هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

قبل بضعة أشهر كانت مصففة شعري سارة، خريجة كلية القانون من جامعة أم درمان الإسلامية، تشعر بالإكتئاب وعدم التركيز. السبب أن حبيبها إختفى فجأة و أغلق هاتفه. في وقت لاحق، إتصل بها أحد أصدقائه ليخبرها أن الحبيب كان يسعى للجوء في أوروبا ووجد أحد المهربين ليأخذه هناك بسعر معقول. كما نقل لها رسالة أسَف من الحبيب، معبراً فيها عن سوء حظه لعدم تَمَكُنِه من إيجاد وظيفة و تأسيس أسرة معها في السودان.

في أبريل عام 2014، مات عشرة من العطش والجوع في الصحراء الممتدة بين السودان و ليبيا. كانوا ضمن مجموعة من 319 مهاجر غير شرعي (من بينهم عدد كبير من السودانيين)، يحاولون دخول الحدود الليبية. الضجة التي تركها الخبر لم تدم سوى بضعة أيام مما أثار غضب الجمهور و زاد توتر السلطات عن إنتشار عمليات التجارة بالبشر في السودان. ومع ذلك، مازلنا لا نعرف من هم هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين وماذا كانت حالتهم اليائسة جداً التي أرغمتهم على الهرب، فربما قصصهم غير مختلفة عن تلك التي دفعت حبيب سارة للهجرة الغير شرعية.

undefined

Photo Credit: Siddig Haidar

عندما تخرجت في عام 2008 كان لي أحلام كبيرة بأن أعمل و أصبح مستقلة. واجهتني حقيقة الأمر و أضطررت أن أؤجل هذه الأحلام حتى أُكمِل الخمسة عشر شهراً من الخدمة المدنية الإلزامية (بدون أجر). طَلَبتُ من عائلتي في هذه الفترة أن يواصلوا دعمي مادياً، و تغطية رسومات التسجيل والإمتحانات للمجلس الطبي السوداني. ومع ذلك، لم يكن هذا أسوأ سيناريو لخريج جديد.

بعد سنوات، أدركت أن معظم زملائي من الجامعة والخدمة الإلزامية هاجروا إلى دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. أحدهم كان مُسَجِل، أقيل عن العمل لمشاركته في إضراب الأطباء عام 2010 . كان راتبه الشهري 600 جنيه سوداني، مع إضافة 17 جنيه عند تغطيته للفترة الليلية. كان لديه حبيبة وأشقاء صغار في المدارس. لحسن الحظ أنه حصل على عرض عمل في المملكة العربية السعودية بمرتب 5000 ريال في الشهر, فأنقذه هذا من إنتظار الإستئناف في قضية تعليق عمله و من الصعوبات الاقتصادية التي كان يعيش فيها. بعض المِهَن، مثل الطب، قد تجد طريقها للخروج قانونياً. و لكن ليست كل المهن بهذه السهولة، فالكثير يبحث عن الخلاص من خلال التهريب.

السودان أصبح مكاناً مدمِراً للشباب. الجامعات باتت موقع للعنف والفوضى. الخريجين يجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع البطالة. كمية متزايدة من شباب الخريجين والمهنيين أصبحوا يرون الهجرة السبيل الوحيد لبناء مستقبل وحياة كريمة. ذكرت أمانة العاملين بالخارج أن 67,000 شخص هاجر في عام 2014. إنتشار صورة لمئات من الشباب مزدحمين أمام سفارة قطر في الخرطوم في نوفمبر الماضي دليل واضح على هذه الظاهرة.

في عام 2014، حصَلتُ على منحة دراسية لمدة سنة، لإكمال دراسات عليا في المملكة المتحدة. أحد شروط المنحة العودة إلى السودان بعد إكمال دراستي، والعمل هناك لمدة سنتين على الأقل. أفراد الأسرة الممتدة والأصدقاء المقربين سألوني إذا كنت أخطط للعودة أم طلب اللجوء. حتى أن صحفية تغطي حدثاً متعلق بالمنحة قالت لي “أنتي محظوظة، يجب أن لا تعودي أبداً!”

قبل الحصول على هذه المنحة تأملت كثيراً العثور على وظيفة والهجرة إلى الخارج. و لكني لم أكن شجاعة بما يكفي لإتخاذ هذا القرار. لذلك شعرت بالإهانة العميقة عند سماع آراء الناس الذين قرروا بالنيابة عني، بغض النظر عن خطط حياتي وإعتباراتي.

لقد فزت بهذه المنحة لأن لدي خطط لخدمة بلدي، وليس لإستخدامها في طلب اللجوء بالخارج. في السودان، كنت أعيش في حي من الطبقة المتوسطة في الخرطوم و عملت في العلاقات العامة والنشاط الإجتماعي لمدة سبع سنوات. لم أواجه تهديدات لحياتي، و لست على إستعداد للكذب والإستفادة من نشاطي لإثبات أي أكاذيب. أتابع النشاط لأنني لا يمكن أن أتحمل ذنب أن الملايين يتضورون جوعاً في مخيمات النازحين في جميع أنحاء السودان. إذا كان هناك من يحتاج إلى طلب اللجوء، ينبغي أن يكون من أولئك الذين يفرون من الحرب. مازال هناك الآلاف من الناس الذين يعيشون في مخيمات لسنوات وليس لديهم فرصة للمغادرة.

هناك ما يثير اللإهتمام، حيث أن إنعدام التنمية والنمو الاقتصادي يُجبِر المهنيين المؤهلين على الهجرة في موجات جديدة. في عام 2012؛ قدم وزير المالية بياناً أورد فيه أن الأطباء من بين المنتجات السودانية المُصَدَرة. و مؤخراً إنتشر في المواقع الإسفيرية مقطع فيديو لممثلة من الحكومة تشجّع الشباب على الهجرة- مدعية أن الهجرة ممارسة نبوية. ربما هناك مؤامرة أعظم لإخلاء البلاد من أي شخص غير راضي بالوضع، مثل صديقي المُسَجِل، فمن الأسهل السيطرة على الذين لا صوت لهم.

أخطط للعودة إلى السودان بعد الحصول على شهادة الماجستير. سأعود بمزيد من المعرفة والتجارب الأكاديمية، وسأحاول المثابرة لجعل السودان مكاناً أفضل لي وللملايين في معسكرات النزوح والمنسيين الذين ضحوا بحريتهم ووقتهم وصحتهم، و حقهم في العيش في وطنهم. هذا ليس عمل بطولي بل هو واجب تجاه الكثيرين الذين إختاروا البقاء, البقاء على قيد الحياة والكفاح من أجل النهوض بالمجتمع بإستخدام السُبل و الموارد المتوفرة لهم.

أنا لا أقترح أن يبقى الجميع في السودان عندما تنعدم فرص التطور المهني والفكري. و لكني لا أتفق مع الشباب الذي يدّعي أنه “غادر لأن السودان لم يوفر لنا شيئا”، أو ” بذل قصارى جهده لتغيير الوضع ولكن فشل”. الهجرة دائماً خيار شخصي يمكن أن نعتبره خطة هروب أو فرصة للتطور. من رأيي أن هجرة المهنيين مرحلة إنتقالية للحصول على المهارات والتمكين لقيادة السودان في وقت لاحق. 


يسرى عكاشه

يسرى مناصرة حقوق المرأة و مدونة سودانية. تؤمن بالتكاتف المجتمعي و العدل و المساواة بين كل الناس. يسرى مهتمة بالسياسة و التواصل و لديها مدونة بالعربية و الإنجليزية هنا و حساب في موقع تويتر @sudanesedream