هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

“ولدت في لندن، إنجلترا وثم إنتقلت إلى السودان ومكثت هناك حتى العام 1989م. ولكن لأن كل عائلتي قد إستقرت بمدينة أمدرمان، لذلك فقد إعتدنا على زيارة السودان كل صيف حتى العام 2006م”.

بهذه الكلمات بدأ أحمد جلاب أو الشهير بسينكين (Sinkane) محادثته معي. لدي الكثير من الأسئلة لنجم الروك الأمريكي السوداني، ولكنني قررت أن أبدأ من الجذور 

خضر: ما الذي تحمله في ذاكرتك عن السودان؟

سينكين: أتذكر الكثير عن السودان، بالرغم من أنني لم أزر السودان منذ عشر سنوات، إلا أنني أتذكر الناس أكثر من أي شيء. أتذكر كرمهم وترحابهم، و أعتقد أن الحياة في السودان أقل تعقيداً منها في أمريكا او أي مكان اخر. إن الناس مهتمون بالعناية بأنفسهم وعائلاتهم. و أتذكر الجو الحار بالطبع.

خضر: كيف كانت نشأتك بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية؟

سينكين: كان الأمر جنونياً! عادة ما يحاول المهاجرون من شرق أفريقيا أن يتمسكوا بثقافتهم ولكنهم ريثما يدخلون المدرسة، يكتشفون أنهم السودانيون أو الإثيوبيون أو الصوماليون الوحيدين في تلك المدرسة. لقد كنت السوداني الوحيد في مدرستي، كان لدي ثلاثة أصدقاء سودانيين يعيشون على بعد ساعتين أو ثلاث من منزلي، وكنت لا أتمكن من رؤيتهم إلا في رمضان أو في المناسبات الأخرى. ولذلك لم أجد أشخاص يشبهونني ولكن وجدت ثقافات عديدة لأتفاعل معها، كالثقافة الأمريكية الأفريقية، و هي مختلفة جداً عن الثقافة الأفريقية. لقد واجهتني العديد من المشاكل مع الطلاب الأمريكيين من أصول أفريقية: فلم يتفهموا ثقافتي الأفريقية، و لكني تمكنت من التواصل مع بعضهم، و لاحقاً في حياتنا تمكنت من التواصل والتفاهم مع كل الناس، ولكن كان الأمر صعباً جداً في البداية.

خضر: كيف تصف تنشئتك بعدها؟

سينكين: لقد كنت في حيرة من أمري. كنت أشعر أنني لا أتناسب مع أي شيء لذلك وجدت طريقتي الخاصة وتواصلت مع مجتمع الروك. كنا جميعا نحمل ذات الشعور- محتارين في هوياتنا – ولذلك تمكنت من التواصل مع الجميع بسهولة.

في الصيف أعود إلى السودان ويبدوا الأمر كما في الألعاب. أشعر بالإلهام للتواصل مع الجميع والتحدث باللغة العربية مع جميع الناس. يعيش أبناء عائلتي بالقرب من بعضهم البعض لذلك كونت علاقات وروابط وثيقة مع الجميع وكان الأمر رائعاً جداً. بالرغم من محاولاتي الكثيرة للتحدث باللغة العربية ومحاولاتي في أن ألبس وأتحدث كما يفعل أبناء عمي إلا أنني كنت أشعر أن الأمر مختلف، وكان هذا شعوراً صعباً بأنني لا أتمكن من التواصل بشكل جيد مع أصلي وجذوري. لذلك حينما أكون في السودان أشعر بفراغ يملؤني وذلك لأني لم أنشأ هناك، ولم أعش التجارب التي عاشها أبناء عائلتي، وعندما أعود إلى الولايات المتحدة أشعر بذلك الفراغ يوجد من جديد. ولذلك لم أشعر بالراحة والكمال في أي من البلدين. ولكن الجانب المشرق في الأمر أنني كنت أرى الناس في عمري يعيشون تجارب وأحداث في السودان وفي ذات الوقت أعود إلى الولايات المتحدة وأرى أصدقائي يعيشون تجارب مختلفة، فتكونت لدي طريقتي الخاصة في النظر إلى الأشياء، مما مكنني من رؤية العالم بعقلية منفتحة بطريقة لا يدركها أي من أصدقائي.

