هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

تزداد حالات فيروس كورونا بشكل سريع مما يؤدي إلى انزلاق المرافق الصحية والكوادر الطبية إلى حافة الهاوية. أيضًا يزداد تأكيد الحالات المشتبه بها وتُجبر المستشفيات التي كانت تعالج تلك الحالات على الإغلاق كي يتم تعقيمها. ولكن فيروس الكورونا هو ليس الحالة الطبية الوحيدة التي تُضيّق على السودانيين. إذًا ما الذي يحدث لهؤلاء المرضى؟ وبمن نضحي في سبيل الاستجابة لمرض كوفيد-19 في السودان؟

تنشر وزارة الصحة بيانًا بأخر الإحصاءات عن الحالات المؤكدة وحالات الشفاء والوفيات كل مساء، و تعرض البيانات بشكل إجمالي مع تحديد الإحصاءات لكل ولاية وذلك بدون سرد تفاصيل محددة عن مناطق سكن المرضى. حتى هذه اللحظة فإن ولاية الخرطوم تسجل أكبر عدد للحالات النشطة والوفيات. لا يبدو الأمر مفاجئ إذ يوجد أكبر مطار في السودان في ولاية الخرطوم وتتركز كل المرافق الصحية هناك والتي كانت - في الأوضاع الطبيعية -تخدم المرضى من الولايات الأخرى. بالرغم من ذلك فان الطبيعة المركزية للرعاية الطبية في الخرطوم تأتي الآن بنتائج عكسية في العديد من النواحي.

بداية عادة ما تكون العديد من المستشفيات في الخرطوم مكتظة ومزدحمة وفيها القليل من العاملين الطبيين. الآن وإذ نعيش في ظل جائحة كوفيد-19 فإن هذه المستشفيات تعتبر بؤرًا للانتشار المجتمعي. تعتبر عوامل خطيرة مثل مشاركة عنابر وحدات العناية المكثفة ووجود القليل من الأطباء الذين يعالجون العديد من المرضى ووجود القليل من الممرضين الذين يتعاملون مع أعداد كبيرة من المرضى ومرافقيهم تمكن من انتشار الفيروس -كالنار في الهشيم-لملايين الناس. نسبة لخطورة هذه الأحوال فإن منع ازدحام المستشفيات بات أولوية قصوى للعديد من المجالات الصحية.

undefined

Source: Getty via english.alaraby.co.uk

تم تأجيل الحالات غير الطارئة (الباردة) والعمليات الجراحية المخطط لها والتي لا علاقة لها بكوفيد-19 إلى اجل غير مسمى في المستشفيات الحكومية وذلك في إجراء احترازي استجابة لهذه الجائحة. لسوء الحظ إذا تم تأجيل هذه الحالات الباردة لفترة طويلة فإنها قد تسوء بسرعة وقد يتم إحضارها إلى المستشفيات المضطربة بسبب مرض كوفيد-19 في حالة حرجة تستدعي الرعاية الطارئة. تم تخفيف اللمس الجسدي في الاستشارات والخدمات الصيدلية وذلك عبر مجهودات من المتطوعين والحكومة ومن القطاع الخاص. على سبيل المثال حددت مستشفى الخرطوم التعليمي للأسنان خطًا ساخنًا لحالات الأسنان. أيضًا خلقت اللجنة المركزية للصيادلة في السودان شراكات لتمويل توصيل الأدوية للناس في منازلهم. وتكللت هذه المبادرات بالجهود التطوعية التي قام بها العديد من الإخصائيين، حيث أعلنوا عن لائحة بأسماء الأخصائيين ومعلومات التواصل معهم وتخصصهم وساعات عملهم، وذلك للاستشارات الطبية المجانية.

تعمل كل هذه المجهودات وتتظافر كي نتأكد بأن الحالات التي تحضر إلى المستشفيات هي طارئة ويستوجب معالجتها فوريًا. لحسن الحظ فإن مرضى أمراض التوليد والقلب والكلى يتم استقبالهم بشكل طبيعي إذ تستوجب حالاتهم الرعاية المتواصلة. لا زلات النساء تلد ولازالت صفوف مرضى غسيل الكلى توجد في المستشفيات بعيدًا عن الفوضى التي تحدث في الأقسام الأخرى في المستشفى. بالرغم من ذلك فقد تضررت الرعاية الصحية لهؤلاء نتيجة تفشي وباء كورونا. إن أحد الأسباب وراء ذلك هو إغلاق أو تقليص العديد من المستشفيات عقب بيان وزارة الصحة، وذلك بعد تأكيد الحالات التي تمت معالجتها في تلك المستشفيات أو بسبب النقص الشديد في الكادر الطبي. تستوجب عملية التعقيم إغلاق وحدات العناية المكثفة لمدة تتراوح بين عشر وأربع عشر يومًا للقضاء التام على الفيروس. يؤدي ذلك إلى تقليص عدد مرافق الرعاية الصحية للحالات الطارئة مما يتسبب في إنهاك العاملين واستهلاك الموارد في المرافق التي لازالت تعمل. إضافة إلى ذلك فإن ما سبق ذكره يؤدي إلى الإزدحام المفرط الذي ينتج عن إغلاق تلك المستشفيات.

