هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

اكتئاب ما بعد الولادة والتركيبات الاجتماعية

اكتئاب ما بعد الولادة هو نوع من الاضطراب المزاجي الذي يعاني منه الآباء والأمهات، خاصة الأمهات بعد ولادتهن. وفقا للبحوث، يؤثر اكتئاب ما بعد الولادة على حوالي 15 ٪ من النساء عند الولادة، و يقدر أنه يؤثر على 1 ٪ إلى 26 ٪ من الآباء الجدد. ذهان ما بعد الولادة هو شكل أكثر حدة من اضطراب المزاج التالي للولادة، و يحدث لحوالي 1 إلى 2 لكل 1000 امرأة بعد الولادة. الذهان هو أحد الأسباب الرئيسية لمقتل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة. من المرجح أن يتطور هذا الاضطراب عند 50٪ من الآباء إذا عانت شريكاتهن منه 1.

عندما نشرت سؤالاً في مجموعة فيسبوك تهيمن عليها الإناث عن اكتئاب ما بعد الولادة، أجابت بعض العضوات. لكن المئات منهن سارعن إلى مراسلتي في تطبيق الرسائل الخاصة (الماسنجر) بشكل خاص لمشاركة تجاربهن. في حين كونه أمراً شائعاً، فإن العديد من النساء يعشن في حالة إنكار ولا يرغبن في طلب المساعدة الطبية عندما يواجهن هذا التحدي. بعد أن شاركت السيدات تجاربهن معي، أدركت أن تجربتي لم تكن مختلفة عندما انجبت ابنتي. من الألم أثناء الولادة، إلى الفشل في الرضاعة الطبيعية (عدم وجود ما يكفي من حليب الثدي) و بكاء الطفل اللا متناهي لأكثر من ثلاثة أشهر، قد يكذب المرء حيال الصحة العقلية في كونها مثالية أثناء فترة ما قبل الولادة. إذا كان هناك أي شيء لا تقدمه معظم المستشفيات الخاصة للأمهات الحوامل، فإنه "الحديث في فترة ما قبل الولادة".

undefined

Source: dawn.com

تجربتي الخاصة

بدأت جلساتي لفترة ما قبل الولادة قبل شهرين من الولادة. ولكن حتى بعد انجابي لابنتي، قام الطبيب بصرفي دون أي نصيحة حول كيفية الاعتناء بالطفلة، أو على الأقل كيفية القيام بالرضاعة الطبيعية. بعد ساعات قليلة من ولادة طفلتي، لم يكن لدي أي حليب لإطعامها، لذلك طلبت المساعدة من القابلة. ولكن ردها كان: "اعطي الطفلة حليبا بديلا إذا لم يكن لديك حليب". كانت تلك بداية اكتئابي .

بعد فحص طفلتي، قامت طبيبة الأطفال بصرفنا من المستشفى. قالت فقط، "الطفلة تبدو بخير، بإمكانك المغادرة." ، و لهذا غادرنا. بعد أربعة أيام، طُلِب مني أن أعود مع طفلتي لمراجعة ما بعد الولادة، ووجدنا أنها فقدت كيلوغراما. بالطبع، هددت طبيبة الأطفال أنها ستعيد إدخالنا المستشفى و تعليمي كيفية إرضاع طفلتي. سألتها لماذا لم تقومي بتعليمي في المرة السابقة، فشرعت بعد ذلك في تعليمي طرق الرضاعة الطبيعية. لم تكن الرضاعة الطبيعية هي سبب الاكتئاب الوحيد، ولكن العديد من العوامل الأخرى. ولكن بما أن هذه المقالة ليست عني، فسأقوم بمشاركة أشياء أكثر أهمية حول هذه المسألة.

بعض من أعراض اكتئاب ما بعد الولادة تشمل: شعور دائم بالحزن والمزاج البائس، نقص في الطاقة والشعور بالتعب طوال الوقت، مشاكل في النوم ليلاً، والشعور بالنعاس خلال النهار، صعوبة في الترابط مع طفلك، الانسحاب من التواصل مع الأشخاص الآخرين، والأفكار المرعبة مثل الرغبة في إيذاء نفسك أو الطفل، من بين أعراض اخرى.

