العيش: الزراعة و الرعي..

هجرة العديد إلى العاصمة و المدن الكبرى الأخرى يمكن أن تُنسب للأسباب كثيرة. هذا المقال يلقي نظرة على هجرة المزارعين, و بالتالي السياسات و الممارسات الزراعية في العقدين المنقضيين في هذا السياق. مرت سنين عديدة من التخطيط الزراعي الفاشل مما أدى إلى إنعدام ثقة المجتمعات الريفية في مجالهم الحِرفي, الذي كان يوفر لهم حياة كريمة في وقت من الأوقات. المزارعين في الشمال كانوا يحصدون القمح, أما في الغرب كانوا يحصدون الدخن و في الشرق حصدوا الذرة. كان بإمكان المزارعين توفير غذائهم الأساسي, بتعدد أنواع المحاصيل و حصادها و من ثم تخزينها خلال العام. و لم تقتصر زراعتهم على الغذاء الرئيسي فقط, فقد زرعوا أيضا الخضروات مثل الطماطم و البطاطس، و الكركديه و الأعشاب و غيرها. و كان كل ما يفيض عن حاجتهم يُباع أو يُتَاجر به مقابل سِلَع اخرى أو مياه نقية أو ملابس, أو الإحتياجات الصحية أو التعليمية أو أدوات الزراعة. 

الأسباب التي أدت إلى تدهور سبل عيش المزارعين يمكن أن تتضح حين يتم تلسيط الضوء عليها في إطار يحتوي المستثمرين الزراعيين و شركات الزراعة الضخمة.

undefined

Photo Credit: Ashraf Shazly via AFP  

السياسات الزراعية لم تكن في صالح المزارعين الصغار, حيث صُقَلت لتفضل كبار المستثمرين المقتدرين على بناء مزارع مؤهلة و إنتاج المحاصيل الأساسية بكميات ضخمة. تلك الشركات- و قياداتها التي تكون غالباً في الخارج أو في أحد الأبراج العالية بعيداً عن الآراضي الزراعية, لم تأخذ في الإعتبار الممارسات الزراعية المستدامة. المزارعين الصغار يعتنون بأراضيهم بالحرث, و إستخدام الأسمدة العضوية و مواد قتل الحشرات الطبيعية, و تناوب المحاصيل, و التأكد من حماية أراضيهم الزراعية من تقلبات المناخ بزراعة الأشجار الكثيفة الملتفة حول المحاصيل. أما المزارع الكبرى, فنجدها من المساهمين في عمليات التصحر, و إستخدام المواد الكيميائية لقتل الحشرات و التي تؤدي إلى إستهلاك التربة الزراعية, كله في سبيل إنتاج أكبر و أرباح أكثر.

أسباب معقدة و ذات خلفيات متعددة جعلت المزارعين الصغار يتركون أراضيهم. كانت البداية في إنقطاع الخدامات عن المزارعين, و إستيلاء الحكومة و الشركات على الأراضي بدون تقديم تعويضات, و عدم الإهتمام بالبحوث لتنمية المجال الزراعي في الجامعات و المراكز – محليا و إقليماً. غياب القوانين الاقتصادية في السوق وعدم تثبيت الأسعار أضافوا لصعوبة توزيع الإنتاج إلى مدن اخرى و أسواق أكبر, حيث لا توجد سبل جيدة للنقل أو لسمسرة المحاصيل. و يبقى السبب الأقوى هو عدم توفر إمكانية أو آلية لتمويل المزارعين الصغار. يُترك المزارعين لتحضير اعمالهم بمفردهم, و معظمهم لا يملك الكثير ليقدمه كضمان بنكي. و إذ وجدت إمكانية توفير هذه الضمانات, تبقى نسبة الفائدة عالية جداً و تتكفل بقتل رغبتهم في متابعة فرصة التمويل. 

لا يمكن إنكار أن الممارسات الزراعية الصغيرة تساهم في إستقرار المواطنين في مدنهم و قراهم و مناطقهم التي ولفوا عليها والتي تمكنوا فيها بتأمين كافة إحتياجاتهم الأساسية. تهميش هذا القطاع الغني و الضخم أدى إلى الهجرة للمدن, و تدني المستوى المعيشي إلى أو ما دون خط الفقر, بالإضافة إلى التحطيم المعنوي لكل الراغبين في العمل في القطاع الزراعي.

إحياء قطاع المزارعين الصغار لا يعني الإستغناء عن القطاع الإستثماري الزراعي, لكن التحديات ستكون عظيمة. أولاً, يجب إيجاد آلية سهلة و مريحة لتمويل المزارعين الصغار لمساعدتهم في تأسيس عملهم الخاص. ثانياً, التخفيضات الضريبية لابد أن تأخذ بالإعتبار لتحفيز المزارعين لتحصيل إنتاج ثابت قبل فرض الضرائب مجدداً بعد مرور عدة أعوام. ثالثاً, يجب توفير مدخل للربط بين المزارعين و آخر البحوث و أفضل الممارسات الزراعية المحلية و الإقليمية, لتنمية قدراتهم و تمكينهم من المنافسة عالمياً إذا أرادوا التوسع للدخول في مجال التصدير. نأكد بأهمية التشجيع و التعزيز على تصدير المحاصيل من المزارع من خلال إستراتجية نقل و طرق و سمسرة لتوزيع المحاصيل على أسواق متعددة و تشديد الرقابة على أسعار الأسواق للتأكد من إعتدال المبيعات. قد يكون هناك دوراً إيجابي للمزارع الإستثمارية الكبيرة, حيث يمكن أن تمد يد العون للمزارعين الصغار بالإستعانة بمقدراتهم في تحقيق متطلبات المزارع الكبرى. و تتشكل الخطوة الأولى بتعزيز مقدرات المُزارع لإنتاج المحاصيل من خلال تقنيات و آليات جديدة و معايير متميزة و متطورة. يمكن لأي منا سؤال سيدة شاي فيما إذا كانت تود العودة إلى مزرعتها و نمط حياتها المتكامل القديم, حينها سنتمكن من إستيعاب أبعاد مشكلة المزارعين الصغار و إرتباطها بالتنمية الوطنية و الأمن الغذائي. 


أمنية شوكت

أمنية تحب الهواء الطلق و الطبيعة و كثرة الترحال و القراءة .تهتم بإيجاد الحلول التكنولوجية للمشاكل اليومية، وتسعى جاهدة لجمع الناس معاً لإبتكار مشاريع مليئة بالجمال و المغزى الإجتماعي. يمكنكم التواصل معها عبر تويتر OmniaShawkat@