هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

تمت إعادة النشر بإذن من الكاتب (تاريخ النشر أغسطس 2016)

قبل أشهر قليلة انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعيّ صورة طالبة سودانيّة ذهبتْ لتدرس في لندن ويبدو أن الضغط الأكاديمي هنالك قد أثر على قواها العقليّة فجعلها تفقد التحكم في نفسها وضعفت قواها العقليّة فوجدها بعض السودانيين في شوارع لندن وأرسلوا صورها لعل أحد يتعرف عليها.

في الحقيقة هذه الحادثة أثارت في نفسي أفكاراً كثيراً ما وددت الحديث عنها وعلى تأثيرها على الطالب السوداني مستقبلاً. وبداية الأمر كانت مع تجربتي كطالب ماجستير في الاقتصاد السياسيّ بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسيّة.

الدفعة التي أدرس معها الاقتصاد السياسي يبلغ عددهم تقريباً 20 طالباً، بعد مضي الشهر الأول من الدراسة أتفق طلاب الدفعة على اللقاء في آخر الأسبوع بسبب أمر مهم حدث لأحد طلاب الدفعة. في آخر ذلك اليوم قابلت أحدهم في المكتبة وبينما نحن في طريقنا إلى الكافتيريا لمقابلة بقية الطلاب، سألته عن سبب هذا اللقاء، فأخبرني أن هذا اللقاء أقيم على شرف وداعه. سألته وقتها وكل علامات الإستفهام في وجهي، وداعك؟ أين ستذهب يا رجل؟ فأجابني أنه لن يستطيع أن يكمل الدراسة بسبب أسباب “داخلية”. حينها فهمت أن كلمة ” داخلية” تعني قصوراً في الظروف المادية لديه أو لدى أسرته، فأخبرته ألا يقلق وأن الأمور ستمضي على خير في المستقبل. حينما وصلنا لكافتيريا الجامعة وبعد التحايا والحديث قليلاً عن الدراسة في الجامعة وضيق الوقت وزحمة الواجبات، قالت إحدى الطالبات موجهة حديثاها نحو ذلك الطالب الذي سيغادر: أعتقد أنك كان يمكن أن تستحمل هذا الشيء، أنا مثلاً في الفترة الأخيرة لا أنام إلا باستخدام الأدويّة وأمرُ ببعض الصعوبات لكن الأمر مع بعض الصبر يمكن أن يتعامل معه الإنسان. وأضاف شخص آخر أنه هو كذلك يستخدم الأدوية المهدئة لكي ينام من فترة لفترة. حينها علمت أن كلمة ” داخلية” التي قالها لي ذلك الطالب لا تعني أبداً الظروف الماديّة أو الاقتصاديّة. عرفت بعد ذلك أنه كان مصاب بنوبات قلق حادة جداً panic attacks لم يستطع الصمود أمامها. 

بعد ذلك بشهرين وبعد انتهائنا من أول إمتحانات، وكالعادة نقف خارج المبني للحديث عن الامتحانات القادمة وكيفية الإستعداد لها. بعد مدة من الوقت خرج أحد طلاب دفعتنا من ذات المبني وتذكرت وقتها أنه لم يمتحن معنا في ذات القاعة، فسألت أين كان فلان؟ فأجابني أحدهم بأن فلان هذا يعاني من قلق يأتيه في وقت الامتحانات، وأن إدارة الكلية تُخصص لهؤلاء الطلاب قاعات خاصة، وتقوم بإعطائهم 25% من الوقت الأصلي للإمتحان كوقت إضافي لهم تقديراً لحالتهم. هاتان الحادثتان توضح أن 4 من أصل 20 طالباً في دفعتي (أي أن 20% من طلاب تلك الدفعة) كانوا مصابين ببعض أنواع الإضطرابات النفسيّة الناتجة من الضغوط الأكاديميّة.