في حين يمكن التعرف على هذه الأعراض بسهولة من قبل الناس المحيطين بك، فمن الصعب على ضحايا اكتئاب ما بعد الولادة أن يدركوا ذلك بسبب التطور التدريجي للحالة. البعض ينكر حتى أن يكون مكتئبًا عندما يخبرهم الاشخاص المحيطين بهم بذلك.

ما الذي يسبب اكتئاب ما بعد الولادة؟

هناك عدة أسباب لهذه الحالة كما هو موضح من قبل الأطباء النفسيين، وتشمل: تاريخ الصحة العقلية قبل أو أثناء الحمل، مع عدم وجود أسرة أو أصدقاء مقربين لدعم الأم، والعلاقة السيئة مع الشريك، وأحداث الحياة المجهدة مثل الفجائع، وفقدان الوظيفة، و المرور بكآبة بسبب الطفل، من بين أسباب أخرى.

بعض النساء اللواتي وافقن على التحدث معي عن تجاربهن يشرن بشكل أساسي إلى انعدام الدعم من شركائهن. احداهن كانت جين (ليس اسمًا حقيقيًا)، امرأة عاملة تبلغ من العمر 28 عامًا. ولدت طفلها الأول منذ 3 أعوام. على الرغم من كونها متزوجة، إلا أن جين ليست مستعدة لطفل آخر بعد عدم تلقي أي مساعدة من زوجها. تقول جين إنه منذ اللحظة التي عادت فيها إلى البيت مع الطفل، أصبح زوجها بعيدًا ولا يرغب بأي شيء يتعلق بهما. حتى أنه كان يخشى من حمل الطفل خوفا منه من أن يكسره. تقول "بما أنه لم يكن لدي خادمة في تلك اللحظة للمساعدة في أعمال المنزل، كان علي أن أعاني من البكاء، والطفل الجائع، وتنظيف المنزل. لم يكن زوجي يقبل حتى أن يحمل الطفل حين أعد وجبة طعام".

و في تجربة مماثلة ، تقول آنيت، وهي أم لثلاثة أطفال، أنها عانت من الاكتئاب بعد أن ولدت ابنها الأول، حيث لم تكن لديها الخبرة الكافية لرعاية الطفل. أخبرتني أنه كان دائما ما يمرض، وفي مرحلة ما ظنت أنه كان بمثابة لعنة القاها شخص ما عليها. وفقاً لآنيت، إستغرق الأمر ثلاث سنوات حتى تمكن ابنها من المشي، لأنه عانى من بعض المشاكل بالعمود الفقري. و من مستشفى إلى أخرى، أنفقت هي و زوجها كل مدخراتهم تقريباً. في مرحلة ما، كانت تدعو بأن يتوفى هذا الطفل لكي يرتاحوا، لكن هذا لم يحدث. بعد ثلاث سنوات، أصبح على ما يرام وهو الآن في المدرسة. انتظرت آنيت ست سنوات لحين إنجابها لطفل آخر، حيث كانت لا تزال تتعافى مع الصدمة.

عندما سألت هؤلاء السيدات لماذا لم يشاركن المجتمع ما مررن به، قالت كلاهما: "سيحكم عليك الناس ويصفونك بالجنونة إذا سمعوا ذلك. سوف يقترحون ذهابك إلى بوتابيكا (مستشفى الأمراض العقلية) و أن يمنح طفلك لشخص آخر. هذا ليس خيارًا أرغب في اتخاذه."

undefined

Source: Daria Kiseleva via McGill Tribune

مستشفى بوتابيكا الوطني للأمراض العقلية

لكن ، لماذا تخاف النساء من طلب المساعدة؟ هل يصعب المجتمع تجربة الأمومة بهذا الشكل؟ على مدار أكثر من 50 عاماً، قام مستشفى بوتابيكا الوطني للأمراض العقلية في أوغندا بتوفير إدارة متخصصة للمرضى الذين يعانون من اضطرابات عقلية. قمت بزيارة المستشفى وتحدثت إلى كبيرة الأطباء النفسيين الاستشاريين ونائبة المدير التنفيذي في مستشفى بوتابيكا الدكتورة جولييت ناكو.