على صعيد أخر فان هناك فئات محددة من الناس تخاف من التهديد المحتمل المترتب على زيارة المشفى. إن الخوف من الإصابة بالعدوى أو نشرها يجعل العديد من الناس لا يرغبون في الوصول إلى المستشفى كي يتم تشخيصهم. على المدى الطويل، الحالات التي لم يتم تشخيصها ولم تتناول الأدوية ستتدهور وقد ينتج عن ذلك مضاعفات مستديمة أو حتى الوفاة دون معرفة السبب في معاناتهم. من جانب أخر يتأثر المرضى غير المصابين بكوفيد-19 بشكل خطير بسبب هذه الجائحة وذلك لأنهم يتشاركون أطبائهم مع مرضى كوفيد-19. إن قلة العامليين الصحيين تجعل الأطباء يعانون للحفاظ على حد فاصل بين الأطباء الذين يعالجون الحالات النشطة والمشتبه بها والحالات الأخرى غير ذات صلة بكوفيد-19. وهذا يعني بأن على العديد من الأطباء التعامل مع أفراد من الفئات الثلاث مما قد يشكل مصدر خطيرًا لنقل الفيروس للأفراد من ذوي الحالات المرضية المسبقة.

undefined

Image via aljazeera.net

تحدثنا إلى احدى الطبيبات وهي تعمل في مستشفى الرباط الوطني -شريطة أن نخفي معلوماتها- وقالت بأن إضراب الأطباء ونقص معدات الوقاية الشخصية وقلة الشفافية من قبل المدراء الطبيين تقدم العامليين الصحيين ككبش فداء وتضع حياة كل المرضى في خطر. وضحت بأنه لا يتم تنبيه طاقم غرفة الطوارئ وغرفة الرعاية الحرجة من أطباء وممرضين بوجود حالات الاشتباه بكوفيد-19 ، إذ يقومون بعلاج الحالات بدون معدات وقاية شخصية أو حتى كمامات. وتضيف بأن هذا التكتم يضع حياة الطاقم الطبي -والذين هم جزء أساسي في الاستجابة لكوفيد-19 -على المحك. "الآن أنا ارتدي قناع إن 95 الذي أعطاني إياه صديقي" تنهدت الطبيبة عندما سألنها إذا ما كانت المستشفى أو الوزارة قد قدمت إليهم معدات الوقاية الشخصية.

بينما نتفهم لماذا لا يتم إعلان مناطق سكن المرضى في البيانات اليومية وذلك تفاديًا للوصمة، ولكن يجب ألا يأتي ذلك على تكلفة احتمالية نقل العدوى للمواطنين العاديين. أيضا يحق للعاملين الصحيين في المستشفى معرفة ذلك وحماية أنفسهم حتى وإن لم تزودهم المستشفى أو الوزارة بمعدات الوقاية الشخصية. إن مسألة إغلاق المستشفيات ونقص معدات الوقاية الشخصية يتشابكان ويتداخلان بصرف النظر عن عدد الحالات الإيجابية المتستر عليها. على سبيل المثال فقد حذرت اللجنة المركزية لأطباء السودان بأن ثلاثة عشرة مستشفى في كافة أنحاء البلاد سيتم إغلاقهم نسبة لعدم توفر المعدات وذلك يتضمن معدات الوقاية الشخصية. أخيرًا هناك جانب أساسي وهو زيادة سعر المعدات الطبية مما يضع المرضى من أصحاب الحالات الحرجة وغير الحرجة في خطر. استنكر وزير الصحة د. أكرم التوم هذه الزيادات وصرح بأن المواطنين العاديين لا يطيقون شراء الأدوية الأساسية.

يبدو الآن بأن المرضى من غير المصابين بفيروس كورونا يستطيعون السيطرة على الوضع. ولكن ذروة الانتشار وصلت، والعوامل المختلفة التي تؤثر على علاجهم تتزايد تباعا. إنها مسألة وقت فقط وستصبح حياتهم على المحك وقد يموتون نسبة للأضرار الجانبية المصاحبة لمعركتنا ضد فيروس كورونا. وعليه يجب التعرف السريع على الحالات النشطة وتعقيم المستشفيات المتضررة وتوزيع معدات الوقاية الشخصية لكافة المستشفيات في مختلف أنحاء السودان. أيضًا يجب فصل وتخصيص نظام ثلاثية غرف الطوارئ، وأسرة العناية المركزة فقط لحالات فيروس كورونا. عندما يتم اتخاذ هذه التدابير فسيحظى الجميع بفرصة أكبر في البقاء والعيش لما بعد هذه الجائحة.

المصادر:

1. Middle East Eye (MEE).(2020). Coronavirus: Sudan's doctors beaten by police after responding to pandemic.

2. Anadolu Angency (AA).(2020). Sudan health system hit by doctors’ tiff with powers, lack of medical gear.

3. Radio Dabanga. (2020). Coronavirus: Sudan imposes stricter measures to enforce social distancing.



ماريان هايليسيلاسي

درست ماريان هندسة الإلكترونيات وتخصصت في أنظمة التحكم في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا. بالرغم من طبيعة دراستها التقنية ، فماريان شغوفة بالكتابة وقضايا حقوق الإنسان، و يمكنكم إيجادها دوماً وهي تقرأ مقالًا إخباريًا أو تشاهد فيلمًا وثائقيًا. في وقت فراغها ، تحب ماريان مشاهدة الأفلام الكلاسيكية مثل مسلسل The Godfather أو الاستماع إلى أنواع موسيقى غير معروفة.