خلال فترة الماجستير كنت أعيش في سكن طلابي تابع للجامعة، وطبيعة السكن أنها تكون في شقق، وفي كل شقة تكون هنالك سبعة غرف ومطبخ مشترك. في قرب نهاية العام عرفت أن اثنين من الطلاب اللذان يسكنان معنا في ذات الشقة كانا كذلك مصابان بنوبات قلق وإضرابات نفسيّة تأتيهم في فترة نهاية الدراسة والبحث عن عمل. وفي فترة كتابة بحث التخرج من الماجستير قام أحد الطلاب في إحدي داخليات الجامعة بالإلقاء بنفسه من الطابق الرابع بسبب الضغوط الأكاديميّة والحياتيّة وكسر سلسلته الفقرية وما زال يتلقي العلاج في المستشفي حتى اليوم. عموماً، إحصائياً فإن ما بين 10-20% من الشباب دون 25 سنة يمرون بإضطرابات نفسيّة مثل التي ذكرتها هنا.

undefined

Image Credit: Andy Baker  

قد يتسائل البعض ما الداعي لكل هذا الحديث؟ و هل يعيش طلابنا هنا في السودان نفس مشاكل أولئك الطلاب في الغرب ؟

سأجيب بأن السبب الرئيسيّ لهذه الإضطرابات – بإعتقادي – هو الإحساس بالضغط الأكاديمي المتواصل، وهذا أمر غير موجود في كثير من الكليات السودانيّة. أنا مثلاً درست في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم في أحد الأقسام التي يقال أنها من الأقسام ذات الضغط الأكاديمي العالي. ولكنني وكثير من زملائي كنا ندرس فقط في أخر شهر من السمستر مع بعض الإجتهاد خلال العام، وكان ذلك كفيلاً بتحقيق النجاح ودرجات جيدة جداً. لكن كليات الطب مثلاً يوجد بها هذا الضغط الأكاديمي المتواصل طوال العام، وإحتماليّة ظهور هذه الإضطرابات في طلاب كليات الطب عالية جداً. في الحقيقة فإن الدافع الرئيسيّ لكتابة هذا المقال كانت قصة صديقين عزيزين علي نفسي جداً يدرسان في كليات الطب وأصيبا بمثل هذه الإضطرابات ولأنهما لم يجدا المساعدة المطلوبة فقد أضاعا بضع سنوات إضافية من عمرهما في تلك الكلية. وقد أكد لي أحد الأصدقاء الذين يدرسون في كلية الطب بجامعة الخرطوم أن عدد الإصابة بمثل هذه الإضطرابات في وسط الطلاب، عدد ليس بالقليل. وقد يظهر تأثير هذا الضغط الأكاديمي المتواصل ليس في صورة هذه الإضطرابات بل في صورة إدمان المهدئات والمخدرات التي يلجأ إليها الطلاب كوسيلة لتخفيف حدة الضغوط الأكاديميّة والحياتيّة. أذكر أن أحد الأصدقاء قام بدراسة بحثية عن عدد الطلاب الذين يتعاطون “البنقو” وغيره من المخدرات في كليات جامعة الخرطوم، فوجد أن الكلية التي بها أكثر متعاطين للبنقو والمخدرات هي كلية الطب 

لابد أن يكون هنالك وعي من إدارة الجامعات ومن أقسام الشؤون العلمية بمثل هذه التحديات التي تواجه الطلاب (وخصوصاً كليات الطب) وأن توفر لمثل هؤلاء الطلاب ظروف وترتيبات تساعدهم على التخفيف من حدة هذه الأزمات التي قد يمرون بها. الجامعة التي درست بها في بريطانيا مثلاً، لها مركز قائم بذاته مهمته الرئيسيّة متابعة حالات الطلاب الذي يصابون بمثل هذه الإضطرابات وتقديم الإستشارة والعون اللازم لتجاوز هذه الأزمة. وهذا المركز له تأثير في سياسات الجامعة وقراراتها بخصوص طبيعة المنهج الدراسي ومناسبته لمقدرات الطلاب. ويؤثر كذلك في سياسات الجامعة تجاه الشريحة من الطلاب التي تمر بهذه الصعوبات، فكما ذكرت مثلاً يُعطون 25% من الوقت الاصلي للإمتحان كوقت إضافي لهم تقديراً لحالتهم، بالإضافة للكثير من التسهيلات والمساعدات فيما يخص وقت الامتحاون وتاريخه و الأوضاع المصاحبة له.

الأمر الثاني: لابد من وجود وعي مجتمعي بمثل هذه المشاكل، ويجب البعد عن تفسيرها مباشرة بأنها قد تكون ” عين، أو سحر أو حسد” لانه في كثير من الأحيان يكون الأمر مجرد إضطرابات نفسية تحتاج لبعض المساعدة والعون. كما يجب أن يفهم الناس أن الإكتئاب أو القلق أمراض نفسيّة تؤثر فعلاً على حياة الإنسان و على فاعليته، وليس ضعفاً ولا خوفاً من الطالب، وأن هذه الأمراض بقليل من العون والمساندة يمكن للطلاب تجاوزها وأن يرجع ليعيش حياته الطبيعيّة.