ووفقاً للدكتورة ناكو، فإن العديد من النساء ينكرن اكتئاب ما بعد الانجاب، وينتهي الأمر ببعضهن بعدم الاستقرار العقلي التام. يتم إدخالهن بعد ذلك إلى مستشفى الأمراض النفسية وإرشادهن، إلى أن يستطعن العودة لديارهن. تقول الطبيبة النفسية أن أكبر مسبّب لإكتئاب ما بعد الولادة هم الأزواج غير الداعمين. كما تشرح: "من المفترض أن تشعر المرأة بحب ودعم شريكها بعد إنجاب طفل. عندما يفتقدن ذلك، تشعرن بأنهن غير مرغوب بهن وغير محبوبات. تقوم المرأة الآن بنقل هذا الغضب إلى الطفل الذي تلومه لأنه قد سبب التمزق. وفي كل مرة تنظر إلى الطفل، تعود لها أفكار زوجها البعيد وتبدأ في البكاء وترك الطفل دون رعاية، أو حتى التفكير بقتل هذا الطفل الذي تعتقد أنه أتى كخطأ".

توصي الدكتورة ناكو الزوج بإحضار مستشار مختص في المنزل للتحدث إلى الشريكة المكتئبة في حال كونها لا تريد الذهاب إلى المستشفى. وتوضح أن التلميح بوجوب الحصول على العناية الطبية قد يؤدي إلى تفاقم الحالة، حيث قد لا تزال الأم في حالة إنكار. وتقول أن إحضار مستشار مختص إلى المنزل والتحدث في منطقة الراحة الخاصة بالمريضة هي وسيلة أفضل للتعامل معها. كما تقترح إبقاء الطفل بعيدا عن الأم لأنها يمكن أن تنفجر في أي لحظة وتأخذ حياته. كما يتوجب أيضا وجود شخص للبقاء مع الأم طوال الوقت لتجنب الأذى الذاتي.

في حين أن العديد من النساء يعشن في حالة إنكار، إلا أنه يتوجب على الممرضات إبلاغ الأمهات عن الأعراض خلال الزيارات السابقة للولادة لإعدادهن نفسياً في أثناء الإعداد الجسدي لوصول الطفل. في العديد من المستشفيات العامة ، تحضر الأمهات الحوامل صفوفا لتعلُم كيفية حمل الطفل والرضاعة الطبيعية والتعامل مع أي قلق يأتي مع الطفل.

يجب على الشخص التماس العناية الطبية بعد ثلاثة أسابيع من إنجاب طفل في حال استمرار الأعراض المذكورة أعلاه. في حين يعتقد أن المرأة ستمر بكآبة خلال الأسبوعين الأولين، إلا أنه يجب أن يتنهي الأمر خلال هذا الوقت، و يجب على المرأة أن تكون مستعدة نفسياً. إذا تم طلب المساعدة على الفور، فيمكن التعامل مع هذه الحالة و تجنب العواقب التي قد تتضمن عدم انجاب المزيد من الأطفال.

يجب أن تُشجع الأمهات على مشاركة مشاعرهن مع شخص ما. مهما كان هذا الشخص، فإنه يجب أن يتجنب الحكم عليهن. بالإضافة الى ذلك، يجب على المجتمع أو حتى الأقارب تجنب أي محادثة قد تؤدي إلى اكتئاب ما بعد الولادة لدى الأم. فيجب تجنب سؤال أم عزباء عن والد الطفل إلا في حالة كون الأم مستعدة للتحدث عن ذلك. حيث قد يؤدي مثل هذا السؤال الى الإكتئاب لفترة طويلة. في حين أن الحالة قد تتفاقم إلى مرض عقلي، يمكن عكس ذلك إذا تم طلب علاج متخصص في مرفق للصحة العقلية مثل بوتابيكا. القيام بالتمارين الرياضية يكون مفيدا أيضا للحالات الخفيفة و المعتدلة. العلاج و الرضاعة الطبيعية هي من الأمور الأخرى التي تساعد أيضا.

لا تخجلوا من طلب العلاج للزوج(ة) أو الابن(ة) أو الصديق(ة)، لأن هذا يعادل إنقاذ حياتهم.
 


سارة بريومومايشو

سارة صحفية أوغندية و تسجيل صوت و مديرة إعلام اجتماعي، كما تعد من المدونات المؤثرات. عملت سارة مع 4 محطات إذاعية رئيسية كمحررة و مذيعة أخبار إنجليزية لمدة 8 سنوات. وهي حالياً مراسلة ومحررة أخبار في هوت شوت للإعلام والإنتاج في كمبالا. هي حاليا أيضا المدير الإداري لأندريا في أوغندا.