هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

ما أثار أفكاري نحو كتابة هذه المقالة كانت رواية مصورة اخترتها عشوائيا قبل أشهر عندما قررت قراءة مادة جديدة. الكتاب هو السيرة الذاتية عن الفيزيائي ريتشارد فاينمان الحائز على جائزة نوبل. وبفضل خدمة دكان، لم يكن طلبها من أمازون أمراً صعباً. في بادئ الأمر تخوفت من عدم إلمامي بالخلفية الفيزيائية لفهم فلسفته في الحياة، ولكن انتهى بي الأمر بالإستمتاع بكل دقيقة من قراءة الكتاب. ويعتبر فينمان أعظم فيزيائي بعد أينشتاين، وقد كنت دائما مفتونة به وقدرته المبهرة على تبسيط الأفكار العلمية المعقدة، وتركيزه على أهمية إستخدام الخيال والفن في العلم، وكيف عاش حياته على أكمل وجه .

كان الشيء المفضل لدي عن أسلوب القصة في هذا الكتاب هو كيفية تعرضي لشيء لم أكن أعرفه من مجرد قراءة أوراقه أو مقالاته في المجلات العلمية أو فيديوهات محاضراته على يوتيوب. لقد تعرفت من خلال الكتاب على الأجزاء غير العلمية في حياته التي اشركتني أكثر، وأضافت صورة إنسانية لقدوتي.

كنت أريد أن أعرف المزيد من المعلومات حول مراحل حياته المستنزفة، ليس فقط كيف بدأ العمل على التفاصيل الفنية للنظرية التي منحته جائزة نوبل. بالطبع الجزء الأخير مهم، ولكن تنشأ أسئلة أكثر إنسانية عندما تحاول التعرف على الأشخاص الناجحين. كنت أتساءل عما إذا كان من يحبونه قد كسر قلبهم؟ و هل ساهم ذلك في تفانيهم في العلوم؟ أم حدث العكس؟ هل واجهوا الفشل بشكل كبير وعميق كما يقوم الناس العاديون؟ كيف تغلبوا على فشلهم؟ بالطبع لايوجد أحد كامل، و جميعنا يمر بالفشل والنجاح، ولكننا عادة نسمع عن النجاحات، وننسي التحدث عن التجارب الفاشلة .

undefined

Source: bigthink.com

في السودان الأمثلة كثيرة. الناس الذين حققوا الكثير حصلوا على لقب التميز SudaneseExcellence# المشهور، و يتواجدون في كل المحافل المحلية والدولية، نحترمهم لقدرتهم على إلهامنا و بسببهم وصل الشعب السوداني إلى أماكن وحقق أشياء كثيرة. منهم المخرجين والعلماء والأساتذة والمؤلفين والموسيقيين، رسامي الكاريكاتير، ففي كل مجال – نحن متواجدون. لقد جعلونا فخورين، وسوف يستمرون في القيام بذلك في المستقبل، و الجهود المبذولة لتوثيق هذا الشعب المبدع وإنجازاته مستمرة في تاريخنا المعاصر.

بالنسبة لي كشابة في مقتبل العمر، مهوسة بالكتب وعلوم الكمبيوتر، مقيمة في السودان، تصادمت مع الحياة الحقيقية عدة مرات. وقفت في مفترق طرق كثيرا، وفكرت في ترك حبي للتكنولوجيا بسبب المكان الذي أعيش فيه، أو لأنني لم أكن متأكدة من فرصي في المقام الأول. قراءة قصص التميز الملهمة لم تضفي سحرها علي،  ليس بسبب التشاؤم أو النظرة الساخرة للحياة، ولكن النقطة التي تؤرقني في قراءة تلك القصص هو شعوري الدائم بأن هناك عنصر مفقود، عنصر أو عامل ليس في مكانه الصحيح. هناك دائما جانب واحد فقط من هذا العرض: قائمة من الإنجازات.

لشخص مثلى حساس جدا حول التفاصيل الصغيرة ولديه فضول حول الجوانب الأخرى غير المذكورة من القصة، أريد أن أرى وأسمع أكثر من قائمة من الإنجازات. أريد أن أرى المزيد من الفشل حتى أستطيع 1) الشعور بعدم الوحدة، و 2) الشعور برابط أقوى مع القصة، وربما الحصول على مصدر إلهام للعمل أو القيام بشيء!

أعتقد أنني استمتعت بكل دقيقة من قراءة رواية ​​فينمان لأنه لم يكن مجرد كتاب عن الإنجازات. أعني أن الإنجازات عظيمة، وبطبيعة الحال، أشياء مختلفة تؤثر على أشخاص مختلفين بطرق مختلفة، ولكن كتاب فينمان أثار تلك الأفكار في وجعلني أدرك كيف أنني أريد المزيد من التحديات، وحتى التجارب الفاشلة، و كيف تؤثر هذه التجارب المكثفة على وجهات نظرنا في الحياة وطريقة عملنا.

لخصت تشيماماندا أديتشي في حديث لها في تيد أننا نرى عادة جانبا واحدا من كل قصة. نعم، كان سياقها مختلفا، فكانت تعنى تبادل الصورة النمطية والجانب السلبي، وفشل البعض في رؤية الجانب المشرق. وأعتقد أن هذا يمكن أن ينطبق أيضا على سياقنا هنا عندما يتم عرض قصص الإمتياز فقط من غير التحديات التي كانت في الطريق إلى النجاح. التجربة البشرية معيبة وغير كاملة في واقعها، و قد نريد المزيد من الفشل لإضفاء الطابع الإنساني والانخراط أكثر مع النجاحات التي قد تتبع أو تسبق وربما تحدث بسبب بعض من هذه الإخفاقات. 


تقوى وراق

تقوى وراق درست علوم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات في جامعة السودان. تهتم بالكتب والذكاء الاصطناعي وأحيانًا الأمان والفن (وتحديداً الرسوم المتحركة) واللغة الألمانية