خضر: من المعروف ان سينكين يبتعد عن الكلمات ذات الطابع السياسي، هل تغير هذا الامر في التشكيلة الغنائية الجديدة؟

سينكين: في تشكيلتي الغنائية الجديدة أعتقد أنني كنت أكثر ثقة في كتابة كلماتي والتحدث عن الأمور التي أريد التحدث عنها. من الصعب أن تكون موسيقياً سياسياً لأنك ستصنف بأنك تدعم العسكريين أو أنك تستخدمهم للتعبير عن أجندتك الخفية. لا يتوقع الناس من الموسيقي أن يكون لها أجندة سياسية وذلك لأنهم يشعرون بأن الموسيقى تقتحم عوالمهم الخاصة. عندما أكون مهموماً أستمع إلى الموسيقى لأنتقل إلى مكان آخر وأعيش في منطقة سلام تخصني. لذلك إبتعدت عن السياسة لزمن طويل، ولكن في هذه التشكيلة الجديدة كتبت الكثير عن تجربتي الشخصية. كان من الصعب علي الإبتعاد عن السياسة، وعدم التحدث عما يحصل الآن في شؤون الدولة، وكيف انني متأثر بها كأمريكي من أصل سوداني وكرجل أفريقي ومسلم. اعتقد أنه ينبغي التحدث عن هذه الأمور بحرص شديد. أخشى أن السياسة ليست مجالي ولكنني أود التعبير عن نفسي.

undefined

خضر: هل لك أن تحدثنا قليلاً عن تشكيلتك الغنائية الجديدة، ألبوم “Life & Livin’ It“؟

سينكين: لقد بدأت بكتابه منذ عام وكنت أود أن أحقق هدفين: أن أكتب عن نفسي وتجاربي الشخصية، وأن أستمتع بوقتي. حينما أذهب إلى الاستوديو وأبدأ بعزف الموسيقى وأكتب ألحاناً تجعلني ارقص طرباً حينها فقط أدرك أن ما أقوم به سيكون عملاً جيداً. حينما يأتي الوقت لكتابة الكلمات أفكر في الأشياء التي يعيشها ويشعر بها شخص مثلي – شخص من الجيل الثاني في المهجر.  مثلا الهٌوية والدين وكيف تلعب دوراً في المجتمع. ولذلك فإن الأمر لشخص مثلɊ سيدور حول الثقافة الأمريكية الحديثة، حول هويتي كإفريقي نشأ في مجتمع بثقافة أمريكية أفريقية. أيضاً حول هويتي كأمريكي سوداني يعود إلى السودان و يعيش تجارب عديدة محاولاً فهم هويته، لأن شخصاً مثلي يعود إلى السودان ولا يشعر بأنه قد عاد للوطن ويسافر إلى الولايات المتحدة وأيضاً لا يشعر بأنه في وطنه. ولذلك يشعر من يعيشون تجارب مماثلة لتجربتي بالحيرة، ويعيشون حياتهم في سجن يحاولون أن يفهموا حقيقة هويتهم. في الألبوم الجديد أكتب عن هذه الأشياء. 

خضر: هذه الجولة مع الألبوم الغنائي الجديد ليست الأولى بالنسبة لك، هل لك أن تحكي لنا تاريخك مع الجولات حتى الآن؟
سينكين: أنا الأن في ال 33 من عمري، وكنت أتجول مع الحفلات الموسيقية منذ أن كان عمري 19عاماً. لقد تحدثنا عن أمير [أودِسي] قبل المقابلة، أنا وأمير مختلفان جداً في هذا الصدد. قال أنه يمكنه البقاء في الاستوديو والعمل على الموسيقى طوال اليوم. أحب القيام بذلك، ولكنني دائماً أصل إلى نقطة حيث أنا بحاجة إلى ترك الاستوديو وتشغيل الموسيقى الحية. هو يمتلك جهاز ماك وأنا لدي آلات متعددة، و أحب الأداء المباشر و الحي مع للناس. هكذا بدأت، هذا ما جعلني أعشق الموسيقى. أتذكر عندما كنت صغيراً في السودان، كل يوم جمعة كان جدي ينظم “حولية” في منزلنا، فيأتي الضيوف و يقومون بتجمع ديني جميل. كان جدي يحكي كل هذه القصص الدينية. بدا لي وكأنه كان يغني، وجعلني أشعر وكأنني كنت في حالة من الهلوسة أو شيء من هذا القبيل. كانت هذه هي المرة الأولى التي أعرف أنني أريد أن أعزف الموسيقى، وأن أفعل ذلك للناس.

خضر: إذا هذا كان أكبر إلهام لك؟ ما الذي ألهمك أيضاً؟

سينكين: شكلت تجربتي الشخصية أكبر مصدر لإلهامي ولكني أعتقد انني أحب التواصل مع الآخرين. يعتبر الجزء المحبب إلي من عملي هو حينما يراسلني أحدهم أو يخبرني بأن موسيقاي أعجبتهم أو ألهمتهم. تهدف موسيقاي أن تبرهن للناس الذين يشبهوني أو الذين يعيشون في حالة تشبه حالتي بأنهم ليسوا وحيدين، وأن تبث فيهم الثقة بأنهم يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون. أود أيضاً أن أصبح مثالاً للشباب السوداني الذين يودون أن يصبحوا موسيقيين ولا يجدون من يقتدوا به. والمضحك في السودان أن الجميع يرغب بأن يصبح طبيباً او مهندساً وهو أمر جيَد ولا شك في ذلك، ولكن ينبغي أن توجد قدوات وأناس يقومون بأعمال أخرى لنثبت للناس بأن هنالك سودانيين ليسوا أطباء ولا مهندسين ويعملون في مجالات أخرى ولا عيب في ذلك. أريد أن أجعل الناس يفعلون ما يريدون وحينها سوف يلاحظهم الآخرون وسوف يشعروا بالإلهام ليواصلوا طريقهم الخاص.

خضر: ما هي الموسيقى التي ألهمتك في صغرك؟

سينكين: لقد ألهمتني الكثير من أنواع الموسيقى! كانت هناك فرق الروك التي إستمتعت بموسيقاها: ك راديوهيد، كاريبو، و مايلز ديفيس. أما في الموسيقى السودانية فقد إلهمتني موسيقى البلابل.

undefined

Source: NPR.org 

خضر: ما هي علاقاتك بالموسيقى السودانية؟

سينكين: أنا مولع بالموسيقى السودانية. شكل كل من شرحبيل أحمد، نورالجيلاني، سيد خليفة، البلابل والكثيرون تأثيراً كبيراً فيَ. ما يدهشني في السودان هو أن الشخص يمكنه الخروج من السودان ولكنه يظل متعلقاً ويظل يحمل السودان في صدره. ولذلك في كل بيت سوداني خارج السودان تجد رفوفا مليئة بالأشرطة الصوتية كلها تعود لموسيقيين سودانيين مفضلين لديهم، وهذا ما نستمع إليه في المنزل وفي السيارة والتجمعات، وهذا الأمر يلهمني. 

خضر: أخبرني المزيد عن فرقة أتومك باند؟

سينكين: قبل عدة سنوات كنت أقوم بحفل موسيقي مع فيمي كوتي، وكان هناك رجل يركض وراء الكواليس مع طاقم الكاميرا في محاولة لمقابلة فيمي كوتي عن وليام أونيابور، الذي كان له تأثير كبير بالنسبة لي. لقد غيرت هذه الفرقة حياتي تماماً، فقد ألهمتني أن أذهب حيثما أريد مع سينكين، ولذلك عندما طلبوا مني أن أكون مديراً لفرقة مكونة من ديفيد بيرن من تالكنج هيدس (فرقة روك شهيرة) وموني مارك من بيستي بويس، (فرقة هيب هوب شهيرة) وافقت على الفور. أعطوني كل موسيقى ديفيد أونيابور، درستها بعمق حللَتها لاتمكن من فهمها، وأنا لا أعتقد أنني قد كرست نفسي في أي وقت مضى لفهم موسيقى أي شخص كما فعلت مع موسيقاه. كان تحدياً وكانت لدينا أوقات كثيرة قمنا بأداء عروض موسيقية رائعة، سافرت العالم مع أفضل أصدقائي و من أعتبرهم قدوتي من الموسيقيين. بالنسبة لي كان الأمر فوق المعقول.
خضر: ماذا حدث بعد ذلك؟

سينكين: ما زلنا نحصل على عروض للقيام بحفلات موسيقية، وعلى الرغم من أنه يصعب الإستمرار في القيام بذلك بسبب وظائف الجميع، فأنا لا أعتقد أن هذا الأمر سيتوقف. في كل مرة نجتمع يبدو دائماً وكأنه لم شمل الأسرة.

خضر: ما الذي تحصلت عليه من قيادة مثل هذا التعاون الهائل؟
سينكين: لقد إكتسبت شعوراً قوياَ بالثقة، فقد تمكنت من قيادة فرقة مع موسيقيين مميزين مثل ديفيد بيرن وموني مارك. كل من هؤلاء الموسيقيين الأسطوريين وثقوا بي وكلفوني بقيادة هذا المشروع و فعلت. لقد زادت ثقتي بنفسي وعززت فكرتي عن المجتمع الغنائي. أعني أنه كان 15 شخصاً كل ليلة على خشبة المسرح ومع ذلك في كل عرض يكون لدينا ضيوف مختلفين وحتى أنه لا تجد عرضاً يشبه سابقه. كان كل عرض يضم موسيقيين مختلفين، يضع كل منهم لمسته الخاصة، لذلك يسود الجو بشعور عميق بالمجتمع الجامع بين كل هؤلاء الموسيقيين الرائعين الذين كانوا من محبي وليام أونيابور. والأهم من ذلك أنني كونت أصدقاء جدد، و إلتقيت ناس إقتديت بهم عندما كنت طفلاً. كم من الناس يمكن أن يقولوا أنهم أدوا مع ديفيد بيرن؟ أو أن لديهم ذكريات عندما أخذهم دامون ألبارن إلى الجانب وقال لهم أن لهم قوة موسيقية عالية!؟ أعتقد أنه كان امراً لا يصدق!

خضر: قبل أن نختتم، أريدك أن تخبرني عن حادث معين مع آشر.
سينكين: نعم، كان مغني الآر أند بي آشر يقوم بعرض في  فعالية “جنوب” التي تنظمها “ساوث ويست” في أوستن، تكساس، و هو مؤتمر موسيقي ضخم في الولايات المتحدة. كان يقوم بعرضٍ سري هناك، و في أثناء التمرين سأل الفرقة حول الموسيقى التي يستمعون إليها في الآونة الأخيرة فقاموا بتشغيل أغنيتي Running و أعجب بها آشر كثيراً! قال إذا كان هذا الرجل هنا تواصلوا معه، أريد أن أؤدي هذه الأغنية معه. في العاشرة صباحاً تلقيت مكالمة هاتفية من وكيل الحجز وقال لي: “يا رجل آشر يريد أن يؤدي هذه الأغنية معك.” أنهيت المكالمة على الفور،فلابد أن هنالك مزحة في الأمر. وإتصل علي مرة أخرى وأخبرني عن سيارة إسكاليد سوداء ستأتي لتأخذني إلى الموقع السري للتدريب و فعلاً، بعد ساعتين كنت قد وصلت إلى موقع التدريب السري. تدربنا، و تعلموا الأغنية وكانت اللحظة الأكثر روعة في حياتي. بعدها رحب بي فاريل ويليامز على المسرح، وذهبت وراء الكواليس، وكانت سولانج هناك، سكولبوي س، و فيوتشر، و كان كل هؤلاء المشاهير يتدربون وراء الكواليس.  كنت خائفاً جداً و كنت في الواقع أبكي، لذلك وضعت النظارات الشمسية فوق عيناي حتى لا أفقد صوابي.  في ذهني كان كل هؤلاء الناس غير حقيقين، كانوا فقط هؤلاء المغنيين الذين نراهم على شاشة التلفزيون، وكنت لا أحد مقارنة بهم، كانت لحظة تفوق الخيال.

خضر: ما هي خططك المستقبلية لسينكين؟
سينكين: أريد أن أصنع الموسيقى لبقية حياتي، فرقتي هي عائلتي، ونحن جميعاً نعمل بشكل جماعي ونبذل الكثير من الجهد لنواصل عملنا، أريد أن أقوم بذلك معهم إلى الأبد. ولكن الأهم من ذلك كله أريد أن ألهم الناس الذين يشبهونني تماماً و يريدون أن يفعلوا ما يشاؤون في هذه الحياة. أريد أن أكون نموذجاً يحتذى به في تمسكي بما أحب وقيامي بما أريد القيام به.